١| 0 طبعة جديدة
راجعها وصححها وعلق عليها حفيد المؤلف
جاح سامون دراي
وكا
للد عوَاتوعم
حقوق الطبع محفوظة
يمنّع نقل أو تخزين أو إعادة إنتاج أي جزء من هذا الكتاب
بأي شكل أو بأية وسيلة: تصويرية أو تسجيلية أو إلكترونية
الطبحة الثاوئكنة !
حكن
الك
ترق
ص ب ١١6١ جدة 75١53721 المملكة العربية السعودية
هاتف 57+7567 فاكس 55017378 : المستودع 571104515
ار ار حل .أطت سر علة .ولس خب اللسي, الى رمز نلا
ممقزه ادام الثانت. ل اللاراترف امامم واصل أ ع حا ئحه
سبي هزه ال دالرال 0 مقلمة
ربص ف نقذ الاق نأى وجي هفنا «لرم مااير دير 1
اذام مج اعقاء رهن دل هاف «ابدرسه ماخ اترن المؤلف
وضاتك الى يبدك الكوّن 2 اشرواه؟ لكل ا ماباصيب
خه شه رلما) 3 عب مو استامتر مد العيت والمفاب.
بالق ههنه المص آزده داحم استز عد 20010 اومم اللهم لك الحمد على
رقائم اكماء فى مارم اسي فعلل يأسى ل رحد سح لت الصعرر اتن ٠. 7 50 5
والضروت ظُ به عنمها كل نعمة أنعمت بها
اال ان امام نكن عل اعيل - «سطم الرهمر امت علي | نعمة
) عل برعم نات اعرل هذا ملع هزه اليأس 00 وراسها
عم
مد تين | نمروساح لكا الإسلام التى يمتد نفعها
ننفت إلى الدار الآخرة الباقية؛
وأصلي وأسلم على رسوله محمد سبب هذه النعم والدال عليها.
وبعدء فمن نظر في المرآة فرأى وجهّه مصفرً ولونّه حائلاً فلا
لْمٍ المرآة على اصفرار وجهه وتحوّل حاله. والأديبُ مرآة الأمة
ولسانها الذي ييدي المكنو في أفئدة أهلهاء ولكل أمة مزليا وعيوب
فمن نبه -مخلصاً- إلى عيب فيها استحقٌ الشكر لا العتب والغضب.
وما فى هذه القصص أكثره واقع استخرجنّه من سجلات
المحكمة أو من وقائع الحياة» فرضي عنه ناس وسخط ناس» وقد
تركت كتابة القصص الآن وانصرفت عنها إلى غيرها.
وأسأل الله النجاح في. كل عمل أعمله» وأن يكتب لي فيه
بعض الثواب. أقول هذا في مطلع هذه الطبعة من هذا الكتاب.
مكة المكرمة: غرة سنة ١141١1١
مقدمة الطبعة الأولى
ترددت طويلاً قبل أن آذن بنشر هذه القصص فى كتاب؛
لأني نظرت فيها بعقل الكهل (وقد كنت كتبتها بأعصاب
الشباب) فوجدت فيها مشاهد لا أستطيع أن أسمح لبناتي
بالاطلاع عليهاء ولا أرضى لبنات الناس ما لا أرضاه لبناتى»
فعزمت على طيّها وإخفائها. ثم فكرت فرأيت أنها لا يمكن أن
تُطوى بعد ما نُشرت في «الرسالة» (وغير الرسالة من المجحلات)
التي كان يطبع منها عشرات الآلاف من النسخ, ثم إن الشباب
يقرؤون من الأدب المكشوف الذي يدعو إلى الشر ما لا يضرهم
-معه- أن يمرّوا بهذه المشاهد فى قصة كُتبت ليُدعى بها إلى
الخير والصلاحء وإنها لم ُخترع اختراعاً ولكنها تصوّر شيئاً
واقعأء إذا نحن كتمنا خبره لم نستطع أن نمحو حقيقته» وإذا هم
لم يقرؤوه في كتاب سمعوه من الناس بآذانهم أو رأوه في الناس
بعيونهم. وفي قصيدة كعب التي نظمها في رسول الله ييوّ وفي
القصائد التي كان يستشهد بها علماء الصدر الأول كثيرٌ من
أوصاف النساءء ما منعتهم كثرته من الاستشهاد به.
على أني قد عدت إلى هذه القصص فمشيت عليها بقلم
الاختصار والحذف» وضحّيت بكثير من الصور الأدبية في سبيل
الحياء والخلق» وتركت قصصاً برمتها لمّا رأيت أنها لا يمكن
تنقيتها مما جاء فيها.
ولست أجوّز -مع ذلك كله- أن يوضع هذا الكتاب في
أيدي الشباب والشابات» وإذا امتدت إليه يد شاب فأنا أوصيه
-إن أراد راحة أعصابه وهدوء باله- ألا يقرأ هذه القصص
(وهى: من صميم الحياة» الخادمة» .بنات العرب فى إسرائيل»
طبق الأصل» فى حديقة الأزبكية, صلاة الفجر). ولست أقول
هذا دعاية لها وترغيباً فيهاء لا والله العظيم؛ ولكن أقوله نصحاً
للشباب وضتناً بهم عليهاء وخشية من الله أن أكون قصدت
الإصلاح فأفسدت. ويا ليتني لم أكتب هذا الذي أضطر إلى
الاعتذار منه والندم على الإقدام عليه» وأسأل الله أن يغفر لي
ويعفو عني.
دمشق: رجحب ١71/8
اليتيمان
نشرت سنة ١9145
أحس ماجد أنه لم يفهم شيئاً مما يقرأ وأن عينيه تبصران
الحروف وتريان الكلم ولكن عقله لا يدرك معناها. إنه لا يفكر
في الدرس» إنما يفكر فى هذه المجرمة وما جرّت عليه من نكد,
وكيف نقّصت احياته وحياة أخته المسكينة وجعلتها جحيما
متسعرأ. ونظر في «المفكرة)(© فإذا بينه وبين الامتحان أسبوع
واحدء ولا بد له من القراءة والاستعداد» فكيف يقرأ وكيف
يستعد؟ وأ نى له الهدوء والاستقرار في هذا البيت وهذه المرأة
تطاردهة وتؤذيه ولا تدعه يستريح لحظة. وإذا هي كفت عنه
انصرفت إلى أخته تصب عليها ويلاتها؟ هل يرضى لنفسه أن
يرسب في أول سنة من سنى الثانوية وقد كان في الابتدائي
المجلي دائماً بين رفاقه والأول في صفه9)؟
وإنه لفي تفكيره وإذا به يسمع صوت العاصفة. وإن العاصفة
لتمر بالحقل مرة في الشهر فتكسر الأغصان وتقصف الفروع؛
)١( وتسمى في مصر «النتيجة»» واصطلاحنا أصح.
(؟) ويسمى في مصر «الفصل».
ثم تجيء الأمطار فتروي الأرض» ثم تطلع الشمس فتنمي الغصن
الذي انكسر وتُنبت معه غصناً جديداًء وعاصفةٌ الدار تهب كل
ساعة فتكسر قلبه وقلب أخته الطفلة ذات السنوات الستء ثم لا
تجبر هذا الكسر أبداً... فكأن عاصفة الحقل أرحم وأرق قلباً
وأكثر «إنسانية» من هذه المرأة التي يرونها جميلة حلوة تسبي
القلوب... وما هي إلا الحيّة في لينها ونقشها وفي سمّها ومكرها.
لقد سمع سبّها وشتمها وصوت يدهاء شلّت يدهاء وهي
تقع على وجه الطفلة البريئة» فلم يستطع القعود. ولم يكن يقدر
أن يقوم لحمايتها خوفاً من أبيه؛ من هذا الرجل الذي حالف
امرأته الجديدة وعاونها على حرب هذه المسكينة وتجريعها
غصص الحياة قبل أن تدري ما الحياة... فوقف ينظر من «الشبّاك»
فرأى أخته مستندة إلى الجدار تبكي منكسرة حزينة» وكانت
مصفرة الوجه بالية الثوب» وإلى جانبها أختها الصغرى» طافحة
الوجه صحة» بارقة العينين ظفَّراً وتغلباء مزهوة بثيابها الغالية..
فشعر بقلبه يشب إلى عينيه ويسيل دموعاً. ما ذنب هذه الطفلة حتى
نسام هذا العذاب؟ أما كانت فرحة أبيها وزينة حياته؟ أما كانت
أعر إنسان عليه؟ فما لها الآن صارت ذليلة بغيضة لا تسمع في
هذا البيت إلا السب والانتهار» أما التدليل فلأختها التي تصغر
عنها سنتين والطرّف لها كأنما هي البنت المفردة» على حين قد
صارت هي خادمة في بيت أبيهاء بل هي شر من الخادم؛ فالخادم
قد ئلة أناساً لهم قلوب وفي قلوبهم دين فيعاملونها كأولادهم
وأبوها هي لم يبقَ في صدره قلبُ ليكون في قلبه شرف يدفعه أن
يعامل ابنته» ابنة صلبه, معاملة الخادم المدللة. لقد كتب الله على
هذه الطفلة أن تكون يتيمة الأبوين؛ إذ ماتت أمها فلم يبق لها أم
ومات ضمير أبيها فلم يبق لها أب!
وسمع صوت خالته” تناديها: تعالي ولك يا ختريرة©!
وكان هذا هو اسمها عندها: «الخنزيرة»» لم تكن تناديها إلا
بهء فإذا جاء أبوها ال المساء نهي ١ البنت : ٠ أتعالي يا بنت» ردحي
يا عينى"!
انظري الذي تريده فهاتيه لها! ألا تجاوبين؟ هل أنت خرساء؟
قولي: ماذا تريد؟
فأجابت المسكينة بصوت خائف: إنها تريد الشكلاطة.
- ولماذا بقيت واقفة مثل الديّة؟ اذهبي فأعطيها ما تريد.
فوقفت المسكينة ولم تدر كيف تبن لها أن القطعة الباقية
هي لها. لقد اشترى أبوها البارحة كفا من الشكلاطة» أعطاه
لابنته الصغيرة فأكلته وأختها تنظر إليهاء فتضايقت من نظراتها
فرمت إليها بقطعة منه كما يرمى الإنسان باللقمة للهرّة التي
تحدق فيه وهو يأكل. وأخذت المسكينة القطعة فُرحةع ولم
تجرؤ أن تأكلها -على اشتهائها إياها- فخبأتهاء وجعلت تذهب
)١( امرأة الأب تدعى فى الشام «خالة».
(؟) «ولك» كلمة شامية محرفة عن «ويلك» تردّد دائماً.
١١
إليها كل ساعة فتراها وتطمئن عليهاء وغلبتها شهوتها مرة فقضمت
منها قضمة بطرف أسنانهاء فرأتها أختها المدللة فبكت طالبة
الشكلاطة.
- ولك يا ملعونة فين الشكلاطة؟
فسكتت. ولكن الصغرى قالت: هناك يا ماما عندهاء أخذتها
الملعونة منى.
واستاقت المرأة ابنتها وابنة زوجها كما يُساق المتهم إلى
التحقيق» فلما ضبطت (متلبسة بالجرم المشهود) ورأت خالتها
الشكلاطة معها حل بها البلاء الأعظم!
- يا سارقة يا ملعونة» هكذا علمتك أمك... تسرقين ما
ليس لك؟
وكان ماجد يحتمل كل شىء إلا الإساءة إلى ذكرى أمه.
فتشمرت له واستعدت. وكانت تتعمد إذلاله وإيذاءه دائماً
فكان يحتمل صامتاً لا يبدو عليه أنه يحفلها أو يأبهُ لها فكان
ذلك يغيظها منه وتتمنى أن تجد سبيلاً إلى شفاء غيظها منه» وها
هي ذي قد وجدتها.
- لا تسمح لي؟! أرجوك يا سعادة البك اسمح لي» أنا فى
١١
عرضك. آه! ألا يكفي أني أتعب وأنصب لأقدّم لك طعامك
وأقوم على خدمتكء وأنت لا تنفع لشيء إلا الكتابة في هذا
الدفتر الأسود؟ لقد ضاع تعبي معك أيها اللئيم؛ ولكن ليس
- قلت لك كمّي عن ذكر أمي وإلا أسكتك.
واقترب منهاع) فصرخت الخبيثة ووَلوَلَت7") وأسمعت
الجيران: تريد أن تضربنى؟ آه يا خاين» يا منكر الجميل! ولي"...
يا ناس» يا عالم» الحقوني يا أخواتي!
وجمعت الجيران» وتسلل ماجد إلى غرفته؛ أي إلى الزاوية
التي سموها غرفة وخصوه بها لتتخلص سيدة الدار من رؤيته
دائماً فى وجهها! ش
كن د ان
ودخل الأب المساى وكان عابساً -على عادته - باسراً؛ له
يبتسم في وجوه أولاده لئلا يجترئوا عليه فتسوء تربيتهم وتفسد
أخلاقهم. ولم يكن كذلك من قبل» ولكنه استنّ لنفسه هذه السنة
من يوم حضرت إلى الدار هذه الأفعى وصبّت سمّها في جسمه
)١( كلمة كثيرة الاستعمال في عامية الشام» وهي من الفصيح. في المعجم:
وَلوَلّت المرأة (وتَولُوكت): دعت بالويل وأعولت (مجاهد).
(؟) مثل كلمة «ولك» التي مر شرحها قبل قليل» إلا أن تلك للمخاطب وهذه
للمتكلم» بمعنى «يا ويلي!» (مجاهد).
1١7
ووضعت في ذهنه أن ماجداً وأخته ولدان مدلّلان فاسدان لا
يصلحهما إلا الشدة والقسوة.
وكانت الخبيثة إذا دنا موعد رواحه إلى الدار تخلع ثيابها
وتلبس ثياباً جديدة» كما تخلع عنها ذلك الوجه الشيطاني وتلبس
وجها فيه سمات الطهر والطفولة» صنعه لها مكرها وخبثهاء ولا
تنسى أن تنظف البنتين وتُلبسهما ثياباً متشابهة كيلا يحس الأب
أنها تفضل ابتها على ابعه.
دخل فاستقبلته استقيال المحبة الجميلة والمّشوقة
المخلصة؛ ولكنها وضعت في وجهها لوناً من الألم البريء
تبدو معه كأنها المظلومة المسكينة» ولحقته إلى المخدع(©
تساعده على إبدال حلته. وهناك روت له القصة مكذوبة مشوهة
فملأت صدره غضباً وحنقاً على أولادى فخرج وهو لا يبصر ما
أمامه ودعا بالبنت فجاءت خائفة تمشى مشية المّسوق إلى
الموت» ووقفت: أمامه كأنها الحَمّل المهرول ببن يدي النمر.
فقعد على كرسي عال كأنه قوس المحكمةء وأوقفها أمامه
كالمتهم الذي قامت الأدلة على إجرامه» وأفهمها قبح السرقة
وعتفها وزجرها... وهو ينظر إلى ولده ماجد شزراً. وكانت
نظراته متوعدة منذرة بالشرّء ولم يسع ماجداً .السكوت وهو
يسمع اتهام أخته بالسرقة وهي بريئة منهاء فأقبل على أبيه يريد
)١( المخدع كلمة مثلثة؛ بفتح الميم وضمها وكسرها. وهي -في الأصل-
الغرفة من غرف البيت» ولكن أكثر ما يستعملونها في وصف غرفة التوم
فيه (مجاهد).
١
أن يشرح له الأمرء فتعجل -بذلك- الشرّ على نفسه.
انفجر البركان وزلزلت الدار زلزالهاء وأرعد فيها صوت
الأب المغضب المهتاج: تريد أن تضرب خالتك يا قليل الحياء»
يا معدوم التربية» يا ملعون؟ حسبت أنك إذ بلغت الرابعة عشرة
قد صرت رجلاً؟ وهل يضرب الرجل خالته؟ إننى أكسر يدك يا
م
صفى .
- والله يا بابا مو صحيح...
- ووقاحة أيضاً؟ أما بقى عندك أدب أبدا؟ أتكذب خالتك؟
- أنا لا أكذيهاء ولكنها تقول أشياء ليست صحيحة.
عند ذلك وثب الأب وانحط بقوته وغلظته وما أَنْرَعتْ به
نفسّه -من مكرها- زوجتّهء انحط على الغلام وأقبل يضربه
ضرب مجنون ذاهب الرشدء ولم يُشف غيظ نفسه ضريّه فأخذ
دفتره الأسود الذي أودعه دروسه كلها فمزقه تمزيقاًء ثم تركه هو
وأخته بلا عشاء عقوبة لهما وزجراً.
# اج عا
تعشى الزوجان وابنتهما وأويا إلى مخدعهماء والغلامُ
جائمٌ مكانه ينظر إلى قِطّع الدفتر الذي أفنى فيه لياليه وعاف لأجله
طعامه ومنامه» والذي وضع فيه نور عينيه وربيع عمره وبنى عليه
أمله ومستقبله... ثم قام يجمع قطعه كما تجمع الأم أشلاء ولدها
١
الذي طوّحت به قنبلة» فإذا هي آلافٌ لا سبيل إلى جمعها ولا
تعود دفتراً يُقرَأ فيه إلا إذا عادت هذه الأشلاء بشراً سوياً يتكلم
ويمشي. فأيقن أنه قد رسب في الامتحان وقد أضاع سنته؛ وكبر
عليه الأمر ولم تعد أعصابه تحتمل هذا الظلم» وأحس كأن الدنيا
تدور به» وزاغ بصره» وجعلت أيامه تكر راجعة أمام عينيه كما
يكر فلم السينما.
تنسيه آلامّ الدنياء وصدرها الذي كان يفرع إليه من خطوب
الدهر. رآها في صحتها وشبابهاء ورأى البيت وما فيه إلا السلم
والهدوء والحب» ور أى أباه أبأ حقيقياً تفيض به روح الأبوة من
عينيه الحانيتين ويديه الممتاثتين -أبداً- بالطَرّف واللطف ولسانه
ويكرٌ الفلم» ويرى أمه مريضة فلا يهتم بمرضها ويحسبه
مرضاً عارضاً. ثم يرى الدار والاضطراب ظاهر فيها والحزن باد
على وجوه أهلهاء ويسمع البكاء والنحيب» ويجدهم يبتعدون به
ويُخفون النبأ عنه» ولكنه يفهم أن أمه قد ماتت. ماتت؟ إنها
كلمة تمر عليه مرا هيّناً فلا يأبه لها. وكان قد سمع بالموت وقرأ
عنه في الكتب؛ ولكنه لم يره من قريب ولم يدخل داره ولم يدق
في حبيب ولا نسيب. غير أن الأيام سرعان ما علمته ما هو
الموت حين صحا صبيحة الغد على بكاء أخته الحلوة المحيّبة إلى
أمهاء والتي كانت محببة -تلك الأيام- إلى أبيهاء ففتح عينيه فلم
يجد أمه إلى جانبها لترضعها وتضمها إلى صدرها. واشتد بكاء
الببت» وطفق الولد ينادي: «ماما...). ثم جفا فراشه وقام يبحث
١5
عنهاء فوجد أباه وجمعاً من قريباته يبكون هم أيضاء فسألهم أين
أمهء فلم يجيبوه. وحين أراد الغدرّ على المدرسة:» فناداها فلم
تأت لتَعدَ له حقيبته وتُلبسه ثيابه ولم تقف لوداعه وراء الباب تقبّله
وتؤصيه ألا يخاصم أحداً وألا يلعب في الأزقّة» ثم إذا ابتعد
عادت تناديه لتكرر تقبيله وتوصيته. وحين عاد من المدرسة فوجد
امرأة غريبة ترضع أخته... لماذا ترضعها امرأة غريبة؟ وأين ماما؟!
ويكر الفلم» ويرى أباه رفيقاً به حانياً عليه يحاول أن يكون
له ولأخته أماً وأباً. ولكن هذا الأب تبدَلَ من ذلك اليوم المشؤوم.
ورأى ذلك اليوم المشؤومء يوم قال له أبوه: ستأتيك -يا ماجد-
أم جديدة... أم جديدة؟ هذا شيء لم يسمع به. إنه يعرف كيف
تجيء أخت جديدة؛ إن أمه تلدها من بطنها. أما هذه الأم فمن
أين تولد؟ وانتظرء وجاءت الأم الجديدة. وكانت حلوة» ثيابها
جميلة» وخدودها بلون الشفق» وشفاهها حمر ليست كشفاه
الناس. وعجب من لون شفاههاء ولكنه لم يحبيها ولم يمل إليها.
وكانت'فى أيامها الأولى رقيقة لطيفة» كالغرسة الصغيرة» فلما
مرت الأيام واستقرت في الأرض ومدّت فيها جذورَها صارت
يابسة كجذرع الدوحة» وإن كانت تخدع الرائين بورقها الطريّ
وزهرها الجميل. ولما ولدت هذه البنت انقلبت شيطانة على
صورة أفعى مختبئة فى جلد امرأة جميلة. والعياذ بالله من المرأة
الجميلة إذا كانت في حقيقتها شيطانة على صورة أفعى!
وانطمست صورة الماضى الحبيب» واضمحل الفلم ولم
يبقَ منه إلا هذه الصورة البشعة المقيتة. ورآها تكبر وتعظم حتى
أحاطت به وملأت حياته وحجبت عنه ضياء الذكرى ونور الأمل.
١7
وسمع قهقهة. فانتفض وأحسّ كأن رنينها طلقات
«متراليوز»2'7) قد سقط رصاصه فى فؤاده, وكانت قهقهة هذه
المرأة التي أخذت مكان أمه يتخللها صليل ضحك أبيه. وأنصت
فإذا هو يسمع بكاء خافتاً حزيناً مستمراًء فتذكّر أخته التي نسيهاء
وذكره جوعه بأن المسكينة قد باتت بلا عشاءء ولعلها قد بقيت
بلا غداء أيضاًء فإن هذه المجرمة تشغلها النهار كله بخدمتها
وخدمة ابنتها وتقفل دونها غرفة الطعام فلا تعطيها إلا كسرة من
الخبز» وتذهب فتطعم ابنتها خفية» فإذا جاء الأب العشية ولبست
أمامه وجهها البرئ شكت إليه مرض البنت وضعفها: مسكينة
هذه البنت» إنها لا تتغدى... انظر إلى جسمهاء ألا تريها لطبيب؟
ولكن ماذا يصنع لها الطبيب؟ إنها عنيدة سيئة الخلق... أدعوها
للطعام فلا تأكل» وعنادها سيقضي على صحتها.
فيناديها أبوها ويقول لها: ولك يا بنتء ما هذا العناد؟ كلي
وإلا كسرت رأسك!
فتتقدم لتأكل» فترى المرأة تنظر إليها من وراء أبيها نظرة
الوعيد؛ وترى وجهها قد انقلب حتى صار كوجه الضبع؛ قتخاف
وترتد. فتقول المرأة لروجها: ألم أقل لك؟ إنها عنيدة تحتاج إلى
فيهز رأسه ويكتفي من تربيتها بضربها على وجهها وشد
أذنها وطردها من الغرفة» ويكون ذلك عشاءها كل عشية.
الأيام- لوصف كل مدفع رشاش سريع الطلقات (مجاهد).
1١178
تذكر ماجد أخته فقام إليها فرفعها وضمها إلى صدره:
مالك؟ لماذا تبكين؟ اسكتي يا حبيبتى
- جوعانة.
جوعانة؟ من أين يأتيها بالطعام؟ وقام يفتش» فأسعده الحظ
فوجد باب غرفة الطعام مفتوحاً (وعهده به يُقفل دائماً)» ووجد
على المائدة بقايا العشاء فحملها إليهاء فأكلتها فرحة بها مُقبلة
عليهاء كأنها لم تكن -من قبل- الابنة المدللة المحبوبة التي لا
يُرد لها -لو طلبت- طلب ولا يخيب لها رجاء. وآلمه أن يراها
تفرح إذا أكلت بقايا أختها وأبيها يسرقها لها سرقة من غرفة
الطعام؛ وعادت صور الماضي فتدفقت على نفسه وطغت عليهاء
ورجعت صورة أمه فتمثلت له» وسمعها تناديه... لقد تجسم هذا
الخيال الذي كان يراه دائماً ماثلاً في نفسه حتى رده إلى الماضي
وأنساه حاضره؛ ولم يعد يرى في أخته البنت اليتيمة المظلومة
وإنما يراها الطفلة المحبوبة التي تجد أماً تعطف عليها وتحبها.
ونسي دفتره الممرّق ومستقبله الضائع وحياته المرّة» وطفق
يصغي إلى نداء الماضي في أذنيه... إلى صوت أمه.
عند ماما.
هذه المرأة المجرمة: وخافت منها وأبت أن تذهب 0 لقد
كان من جناية هذه المرأة أنها شوّهت في نفس الطفلة أجمل
صورة عرفها الإنسان: صورة الأم.
18
- تعالي نروح عند ماما الحلوة: أمك. إنها هناك في محل
وحملها بين يديه) وفتح الباب ومضى بها». يحدوه هذا
الصوت الذي يرن فى أذنيه حلواً عذباًء إلى المكان الذي فيه أمه.
كد يد فن
وقرأ الناس فى الجرائد ضحى الغد أن العسس وجدوا فى
المقبرة طفلة هزيلة فى السادسة من عمرها وولداً فى الرابعة
عشرة» وقد حُملا إلى المستشفى لأن البنت مشرفة على الموت»
قد نال منها الجوع والبرد والفزع ولا يمكن أن تنجو إلا بأعجوبة
من أعاجيب القدرء أما الغلام فهو يهذي في حمّاهء يذكر
الامتحان والدفتر الأسود وأمه التي تناديه... والمرأة التي تشبه
الأفعى!
بنات العرب في إسرائيل
نشرت سنة 1١9617
هذه قصة واقعية» قرأتها ملخصة في سطور في
كتاب «من أثر النكبة» للأستاذ نمر الخطيب. بطلها
رجل من فلسطين يحسن الإنكليزية كان له صديق
من أعضاء اللجنة الدولية» سأله أن يأخذه إلى تل
أبيب ليجدد ببلاده عهداء فأجابه إلى ما سأل
وألبسه لياس أعضاء اللجئة حتى غدا كأنه واحد
منها.
ووصلوا تل أييب» فأنرلهم اليهود في فندق عظيم
وأولوهم أجمل العناية دأكبر الرعاية» حتى لقد
أخبروهم أن إدارة الفندق ستبعث إلى غرفة كل
واحد منهم فتاة بارعة الجمال لتكون رفيقته تلك
الليلة.
قال:
ولما أويت إلى غرفتي تمثلت لي الفتاة التي وعدت بهاء
فملأت صورثُّها نفسي وهاجت فيها أدنأ غرائرها وأحط شهواتهاء
ونسيت أنى فى بلد العدو وأن على التوقى والحذرء» وارتقبت
ليلة -كما يقولون- حمراء تلتهب فيها الأعصاب بنار الشهوة
55١
الجامحة؛ وخَيّل يل إليّ منطق الغريزة أني إن نلت امرأة من يهود فقد
غزوت يهود فى ديارها! وثقّلت على الساعات الباقية دون الليل
وطالت دقائقها؛ وجثم وقت الاننظار على صدري فتقارب نسي
وازداد خفقان قلبي» وأحسست بركبتى: تصطكان» وكنت أقعد
فلا أطيق القعود فأقوم فلا أرتاح إلى القيام» وحاولت القراءة
فكانت الكلمات تتراقص أمام بصري ثم تستحيل إلى صور صبايا
عاريات» وتضيع المعاني فلا أدرك إلا المعنى الواحد الذي هو
في ذهني.
وكذلك تصرّمت ساعات ما أظن أنه مر علي في عمري
أثقل منهاء وما أظن لذائذ الوصال -لو جُمع لي ما يلقاه الناس
كلهم منها- تعدل ألام هذه الساعات.
... وجاء النادل (الكارسون) يقدم إليّ فتاة» جرفتها يبصري
في لمحة واحدة» وجردتها بخيالي من ثيابها في ثانية فرأيتها
عارية أمامي وجمحت بي الغريزة حتى لا أقدر على الصبر عن
عناقها دقيقة وعن ضمها إلي. ولم تكن فتاة ولكنها كانت فتنة في
ثوب امرأة) وكانت الحب الذي غنى له الشعراء وهاموا به
مصوراً فتاة.
كذلك كنت لما ثُبَْتْ النظرَ أخيراً على عينيها. لقد كانت
لها عينان لا يستطيع السموّ إلى بيان وصفهما البيان؛ عينان فيهما
شيء لا أدري ما هو. ولكن أحلف أني ما مكنتُ بصري منهما
حتى أحسست بأن أعصابي المشدودة قد استرخت وأن دمي
الفائر بالشهوة قد برد وأن قد طارت من رأسي كل فكرة جنسية»
5
وامتلاً قلبى عطفاً وحناناً كأن أمامى قطة صغيرة وديعة حلوة
الوجه ناعمة الشعر. هذا ما شعرت به» وأنا أعتذر من غرابة هذا
الشعور. وتوهمتها -من طهر عينيها- زنبقة من زنابق الجبل»
بيضاء كالثلج» نقية كالندى» لم يمسسها إلا نسيم الأصيل ولم
تقبّلها إلا أشعة الشمس ولم تبصر عُرْيها إلا عين أمها.
وعجبت أنا من نفسىء مما عرانى» قبل أن يعجب القارئ
مما أروي. عجبت كيف تكون لي هذه العاطفة على بغي!
أوَليست بغيّاً هذه التى يقدّم جسدها اليهودٌ قِرَى0"©
لضيوفهم كما يقدّمون لحوم الخراف وشحوم الخنازير؟
وعدت أنعم النظر إليهاء فأرى صبية في ثياب الغواني ولكن
في عينيها حياء العذارى» وأرى فيها ملامح رقة وتهذيب كأنها
ملامح طالبة من طالبات المدرسة لا فتاة من فتيات الليل»
فرحت أحاول أن أوحي إلى نفسي أنه دل البغايا حين يسرقن
نظرات الأبكار.
ووقفت ووقفت» وساد الصمت والسكون فلا حركة ولا
كلام.
تعودت -من قبل- إلا لقاء وحوش في ثياب بشرء لا يرون
فيها إلا ما يراه الذئب في جسم النعجة» لا يعنيه منه لونه في
نظره ولا ريحه في أنفه ولا لينه في كفه» ولكن طعمه تحت
)١( القرى (بكسر القاف): الطعام الذي يقدّم للضيف (مجاهد).
ارح
أنيابه. وإن كان جسد النعجة ينال مرة فتموت وتستريح وهذه
«نعجة» يتعاورها الذئاب كل يوم» فهي تموت كل يوم ميتة
جديدة.
وقفت متململة تحاول. الابتسام فلا يلوح على شفتيها إلا
بقايا ابتسامة ماتت من زمن طويل. ونُقُل الموقف ولم يُفتح علي
بكلمة» فأرادت الخلاص فأشارت إشارة المحكوم عليه إلى
لجلاد ليعجل عليه بالإنفاذ ويخلصه من الانتظار الذي هو شر من
الإتفاذ.
ودعوتها فقعدت إلى جنبي وبصرها تائه في الأفق البعيد»
كأنها تتحرك وهي منوّمة. وكلمتها بالإنكليزية فأجابت بها جوابَ
غير متمكن منها. فكلمتها الكلمات القليلة التي أحفظها من
العبرية» فعلت وجهها سحابة سوداء من الألم » وغامت عيناها
لحظة ولم تجب. ففكرت: هل أخاطر وأكلمها بالعربية؟ وكنت
أعلم ما في ذلك من الأذى والضر بي» ولكني أقدمت وقلت
لها: هل أنت عربية؟
فانتفضت انتفاضة لو كانت بصخرة لصيّت فيها الروح
ولانبجست فيها الحياة» وأضاء ذلك الوجه الجميل الذي كان
عليه نقابان: نقاب من التبدّل الظاهر ونقاب من الألم الخفي»
وأشرق بنور سماوي؛ وحدّقت فى بعينيها العجيبتين وفيهما لمعة
الفرح وفيهما حملقة الذعرء وقالت: هل أنت عربي؟
فترددت ما بين خوفي منها وبين عطفي عليها؛ خفت أن
تكون يهودية فتشى بى وأشفقت أن تكون عربية تحتاج إلي»
1
ثم غلبت ثقتي بها فقلت لها: نعم.
قالت: وأنا عربية) من أسرة «كذا» من بلدة «كذا»» ومعى
خمس وثمانون من بنات العرب.. ْ
| فأحسست كأن خنجراً مسموماً قد أوقد عليه وعُرز في
قلبي» وكأن الأرض تدور بي ولكني ثبت ولم أحبّ أن أفجع
المسكينة بهذا الحلم البهي الذي رأيت ظلاله على وجهها.
لقد حسبت -من خلال الفرحة الطارئة- أنها فى يافا العربية؛
وأنها قد عادت إلى طفولتها المدللة وعادت لها طهارة تلك
الطفولة» وأنها لا ترال العذراء البكر تعيش بين أهليها وذويها
في حمى الأبطال العرب الذين كانوا يحرسون أرض الوطن
وعِرْض بنات الوطن» وحمى الجيوش العربية السبعة التي كانت
أعلامها تلوح في الآفاق الأربعة البعيدة» من وادي النيل
0 .وجنيات الأردن وخمائل الغوطة وسهول العراق وبطاح نجدء
..«فتبعث في نفوس عذارى فلسطين الدعة والأمن» وفي قلوب
. : شبابه الرهو والكبرء وتمنعها أن تطيف بها رهبة من يهود.
ولكن هذه الإشراقة ما لبثت أن بدت حتى اختفت. إن
الصبح الذي حسبته قد انبلج بعدما طال منها ارتقابه لا يزال
بعيداً» والشاطبع الذي ظنته دنا بعدما اشتد إليه حنينها لا يزال
ضائعاً في الضباب» ولا يزال مكتوباً عليها أن تقاسي الذل
آماداً أخرى... لا يزال فى الكأس المريرة بقايا عليها أن
تتجرعها.
حَبَتْ إشراقةٌ الور التي وقدت على جبينهاء وانطفأ البريق
؟”
الذي لمع في عينيهاء وهيض الجناح فهبطت من سماء الأحلام
إلى أرض الحقيقة التي قيدتها بها قيودُ اليهود. وصحت من سكرة
الفرح فإذا هي حيث كانت؛ لا الحرية عادت ولا الأهل» ولا
الليالي الماضيات تعود.
وفاضت النفس رحمة بها وحناناً عليهاء فطوقتها بيدي»
فانكمشت والتصقت بي كما تفعل القطة الوديعة» وأخفت وجهها
في صدري وهي تنشج نشيجا خافتا تمنيت -معه- لو أستطيع أن
أشتري سعادتها التي فقدتها بحياتي لأردّها عليها» وأحسست
كأني كنت أحبها منذ الأزل؛ وأني لم أعش يوماً منفرداً عنها ولا
أعيش يوماً بعد فراقهاء وأن قد امترج منا الجسمان واتحد
الروحان واختصر الزمان حتى كان هذه اللحظة وحدها كما
يختصر شعاع الشمس في عدسة الرجحاج في نقطة واحدة وفي
هذه النقطة الأشعة كلهاء فلا ماض مضى ولا آت يجيء.
وهتفت بي ووحهها خلال ثيابي» وأنا أَحِسّ خفق قلبها.
فوق صدري كأنه حديث من قلبها إلى قلبي: لن أعود إلى حمأة
الرذيلة» لن أعود. خذني معكء إلى الشام» إلى الأردن» إلى
الصحراء؛ إلى أي بلد عربي لا حكم فيه لليهود. خذني أكن
خادماً لك؛ أكن أَمَقَ أو فأعني على الموت فإني لا أجرؤ
وحدي عليه؛ حتى لا أهين بجسدي الملوث الأرض التى احتوت
رفات الجدود. ْ
3 قد فقت
لقد رأت في | لمسكينة شعاعةً تخلفت من نهارها وزهرة
5"؟”
بقيت من روضهاء فحسبت أن النهار الذي ولى وغربت شمسه
يعود» وأن الروض الذي جف وصوًّح”22 نبته يرجع. وهيهات
هيهات! لقد فقد العرب كبرياء العرب» وأضاعوا عرة العرب
وشهامة العرب.
لقد هتفت أسيرة عربية في قديم الدهر باسم ملك العرب
المعتصم» فنحى الكأس -وقد دعا بها ليشربها- ووثب من فوره
يجيبها:
«أجابها» مُعلناً بالسيف منصلتا
ولو «أجاب» بغير السّيف لم يجب
حتى اقتحم من أجلها جيش هرقل صاحب البرّين والبحرين
ونازل الروم الذين كانوا -يوماً- سادة الأرض» وعاد بالمرأة
وعاد بالنصر الذي طبق خبرّه الأرض وطاول محده السماء.
فهل من ينقذ اليوم آلاف النساء» نساء العرب» من سبى أذل
الأمم: اليهود؟ هيهات! لقد فقد العرب كيرياء العرب وعزة
العرب!
ييخ نط نا
وعادت تقول وهي مُخفية وجهّها خجلا: إن ترني -اليوم-
ماشية فى طريق الفجور فلقد كنت -يوماً- بعيدة عنه جاهلة به
وكان لي أبوان شريفان وكانت لي أخت» وكانت...
)١( صو النبت: يبس حتى تشقّق (مجاهد).
/7و1
ود شهقت 7 شهقة أليمة.
... فهل يعلم أحدٌ أين أختي؟ لقد أراد لي والداي الحياة
الماجدة الكريمة فربياني على الدين والخلق؛ وعلماني حتى نلت
الشهادة الابتدائية وتهيأت للمتوسطة. وأطلعني أبي على روائع
الأدب وكنوز المعرفة» وكان يرجو لي مستقبلاً فكان مستقبلي..
كان... كان... ْ ْ
وشرقت بدمعها.
6ه .6ه 01 .هه .- ع .9 - 0
لقد قتلوا أمي يوم الواقعة» أفتدري كيف قتلوها؟ إنهم
وضعوا البندقية فى... كيف أقول؟ فى مكان العفاف منهاء
فوقعت أمامي تتخبط بدمها. أما أبي فهرب بي وبأختي وانطلق
يعدو حتى لحقوه: فجعلوا يضربونه بأعقاب البنادق وبأيديهم
وبأرجلهم حتى سقطلل واستاقونا... ورحت أتلفت وأنا أكاد
أجن من الذعر أنادي: أبى» أبى !
7
أحسبُ أن أبي يسمع ندائي بعد الذي نرل به أو يقدر على
حراك. ولكن أبي قد سمع» وشدّت روح الأبوة وسلائق العروبة
من عزمه؛ فنهض يسعى لينقذني. وكلما وَنَى ذكر أن ابنته التي
رباها بدمه وغذاها من روحه ورجا لها المستقبل البارع. ستغدو
أمّةَ لليهود فتعاوده القوة» حتى استنفد آخر قطرة من قواه فسقط
مرة ثانية قبل أن يدركنا.
تمر على الإنسان المصائب الثّقال فينساها؛ يمرض حتى
يتمنى الموت ثم يدركه الشفاء فينسى أيام المرض» ويموت
38
أليفه فيألمُ حتى يعاف العيش ثم ينسى موت الحبيب» ولكن
مصيبة الفتاة بعفافها لا تنسى حتى تَردَ ذكراها معها الموت.
لقد كانت هذه الساعة بداية آلامى التى سأحملها معى
إلى القبر؛ فقدت الأب والأم» ثم فقدت العفاف وغدوت مثل
البغاياء فأين عينا أبي ترياني؟ أين أبي؟ هل هو حي معدب
مثلي أم قد مات واستراح؟ إني لأرجو أن يكون قد مات.
أفرأيت ابنة تثمنى الموت لأبيها؟ نعم؛) حتى لا يرى ما حل
ببنته فيجد ما هو أشد عليه من الموت.
ولما غدوت وحيدة في أيديهم وعرفت أنه لا معين لي
بعد أن فقدت أبي تنبهت القوى الكامنة في» وأمدّني اليأسٌ
بالعزم» وشعرت بأني كبرت فجأة حتى أصبحت بجنب أختي
الصغيرة أما لها بعد أمها وأباً بعد أبيهاء وأن علي أن أحميهاء
وقلت لنفسي: إذا كانت الدجاجة تدفع عن فراخها هجمة
النسرء والقطة -إن ضويقت واستيأست- تقاتل الذئب» فلم
أعجزر عن حماية هذه الطفلة؟ وقد كانت طفلة حقاً؛ كانت
في الثالثة عشرة» تبكي بكاء ما رأيت -قط- مثله وترتجف
كل عضلة من جسمها كما ترتجف كل ورقة في الشجرة هبت
عليها رياح الخريف.
وتتمَّرت واستبسلت دونهاء ولكنهم غلبوني وأخذوها
مني» ثم وضعوني في سيارة جيب مع ثلائة من جنود يهود.
وطفقت أدافع بيدي ورجلي وأعض بأسناني حتى عجز عني»
أنا الببت الضعيفة» ثلاثة الرجال. فلو أن كل عربي من أهل
>58
فلسطين وكل امرأة وكل ولد كان قاتل بسلاحه وقاتل بعصاه
.إن لم يجد السلاح وبحجارة أرض الوطن وبيديه وأستانه
تخشى أن تسرق همسها آذان خفية في الجدار فتنقله إلى جلاديها.
قالت: وصبّ في الخوف على أختي قوةٌ لم أكن أتصور
أنها تكون لأحد فاغتنمت لحظة غفلة ممن معى ووثبت من
السيارة فوقعت على ركبتي.
وكشفت عن ركبتيها وقالت: انظر. ثم عاودها حياء العذراء
التي كانتها يومأ والتي تقص قصتها فأسرعت فسترتهما.
قالت: وجعلت أعدو حافية (وقد سقط الحذاء من رجلى)
على التراب والشوك حتى لحقوا بي وأعادوني. ورجعت أدافع؛
فأحسست غرز إبرة في يدي» ثم لم أعد أشعر بشيء.
وسكتت لحظة؛ وكادت -من الحياء- يدخل بعضها فى
بعض» وصار وجهها بلون الجمرة؛ ثم تكلمت يصوت خافت
كأنه آهات مكتومة لم أتبينها حتى دنوت منها ولفحت أنفاسها
وجهى. قالت: ولمّا صحوت وجدئنى متكشّفة ملقاة على أرض
السيارة.
وعادت تنشج ذلك النشيج الذي يفتت القلب. لقد أراقت
دم عفافها لأن رجال قومها لم يُريقوا دماء أجسادهم في سبيل
الأرض وفى سبيل العرض. لقد خدّروها بهذه الإبرة كما خدّروا
0
زعماء العرب بالوعود وبالخدع وبحطام من الدنيا قليل.
*# *# *#
قالت:
وصرنا ننتقل من يد إلى يدء أنا وبنات قومى العرب؛ كالاماء
في سوق الرقيق. لم تهدر كرامتنا وحدها ولم تضع أعراضنا
فقطء بل لقد فقدنا صفات الإنسانية» غدونا «أشياء» باع وتُشترى
إن البائس ليّلقَى في مغارات اللصوص وفي سراديب السحرة
قلباً طيباً يحنو عليه ويخفف بؤسه, ولكنا لم نلق هنا رحمة من
أحد. لقد قرأت مرة في قصة كان دفعها إليّ أبي مترجّمة عن
الكاتبة الأمريكية أ. بيشرستو أنه كان من أحلى أمانى الرقيق أن
يبع معه قريبه وألا يفصل الرق الأمّ عن بنتها والولدَ عن أختى
:فكنت أعجب من تلك العصور وهوان الإنسانية فيهاء فأي حقيقة
مروعة مرعبة رأيت؟ بئات العرب صرن رقيقاً لليهود» لا للعمل
ولا للخدمة بل للخري والفجور. وهأتذى مثل ذلك الرقيق» كل
ما أتمناه أن يجمع الرق الأبيض بيني وبين أختي!
جا اا
هذا ما تتمناه بنت الأسرة العربية الشريفة بعد نكبة فلسطين.
أما حنان الأب» أما حب الأم» أما عزة العفاف وكرامة العروبة
وتلك الأيام التي كانت ترتع فيها في روض الطفولة... فلم يبق
من ذلك كله إلا صور باهتة في أعماق الذاكرة لا تجرؤ هي أن
"١
تحدق فيها. كلاء إنها لا تستطيع أن تسمو إلى بعث هذه
الذكريات؛ إن الرأس الذي أحنته وصمة العار لا يقدر أن يرتفع
بنظره إلى السماء.
ولكن الوصمة يا أختى... يا أختى على ما أنت عليه
الوصمة ليست على جبينك أنت؛ إنها على جبين كل عربي يرضى
لك هذا الذي أنت عليه.
من المستحيل أن نفكر بالغاية التى بعثوا بها من أجلها؛ ذلك لأن
الشهوة لا تنام على فراش حُشي بأشواك الذعرء وغريزةً الجنس
لا تسكن قلباً ملأته بالآلام نكبات الوطن.
لقد صيّرتها جوامعٌ الأحران أختي. ولا يستطيع الشيطان
الجريح.
وانتهت الليلة. وجاء النادل في الصباح ليقدم الفطورء قوت
الصباح» ويحمل الفتاة» قوت الليل. فاضطرمت فى رأسى نار
النخوة لمّا أبصرتّه. ولكنها كانت (يا للعار!) نار القش تضطرم
فلا تحدا لحطب الجرل وتنطم ع
وودعتني بنظرة... بنظرة لا يمكن أن يعبر عن وصفها
وجاءت السيارات تحملنا لنعود من حيث أتينا؛ نعود ونترك
بناتنا يفتك بأعراضهن اليهود. ومررنا بيافاء ونظرت إلى هذه
ردن
المنازل التي كانت بالأمس لنا فصارت لغيرناء خرجنا منها في
ساعة واحدة انحطت علينا فيها النكبة كما تنحط الصاعقة.
الأثاث الذي نضدناه قعد عليه غيرناء والطعام الذي طبخناه أكله
غيرناء والفراش الذي مهدناه... آه! هل أستطيع أن أنطق بالحقيقة
المرعبة؟
ولكنها حقيقة. أن الفْرُش التي مهدناها هتك اليهود عليها
عفاف بناتنا!
وييقى على ظهر الأرض عربي لا يقنع وجهه حياء ولا
يواري وجهه خجلاً؛ خجلاً من أمجاد الأجداد, خجلاً من
سلائق العروبة) خجلا من عرة الإسلام؟!
# # ا
النظرة التي ودّعتني بها. لن أنساها أبدأ» ولن أنسى أني تركتهم
يأخذونها وأنا حي؛ وأني كنت جباناً وكنت نذلاً كالآخرين.
كيل م فنا
ارين
الموسيقي العاشق
نشرت سنة ١91465
قال لي أمس صديقي حسني(": إني لأعلم شغفك
بالموسيقى وحبك الفن القديم» فهل لك في سماع رجل هو أحد
أعمدة هذا الفن في دمشق ق ومن أساطينه» وهو هامة اليوم أو غد.
فإذا انهار أوشك ألا يقوم مثله أبدا؟
قلت: ما أحوجني إلى ذلكء, فمن هو هذا الموسيقي الذي
لا أعرفه إلى اليوم على ما ذكرت من إمامته وتقدمه,» وعلى
معرفتي بأرياب هذا الفن؟
قال: هو شوقي بك؛ رجل تركي كان من موسيقيي
القسطنطينية أيام السلطان عبد الحميد واتتهت إليه رياسة «العود»
فيهاء وله أسطوانات هي عند الموسيقيين كرسائل الجاحظ عند
)١( هو حسني كنعان» درس جدّي وهو صغير في الابتدائية» ثم اتصل بينهما
حبل الود إلى آخر العمرء حتى لأذكر زياراته لجدي -رحم الله كليهما-
في المرات القليلة التي زار فيها الشام في السبعينيات. قال عنه جدي:
"جاءنا معلماً سنة ١414 ثم صار صديقاً وواحداً من رفاق العمر". وروى
عنه أخباراً طريفة تجدها في الذكريات (١/54ه. 8/ الا 38/8)
(مجاهد).
جماعة الأدباى واسمع فعندي واحدة منها.
وقام إلى «الحاكى» فأداره ووضع أسطوانة عتيقة)» فسمعت
شيئاً ما حسبت مثله يكون» وبدا لى كل ما سمعت إلى اليوم من
ضرب الموسيقيين كأنه إلى جانبه لعب أطفال وخربشة مبتدئين.
قلت: ويحك» قم بنا إليه الآن.
فقمنا وأخذنا معنا شيخ الموشحات في د مشق» الشيخ
صبحى(2) واثنين من مجودي المغنين» وذهبنا إليه.
تب يذ تنا
ضربنا في الجبل(”© حتى جاوزنا الدور الفخمة والقصور
العامرة») ووصلنا إلى طائفة من المساكن هي أشبه بأكواخ» قد
بنيت من الطينٍ وقامت ذُوَيْن الصخر. فوقفنا عند واحد منهل
وقرع الباب دليلنا الأستاذ حسني» ففتح لنا رجل طوال عريض
الألواح حليق الوجه محمره) ولكن الكبر ظاهر عليه قد جعد
وجهه وإن لم يَحن ظهره ولم يهصر عوده. ورحب بنا على
الطريقة ة التركية» يخفض يده ويلوح بها على أسلوب معروف ثم
يمس بها طرف ذقنه ويرفعها إلى جبهته» كأنه يقول: إني آخذ
ذيل أحدكم فأقبله وأضعه على رأسي. وبالغ في الترحيب بنا
ودعانا إلى الدخول فدخلناء فإذا رحبة نظيفة ولكنها خالية من
)١( أحسبه صبحي الإمام» وقد ذكره الشيخ في بعض المواطن في
«الذكريات» (مجاهد).
(؟) أي جبل قاسيون الذي تمتد أحياء دمشق السكنية حتى ترتقيه (مجاهد).
75
الأثاث» ما فيها إلا أشباه كراسي وسدة من الخشب مفروشة
ببساط» هي السرير وهي المجلس. وإذا الفقر باد» ولكن مع
الفقر ذوقاً ونظافة. فقعدناء وحلفنا عليه أن لا يصنع لنا شيثاً» فما
نريد إكرامنا منه إلا بإسماعنا ضربه.
أخذ قيثارته (كمانه) وقسّم «تقاسيم» هزت حبة قلبي»
فأحسست بلذة ما عرفتها من قبل» ومع اللذة شىء من السحر
فيك ذكرياتك وآمالك كلها دفعة.
فلما انتهى عرض عليه حسني العود. فأبى واعتذر وقال: إنه
لا يضرب عليه.
الضاربين؟
فلما ألحفنا عليه وألححنا قال: إن لذلك قصة ما قصصتها
على أحدء فاسمعوها. ولو أنى وجدت ما أكرمكم به لما قصصتها
وكتمان السبب.
وهذه هي القصة مترجمة إلى لغة القلم. قال:
كان ذلك منذ أمد بعيد نسيه الناس وأدخلوه فى منطقة
يون
التاريخ المظلمة» فلا يرون منه إلا نقطأ مضيئة مثلما يرىئ راكب
الطيارة من مدينة يمر بها ليلا أما أنا فلا أزال أحس به بجوارحى
كلها ولا يزال حياً في نفسيء بل أنا لا أزال أحيًا فيه وما عشت
بعده قط إلا بذكراه. لقد مرّ على قصتي زمن طويل عندكم لأنكم
تقدرونه بعدد السنين» نصف قرن... أما أنا فأقدره بذكراه الحية
في نفسى فأجده ساعة واحدة... لحظة. إنى أنظر الآن إلى عينيها
وأشم عطرها وأجلس في مجلسها. إن ما أراه حولي ظلال»
وتلك المشاهد هي الحقيقة. أفعلمتم -من قبل- أن ذكرى قد
تَضِحٌ وتظهر حتى تطمس المرئيات وتغطي على الحقائق؟ هذه
هي ذكرياتي.
كان أبي من الباشوات الكبار المقرّبين من السلطان» فلما
علم أني اشتغلت بالموسيقى كره ذلك مني وصرفني عنه وعاقبني
عليه فلما أصررت عليه أهملني واطرحني وطردني من داره
فلبثت أتنقل في بيوت أقربائي وأصدقاء أبي» أمارس تعليم
الموسيقى لأبناء الأسر الكبيرة. وكان (فلان) باشا من الآخذين
بأسباب الحياة الجديدة» يحب أن يقبس عن أوربة طرائقها في
معيشتها ويقلدها فى السير عليهاء لا يدري أنه لا يأخذ عاداتها
لحياته بل سمومّها لدينه وخلقه. فدعانى لأعلم ابنته. وكنت
يومئذ في الثلاثين» ولكنهم كانوا يقولون عني: "إنه أجمل شاب
في حاضرة الخلافة"... وأحسب أني كنت كذلكء ولكني
(ولست أكذبكم) ما عرفت طريق الحرام» والحلال ما استطعت
سلوك طريقه.
قابلت الباشا فأدخلنى على ابنته لأعلّمهاء فنظرت إليهاء فإذا
8
هي ملتفة بايشمق» من الحرير الأبيض لا يبدو منه إلا وجههاء
وإنه لأشد بياضاً وليناً من هذا الحرير. لا البياض الذي تعرفونه فى
النساء» بل بياض النور. لاء لم أستطع الإبانة عما في نفسي؛ إنه
شهوة» وإكباراً لا ميلاً» وتقديساً لا رغبة. وكانت عيناها مسبلتين
حياء وخفراً تظهر على خديها ظلال أهدابهما الطويلة فلم أرَ
لونهماء» وكانت في نحو السادسة عشرة من عمرهاء مثل الفلة
وانصرف أبوها بعدما عرّفني بها وعرّفها بي. وبدأ الدرس
على استحياء مني ومنهاء ورفعت عينيها مرة فمشى بي منهما مثل
الكهرباء إن لمست سلكتها... عينين واسعتين فيهما شيء لا
يوصف أبدأء ولكنك تنسى -إن رأيتهما- أن وراءك دنيا. إنها
تصغر دنياك حتى تنحصر فيهما فلا تأمل -إن رأيتهما- في شيء
بعدهما... العفو يا سادة! أنا لست أديياً ولا أحسن رصف
الكلام» ففسروا أنتم كلامي وترجموه إلى لسان الأدب. وأين
الأديب الذي يملك من الكلام ما يحيط بأسرار العيون؟ إنه لعلم
أوسع وأعمق من الفلسفة والكيمياء والفلك... أعندكم في وصفها
إلا أن تقولوا: عينان سوداوان أو زرقاوان» واسعتان أو ضيقتان»
حوراوان دعجاوان» وتخلطوا ذلك بشيء من تشبيهاتكم؟ اعرضوا
عيون الفتيات تروا أنكم لم تصفوا شيئاً. هاتان عينان متشابهتان
في مسعتهما ولونهما وأهدابهماء ولكن في هذه الجمال الوادع
الحالم وفي تلك الجمال الشرس الأخاذء وفي أخرى العمق
والرهبة وفي هذه الأمل» وعين فيها فتنة وعين فيها خشوع؛
1
وعيون فيها شيء لا تعرف ما هو على التحقيق ولكنه يبدل حياتك
ويقلب عليك دنياك باللمحة الخاطفة!
ولما تكلمّت سمعت صوتها كأنما هو... ما لي وللتشبيهات
التي لا أحسنها؟ وأين ما يشبّه به صوتهاء وفيه الخفر وفيه الرقة
وفيه فتنة وفيه رفاهية؟ لا تعجبوا؛ فإن من الأصوات الصوت
المهذب والصوت الوقح» والصوت المرفه والصوت البائس»
وصوتاً خليعاً وآخر صيّداً. إن الصوت لينطق من غير حروف»
ورب ناطقة ب«لا إله إلا الله وصوتها يدعو إلى الفحشاءء وقائلة
كلمة الفجور وصوتها ينهى عنه! وإنك لتستطيع أن تتخيل المرأة
من صوتها. ولم يكن في زماننا هذا الهاتف (التلفون)» ولكني
أعذر من أسمع عنهم أنهم يعشقون بالتلفون؛ فالأذن تعشق قبل
العين أحياناً!
لم أجاوز الدرس ولم أقل فوقه كلمة واحدة» وكنت أشد
منها حياءً وخجلاًء ولم يكن أبناء زماننا أولي وقاحة وجرأة
كهذه الجرأة التي نراها اليوم» وندر فيهم من كان مثل «الباشا»
يسمح لابنته الناهد أن تتلقى العلم عن الرجال (وهو يعلم أن
الشاب والشابة فى الطريق أو المدرسة يتخاطبان بلغة العيون
. خطاب الرجل والمرأة» قبل أن يتحرك اللسانان بحديث المعلم
والتلميذة). وانقضى الدرس بسلام» ولكني لما فارقتها رأيت
كل شيء قد تبدل؛ فقد تعلقت بالحياة وكنت بها زاهداً» ورأيت
ضوء الشمس أشد نوراً وأحسست بالوجود من حولى وقد كنت
أنظر إليه غافلاًء وكان لي أصحاب لم أكن أعدل بمجلسهم
وصحبتهم شيئأ ففارقتهم تلك الليلة وهربت منهم» وذهبت إلى
3
غرفتي فلم أطق فيها قراراً ولا اشتهيت طعاماً ولا شراباً» ووجدتني
أخرج -على الرغم مني- فأؤم دارهاء فيردني بابها فأهيم حولهاء
أوغل السير فى التلال الشجْراء(") عند «بيوغلى». لا أستطيع النأي
عن دارها! صارت هي كوني ودنياي؛ قد تبدلت قيم الأشياء في
نظري فعز ما كان منها يمت بصلة إليها وهان كل شيء سواه؛
منهاء وكلما ذكرتها يهز شيء قلبي فيخفق كجناح طائر علقت
رجله بالفخ» ثم يندفع الشيء إلى عيني فيفيضان بالدمع.
ولا أدري كيف أمضيت ليلتي» حتى إذا أزف موعد الدرس
الثاني شعرت كأني عدت إلى - جنتي التي خرجت منها. وعشت
ساعة في لذة لو جُمعت لذاذات الأرض كلها ما بلغت نقطة من
بحرهال وعندما ودّعتها نظرّت إلي نظرة شككت كبدي وزلزلتني
زلزالء وكدت -من سروري بها- أطير فوق رؤوس الناس خيقة
وفرحاً؛ فقد علمت أن لى عندها مثل الذي لها عندي. على أنى
ما كلمتها في غير موضوع الدرس كلمة ولا لمست طرف
ثوبهاء وما هى إلا نظرة واحدة» ولكنها قالت فأبلغت وحدثت
فأفهمت.
وسكت الموسيقي وجال الدمع في عينيه؛ ثم قال وهو يكاد
يشرق بدمعه وقد ضاع في رنّة البكاء صوته:
)١( الأرض الشجئراء هي الأرض ذات الشجر الكثيف (مجاهد).
١
أتدرون ما عمري اليوم؟ أنا فوق الثمانين» وقد مر على هذا
الحب دهر ولكنى أراه كأنه كان أمسء» وكأنى لا أزال شاباً
ينطوي صدره على قلب صبيّ. ولقد حسبت أني أستطيع أن
أتحدث عنه كما يتحدث الشيوخ عن ماضيات لياليهم فوجدتني
لا أستطيع؛ لا أستطيع» فاعذروني. إن هذه الذكرى قد خالطت
شغاف قلبي ومازجت لحمي وعظمي» وإني لأحسُ -وأنا
أحدثكم- أنى أمرّق جسدي لأستلّ منه هذه الذكريات.
قلت: فأخبرناء ماذا كان بعد ذلك؟
ع ع ع 3
الذكرى وأثيرها؛ إنكم لا تدرون ماذا تصنع بي. إنها تحرقني»
تنترع روحي.
كان يا سادة- أنى تدلّهتْ بحبها وهمت بيهل وجعلتها
هي كل شيء لي؛ إن كنت معها لم أذكر غيرهاء وإن فارقتها
ذكرتها وفكرت فيها. فهي ماضيّ وحاضري ومستقبلي» وهي
ذكرياتى كلها وآمالى» أراها طالعة على من كل طريق أسير فيه
وأرى صورتها في صفحة البدر إن طلع علي البدر» وفي صفحة
«النوطة» إن جلست إلى «البيان»» ومن سطور الكتاب إن عمدت
إلى القراءة في كتاب. فإذا جلست إليها والعود في حجري
وعيناها فى عينيّ وأذناها إلى عودي تخيّلت أنى معانقها هى لا
العود» وغبت عني» وسمّتْ روحي إلى عالم أعرفه ولا أعرف ما
اسمه؛ فرجعت منه بالسحر فجرت به يدي على العود؛ فمن هناك
تلك «الأسطوانات» التي كنتم تعرفونها لي.
5
لا لا تلحفوا على (سألتكم بالله). لن أذكر لكم هذه
التفاصيل» إنني أنترعها من لحمي ودمي فدعوها لي» إنها حظي
من حياتي أتعلل بها وحديء لا أحب أن تلوكها الأفواه ويتلهى
بها قراء المجلات.
لقد كانت الخاتمة أن أصدقاء أبي عطفوا على فخطبوها
لي وكان العقد وصارت زوجتي» ولكن الله لم يش أن تم
بإشارة مبتلة بالدمع محروقة بأنفاس الألم.
وسكتناء فقال بعد هية00): وقد ذهبت أودعهاء فأخذت:
يدها بيدي كأني أنازع الموت إياها وأسحبها منه» فقالت لي:
إنك غداً تحب غيري وتضرب لها على عودك.
قلت: لك علي عهد الحبء لا نظرت بعدك إلى امرأة ولا
أجريت يدي على عود.
كبن لا اتنا
وسكت» ونظر إلى العود كأنه يريد أن يعتنقه ليُنطقه
بالمعجرات ويترجم به لواعجه» ثم غلبه البكاء مرة ثانية فقام)
وانسللنا نحن واحداً بعل واحد وأغلقنا الباب ونحن تسمع
نشيحه.
ل 00 ف
)١( الهتيّة مثل الهْنيِهة» وهي القليل من الزمان (مجاهد).
17
الكأس الأولى
نشرت سنة ١9155
كانت ليلة مخيفة من ليالي شتاء سئة 2١3484١ وكانت
تعول رياحها كما تصرخ الشياطين» وترقص في. الجو كأنها
مَرّدةٌ الجحيم قد أفلتت من قيودها وأقبلت تلذع وجوه الناس
مثل حد المواسي من شدة بردهاء والثلج يتطاير كأنه القطن
المندوف ويتراكم على الأبواب والتوافذ» حتى لقد بلغ سّمْكه
على الأعتاب وفي أصول الجدران قريباً من ذراع» والناس قد
فرعوا إلى بيوتهم فاعتصموا بهاء وخلت الشوارع وأقفرت
السبل فلا ترى فيها سالكاً.
فى تلك الليلة كانت نوبة عبد المؤمن أفندي في مخفر
الكسنوة("©؛ يقضي ليلته وحيداً يرقب الطريق ليحرسه من
المهرّبين والفارين من المكس (الجمرك)» .ومن مخالفي أنظمة
التموين» منفرداً بعيداً عن رفاقه وعن مساكن القرية. وكان قد
أخذ معه -على عادته- طعامه وسلاحه» ولبس كل ما يملك
00( قرية على بعد عشرة أكيال من دمشق أو نحو ذلك» وهي أقرب القرى
إلى دمشق من جهة الجنوب (مجاهد).
ع
من دُثّر الصوف» واشتمل بمعطفه» ولف عليه شملته» وأدخل
كفيه في قفازيه» وأغلق عليه بابه وأوقد ناره» واضطجع على
سريره مطمئناً إلى أن أحداً لن يجتاز -الليلة- هذا الطريق إلا
إذا كان مجنوناً (والمجنون لا يؤاخذ). وحاول أن يهجع ساعة
فيدفأ فلم يستطع؛ لا خوفاً من أن يطرقه المفتش فما في الدولة
مفتش يخرج من بيته الليلة» بل من شدة البرد؛ فلقد كان النفس
يتجمد على زجاج (الشباك).
ثم استدارت الريح فجعلت ترد الدخان على المدفأة حتى
امتلأت به الغرفة ولم يجد لدفعه حيلة» فاضطر لإطفاء النار
ولبث يتقلب في البرد حتى أحس بأن أصابعه قد تجمد فيها
الدم» فامتلأت نفسه بالنقمة على هذه الوظيفة وعلى حظه من
الدنياء وعلى الرئيس الذي ألقاه في هذه القفرة المنقطعة بعيداً
عن زوجته وبنته وولديه بمرتب لا يتجاوز مئة ليرة سورية وهو
قد أشرف على الأربعين وقطع سن الأمل والنشاط. ونظر فإذا
الذين هم دونه سنا وعلماً قد بلغوا بالوساطات والشفاعات
المرتبة الخامسة أو الرابعة. وفكر فى هذا المرتب: ماذا يشتري
به» وكيف يعيش؟ وأجرة داره الصغيرة المخربة التى استأجرها
من قبل الحرب ثلاثون ليرة في الشهرء وثمن رغيف الخبر من
السوق عشرون قرشأء وكيلو اللحم بخمس ليرات» وكيلو الرز
المصري بأربع ليرات والسكر مثله» وكيلو الشاي بعشرين ليرة»
والحذاء المتوسط بثلاثين» وثمن القميص -مهما استرخصه-
عشرون» وأجرة الطبيب العادي المبتدئ خمس ليرات» وحبة
الكينا الواحدة بأربعين قرشأء ولوح الرجاج -إن انكسر زجاج
]ا
الشبّاك- سبع ليرات20©.
وطفق يدير حسابه على الوجوه كلهاء ويضرب الأخماس
بالأسداس» ويتذكر كل ما تعلمه في المدرسة وفي الحياة من
علم الاقتصاد وفن تدبير المنزل وما سمعه من أشياخ قومه وعجائر
أسرته» فلم يسعفه شيء من ذلك كله في الاكتفاء بهذا المرتب.
وقصر مصروفه عليه» وتذكر ولده الصغير وأثمان كتبه بلغت
أربعين ليرة... أما كتب ولده الكبير الطالب فى الثانوية فإن
مجرد التفكير فى أثمانها يفقده ما بقى من عقله! وإذا هو أكمل
الثانوية غداً ودخل كلية الحقوق -مثلاً- رأى بلاء أنكد وخطياً
أشد؛ ذلك أن الأساتذة قد استحدثوا في هذه الأيام شيئاً سبقوا
فيه التجار والمحتكرين وأتوا بما لم يأته أحدٌّ من الأوّلين» فطبعوا
كتبهم مجاناً في مطبعة الجامعة ثم جددوا لها أثماناً تجعل قرش
أحدهم عشرة» ثم ألزموا الطلاب بشرائها إلزاماء فلا يدخل
الامتحانٌ من لا يدفع هذه الأثمان. وحجتهم في ذلك أن الطلاب
لا يشترون إذا هم لم يُجبروهم, مع أن الطلاب وغير الطلاب
يشترون كتب العلماء والأدباء من غير إكراه ولا إلزام لأنها نافعة
لهم ولأن فيها متعة» فلماذا لا يجعل هؤلاء الأساتذة كتبهم ممتعة
ويجعلون فيها نفعاً؟ وماذا يصنع عبد المؤمن أفندي؟ أُيَدَعٌ ابنه
محروما من التعليم ويضيع هذا الذكاء النادر الذي راعت بوادره
)١( في حاشيته على الطبعة الأولى من الكتاب التي كتبها في مطلع سنة
83 علق الشيخ على هذه الأسعار قائلاً: "هذه أسعار الحرب".
والصحيح أن هذا السجل قد صار اليوم تاريخاً بعد كتابة المقالة بست
وخمسين سنة (مجاهد).
/وع
المدرسين ويسلمه إلى وظيفة حقيرة مثل وظيفته» لا لشىء؛ بل
لأن المدرّسين والأساتذة المحترمين ذاقوا لذة الربح فنسوا فضيلة
القناعة» ولأن وزارة المعارف وإدارة الجامعة لا تحدّدان الأسعار
ولا تمنعان الأساتيذ أن يكونوا كالتجار.
وعَي عبد المؤمن أفندي بهذا الحساب» وأحس بالبرد قد
وصل إلى عظامه فازدادت نقمته على الوظيفة وعلى الحياة وعلى
نفسه» وعَظُمٌ سخطه حين سمع صوت سيارة... مّن هذا المأفون
الذي يمر الليلة على الطريق» فيزعجه من فراشه ليخرج فيفتشه؟
إنها سيارة مهربين من غير شكء ولا بد له من ضبطها لكلا يخون
أمانته التي يأكل من ورائها الخبز. ثم عاد فتذكر أن الخبز الأبيض
القفار لم يستطع أن يأكله من وراء هذه الوظيفة» فحمل مصباحه
البترولي وخرج وهو ساخط على كل شيء. فلما فتح الباب هيت
عليه عاصفة مثلجة كادت تقتلعه من أرضه» ولكنه استند إلى
الجدارء وقفز إلى الطريق فأقفله بالحواجز الحديدية قبل أن تصل
السيارة. وصفر لها بصفارته فضاع. صوتها في هزيم الرياح» بيد
أن السيارة كانت قد وصلت ورأى من فيها المصباح الخافت»
فوقفت» فنظر عبد المؤمن أفندي فلم يجد فيها إلا السائق»
ووجدها من سيارات الشحن الكبار. وكانت عادته التى يعرفونها
عنه أنه يقوم بالواجب عليه على الوجه الأكمل» ولم يمد يده في
عمره إلى حرام» ولكن هذا البرد وما فى نفسه من السخط
والضيق عدلا به عن عادته» فاكتفى بإدخال السائق إلى المخفر
ليسأله. وأغلق وراءه الباب وأعد مسدسه خوفاً من أن تطمع
وحدته السائق وتغريه به» وكان عبد المؤمن أفندي رجلاً جَلْدا
4
جريئاً حذراً» وكانت قد تراءت على وجهه ظلال نقمته التى كان
يحسها فبدا مخيفاً مروعاً. ْ
ونظر إلى السائق فإذا هو أحد المهرّبين المعروفين الذين
يقودون القوافل بين عمان ودمشق عن طريق البادية» وربما بلغت
أثمان ما فى السيارة الواحدة منها مئة ألف ليرة... فهز رأسه
وأزمع أن يضربه الضربة القاضية» فما يعقل أن يأخذ السائق أجرة
السفرة الواحدة عشرين ألف ليرة ويعطي مثلها رشوة لرجال
الأمن على الطريق» ثم يأكل التاجر الباقي» يسحبه من أفواه
المساكين والفقراء... ويبقى هو -الموظف المسكين- على مئة
ليرة كل شهر.
وقال له: أوراقك» والبيان المصدق بما معك في السيارة.
ثم إن عليك أن تنتظر ريئما تهدأ العاصفة ويطلع النهار لتتمكن
من تفتيشهاء فإذا كان فيها مهرب صودرت السيارة وما فيها.
قال: نعم.
قال: وهل تعدني أن تتفاهم بهدوءء ومن غير لجوء إلى
الشدة أو اقتراب من الهاتف (التلفون)؟
قال عبد المؤمن أفندي مستغرباً: وما ذاك؟
قال: إن في هذه السيارة بضاعة مهربة» هي لفلان» وهو مَن
تعلم مكانته وصلته بالنواب والحاكمين» وله فيها شريك لو
5.48
4 000 - ع 8 -
بسواد الوجه» وربما نقلك إلى الجريرة.
فصاح به: اسكت... وقح! أتهددني؟ سترى كيف أفتشها
وأحجزهاء واذهب فاعمل ما تستطيعه. إن القانون يمشي على
الكبير والصغير.
قال الرجل بهدوء: لقد وصفتني بالوقاحة» وإني أسامحك.
إني أتكلم بلسان الواقع» وأنا أحب أن نتفاهم على مهل. إنك
رجل أمين شريفء وأنا -تقديراً لأمانتك- أهدي إليك هدية قد
فوّضني صاحب البضاعة بتقديمها إليك» تغنيك عن هذا المرتب.
فغضب وقال: أتعرض علي الرشوة؟ الآن أكتب ضبطاً
بالحادث وأريك ما جزاء مَن...
فوالى السائق كلامه وكأنه لم يسمع شيعاً فقال: وهذه
الهدية هى عشرة آلاف ليرة.
فلما سمع بها عبد المؤمن أفندي تراخى» ورأى السائق
ذلك منه فقال: وألف فوقها لتدعنى أمرٌ الآن» فهذا آخر مخفر
قبل دمشق» وأنا أود أن أدخلها في هذه العاصفة كيلا يعرض لنا
أحد. وإذا أنا وُقفت فلن أخبر مخلوقاً بما كان بينناء بل أقول إنى
لبث عبد المؤمن أفندي لحظة واجماء ولكن فكره كان
يدور كما تدور عجلة (الإكسبرس).» لا يستقر على فكرة حتى
ينتقل عنها إلى غيرها. وكان ماضيه الشريف والمستقبل الذي
أطل الآن عليه يتقاذفان» فكأنه بينهما كراكب الأرجوحة. لا يبلغ
طرفاً حتى يكرٌ مسرعاً إلى الطرف الآخر. وكان صوت ضميره
يهتف به أن دعها ولا تدنّس نفسك بهاء فإنها سّحْتء ونفسه
تناديه أن خذها ووسع بها على عيالك وعلّم بها ولدك... ولبث
كذلك وهو يسمع من داخله مثل دقات عقرب الثواني في الساعة:
خذء لا تأخدء خذء لا تأخذ... إلى ما لا نهاية له.
وفى دقة منها (كان فيها «خذ») مد يده فأخذ المبلغ ودسه
في جيبه بلا شعور»ء وترك الرجل ينصرف.
كذ تن
أفاق عبد المؤمن من ذهلته فأحس بمثل ما تحس به الفتاة
التي فرطت يبكارتها في لحظة ضعف وخورء وتنبهت في نفسه
عواطف الخير التى كان يملكها دفعة واحدة» واحتقر نفسه
وأبغضهاء وكره المال وتمنى لو استطاع أن يلحق الرجل فيرده
إليه» ورأى ماضيه الذي فقده الآن حلواً جميلاً وأحب ذلك
الفقر الشريف» واستحال ما كان يجد من السخط عليه رغبة فيه
وشوقاً إليه» وفككر كيف يلقى غداً أهله وصحبده وتوهم أنه
سيكون بينهم كمن سقط في حفرة موحلة فامتلآت ثيابه طيناً ثم
جاء ليجالس الأطهار الأتقياء وشعر بجسمه يتلهب كأن فيه ناراً
تتوهجح وبالعرّق يقطر -في هذا البرد- من فوديه... وصار كلما
حركت الريح الباب ظن أنهم قد جاؤوا لاعتقاله وأن أمره قد
افتضح» وحار في هذا المال أين يخفيه فوضعه في جيبه) ثم
خاف أن يفتش» فنرع حذاءه وجواربه فأحاط به رجله ثم لبسها
اه
عليه. ثم تراءى له أن أول مكان يفتّش هو الجوارب» أليس
كذلك يصنع كلما فتش مهربي الحشيش والهنات الصغيرات؟
وآلمه أن يرى نفسه قد انحطت إلى دركة مهربي الحشيش»
ولكنه -مع ذلك- مضطر إلى إخفاء هذا المال» فأخرجه ولفه في
منديل» ثم خلع سراويله ووضعه في المكان الذي لا يصل إليه
أحد.
وعاد يفكر ماذا يصنع بهذا المال» وماذا يقول لأولاده إذا
سألوه: "من أين لك هذا؟"2 وما ألفَ الكذب ولا تعوّده, وإن هو
كذب ألا تفضحه نظراته وح ركاته؟ ثم ما هي الكذبة التي يكذبها؟
وتصور نفسه أمام المحكمة العسكرية وقد سقط من أعين أولاده
وأصحابه... إن زوجته تؤثر أن تراه فقيراً معدّماً على أن يدخل
عليها سارقاً مرتشياً.
واستغرق في خواطره» فما نبهه إلا حركة في الطريق» فأيقن
أنهم جاؤوا لاعتقاله» ففزع إلى مسدسه ليقتل به نفسه. ثم تذكر
أن أشد المصائب أهون من أن يموت عاصياء وأنها فضيحة
الدنيا بين الرفاق ولا فضيحة الآخرة على عيون الخلائق كلهاء
فمشى بنفسه إلى القضاء المحتوم وفتح الباب. وكانت الرياح قد
هدأت قليلاً والثلج قد انقطع» فرأى سيارة مطفأة الأضواء قد
تعثرت بالحواجز التي كان قد أعادها من غير شعور منه بالذي
يفعله» وحاول سائقها أن يدوس الحواجز ويفر ولكنها علقت
بالدواليب واعترضت سيرها فاضطر إلى الوقوف بعد حركة عنيفة
كاد يطوّح فيها بالسيارة فيرميها في الأخدود المائل على جنبي
الطريق..
وه
وصرخ عليه عبد المؤمن أفندي ومسدسه بيده» فخرج من
السيارة وتبعه إلى المخفر وهو مصفرّ الوجه مرتعد الأوصال؛ إذ
كان حديث عهد بصناعة التهريب ليس له جرأة الأول وثباته.
وأقبل على الجندي فرعا يقول: دخيلك2", أنا فى عرضك,ء والله
هذه أول مرة» وقد ورطوني وليس لدي إلا هذه السيارة؛ هي
مالي كله ومنها معيشة عيالي.
واتكب على يديه يقبلهاء فتنبهت غريزة الطمع في نفس
الجندي» وعاد مثله مثل الرجل الذي أقدم على الفاحشة ثم ندم
عليها وذهب يحاول التوبة فدخلت عليه امرأة أخرى قد لبست
-بدل الثياب- الفتنة والإغراء ودعته إلى نفسهاء وقال للسائق:
دعك من هذا الكلام الذي لا يفيد» لا بد من مصادرة السيارة
وما فيهاء إلا إذا شئت أن نتفاهم...
وكان شعور عبد المؤمن أفندي وهو يقول هذه الكلمة
(وقد توترت أعصابه كلها واشتدت» وقد تجمع كالقط الذي
يرى الفأر) مثل شعور المٌُقدم على الوصال المحيَّم وهو يرى قبح
عمله. ولكن الميل إليه غالب عليه فهو لا يملك لشهوته رداً.
ولما رأى السائق لا يفهم ويعود إلى استعطافه ورجائه تجرأ وقال
له: باختصار: كم فوضوك أن تدفع؟
ثم نظر حواليه هل سمع أحد؟ وحوّل وجهه حتى لا تقع
عينه على عين السائق» وغلب عليه الحياء إذ كانت تلك أول مرة.
)١( لفظة من عامية الشام /١ ش رة» وهي كلمة رجاء بمعنى «أتضرّع إليك»
(مجاهد).
0”
فرأى السائق باب الفرج» وقال عَجلاً: الذي تريده» الذي تأمر
به» يِسن27 اسمح لي أمرّ.
قال: اثنا عشر ألف ليرة!
وتوهم -لما قالها- أنه قذف قنبلة ذرية أخرى كالتي ألقيت
على هيروشيما وأحس رجّتها في أذنيه؛ فارتاع الرجل وصاح:
أرجوكء أنا داخل على حريمك”"» والله ما معى إلا خمسة
آلاف. إن السيارة محمّلة غَرْلاً وليست كالتي مرت قبلها؛ تلك
فيها حرير.
قال: هات وامش.
وقبض عبد المؤمن أفندي المبلغ فصار معه ستة عشر ألفاً؛
مرتب مكة وستين شهراً في الوظيفة كسبها في ليلة» فكيف غفل
عن هذا المورد أيامه الماضية كلها؟!
وعاد يفكر في الشرف والطهارة وفي الفضيحة» وأحس
كأنه قد جُن... ففتح الباب وخرج يعدو مع الريح لا يدري إلى
أين يذهب. لقد كان يريد أن يفر من المخفر ومن الحكومةء
ومن الرّشوات» ومن صوت الضمير... ويريد أن يفر من نفسه.
ولم يدر أنه شرب «الكأس الأولى» وفسدء ولم يعد يصلحه
شيء!
كر خط تت
)١( «بِس» معربة قديمة» ولا بأس باستعمالها.
3 هذا من العامي الذي لا ينكره الفصيح.
5ه
استاذ
نشرت سنة ١9441١
لما بلغنا قرية «صاريتا» كان الصبح يتنفسء فطرقنا أول باب
لقيناه» فلما قُتح لنا واحتوانا «المنزل» المعد للقيّيفان©» سقطنا
من الكلال والإعياء كالقتلى» فلم نلبث أن غرقنا في لجّة الكرى.
ولا عجب أن يبلغ منا التعب هذا المبلغ وقد سرنا الليل كله على
الأقدام» نصعد جبلاً ثم نهبط وادياً ثم نتسلق الصخرء حتى
أدركنا هذه القرية التى فرت من العمران وتغلغلت في الأودية
المقفرة من لبنان الشرقي» حتى وجدت هذه الذروة التي لا
يضارعها شيء في عزلتها وعلوّها وضياعها بين الأرض والسماء
فاستقرت عليها.
ولما أفقنا ورأينا احتفاء القوم بنا وعجبهم من سرانا إليهم
وقدومنا عليهم؛ سألناهم وضربنا معهم في شعاب الأحاديث»
فعلمنا أنه لم يرل بلدهم (أعني لم يصعد إليها...) غريب عنها
قبلنا. وكانوا يكلموننا على تخوّف وحذرء فلما انتسبنا إِليِ
وعرّفناهم بنفوسنا داخلهم شيء من الاطمئنان» غير أنهم لم
)1غ( جمع صحيح فصيح) وتُجمع كلمة الضيف -أيضاً- على أضياف
وضيوف وضياف (مجاهد).
66
يكونوا يجيبون على أسئلتنا وإنما يحيلونها على الأستاذ (نحن
فلاحون لا نفهم عنكم» ولكن إذا جاء الأستاذ...) ورأيتهم
يذكرون الأستاذ كما تذكر الرعيةٌ الملكَ المحبوب؛ تبرق عيونهم
حباً وتخشع أصواتهم احتراماً» فكنت أعجب أن يكون لمعلم
القرية (وهو -لعمري- أستاذهم) مثل هذه المنزلة وعهدنا بمعلمي
القرى أن الجندي أكبر فى عيون الفلاحين منهم) وقلت: ألا
تدعون هذا الأستاذ المحترم حتى نراه؟
فلما سمعوا هذه الكلمة اضطربوا وتلفتوا يتبادلون النظرات»
وعراهم مثل ما يعرو المؤمنين سمعوا كلمة الكفر. وكانت سكتة
طالت» فأعدت السؤال» فقال صاحب المنزرل وهو يبذل أكبر
الجهد حتى يمسك غضبه فلا يؤذي ضيفه: إن الأستاذ يُرار ولا
يزور.
بزيارته» ولو علمت عادته ما سألتكم دعوته» فقوموا بنا إليه.
فى طرقات القرية الضيقة الملتوية» وأنا أتصور هذا «الأستاذ»
بعين الوهم فلا أراه إلا مثل من عرفت من معلمى الصبيان» غير
أن له -فيما يبدو- دهاء ومكراً مََخْرّقَ بهما على الفلاحين وموّه
عليهه(" حتى حسبوه شيئاً وما هو بشىء.
حتى إذا بلغنا ذروة الجبل وجدنا عليه بيتاً هو أعلى بيت فى
)١( مخْرَقَ وموّة بنفس المعنى (مجاهد).
كه
القرية و«العين» أسفل منه وحوله حديقة لطيفة. فدخلنا البيت فإذا
منها مكتب صغير عليه أوزاق وأقلام وكتاب مفتوح عرفت -من
نظرة واحدة- أنه «الإحياء» للغزالي؛ فلا والله ما أظن أني عجبت
من شيء عججحبي منه. . ولبثنا هنيهة» 5 ثم دخل علينا شيخ أبيض اللحية
قد وضع على كتفيه عباءة ستر بها ثوباً من ثياب التفضل أبيض
نظيفاً. فرحب بنا بلهجة فصيحة وانطلق يحدثنا. أما الفلاحون
فقد جلسوا عند الباب لم يقتربوا من الشيخ إجلالاً له وسكنوا
كان الشيخ يتكلم وكنت أَحِدّ النظر إليه وأَكِدَ ذهني لأذكر
أبن رأيت هذا الوجه» فلما طال ذلك مني ولحظه قال: اع
بنى؟ قلت: أظطن أنى أعرفك يا سيد ي. فضحك وقال: و
أ فك يا بنى» و 0
فتأملته ورأيت كأنى رجعت طفلاً أنظر من وراء ثلاث
وعشرين سنة إلى أستاذي الجليل عبد الواسع؛ قلم أملك أن
صحت: أستاذي! ووقعت على يديه أقبلهماء وأْقْبَلٌ يمسح على
ظهري ويُقبل جبيني وقد استعبر كل من حضر.
أستاذي الذي ترك المدرسة وأحيل إلى المعاش منذ عشرين
عاماً وانقطعت أخباره عنا وحسبناه ماتء لا يزال حياً؟ ويقيم في
قرية صاريتا الضائعة بين السماء والأرض؟! إن هذا لعجب.
كن يذ ين
قلت وقد سكن المجلس بعد أن حرّكته هذه المفاجأة
/اه
الغريية: وكيف عرفتني يا سيدي الأستاذ» وقد غيرتني الأيام؟
قال: ما تغيرت علي» ولقد ذكرتك من أول نظرة. ألم تكن
في الصف الخامس حينما انتهت الحرب وخرج الأتراك من
الشام ليدخلها الشريف؟ ألم تكن في المقعد الأول حيال الشباك
وإلى جانبك سرّي؟ أين هو سرّي الآن؟ قلت: لا أدري يا
سيدي» ولم ألقه أبداً بعد تلك السنة. قال الشيخ مترفقاً ناصحاً
بلهجته التي كان يخاطبني بها وأنا صغير (لم أنسّها)» قال: ولم
يا بنئ؟ لماذا لا تصل إخوان المدرسة؟ أما علمتك الحياة أن
صداقة المدرسة خير صداقة وأمتنها؟ أصلحك الله يا ولدي.
وأطرق الشيخ يفكرء ثم قال: هل علمت -يا ولدي- أن
المعلم يتمنى ألا يكبر تلاميذه أبداً, وأنه لا يتصورهم إلا كما
عرفهم أول مرة ولو صاروا رجالاً؟ أنا لا أرى فيك الآن إلا ذاك
الصبي الذي كان في المقعد الأول حيال التباك» ) فقاذر المحنة
التي يُصاب بها بها المعلم حين يرأسه أحد تلاميذه. تعرف عدنان؟
قلت: ومن عدنان؟
قال: لا. لم يكن معكم؛ هو أصغر منكم. عدنان هذا
كان من أصغر تلاميذي ؛ وأح حهم لي | لقد جعلته الأيام ناظر
ويستقاني قا قاعداً وبأمرن بأمره ولقد نالني مرة بسوء لأني لم
أوفه ما يراه حقّه من الاحترام. وكيف أحتر مه يا ولدي-
وأنا لا أقدر أن أرى على كرسيه إلا عدنان الطفل ذا الشعر
الأشقر؟ كيف أحترمه؟ أأحترم ولدي؟ سامحه الله. سامحه الله
مه
لقد آلمني وآذاني. إن المعلم يحس بوخزة في كبده إذا أعرض
حعنه تلاميذه أو أنكروه أو ترقعوا عليه كأن أولئك الأطفال
هم الذين ترفعوا عليه. لا يعلم المسكين أن الطفل لا يبقى أبد
الدهر طفلاً... لاء لا يتخيل ذلك أبداً.
وسكت الشيخ قليلاً ثم رجع يقول: وكنت ترفع أصبعك
دائماٌء أرأيت؟ إنى لم أنسك. وكيف ينسى المعلم تلاميذه
وهم بعض ذكرياته, والذكريات هى الحياة؟
ثم سألني: وماذا تشتغل أنت الآن؟
فضحكت وقلت: معلم.
قال: آه» مسكين! لماذا اخترت هذه المهنة يا ولدي؟
قلت: إنى سأتركها عما قريب يا سيدي؛ لقد دخلت القضاء.
قال: وتظن أنك تستطيع؟ إن تلاميذي الذين أحببتهم
ومنحتهم قلبي قد أنكروني... لم أعد أخطر لهم على بال. لم
يزرني منهم أحد. لقد رأيت منهم ألوان الجحودء ولكني لا
أزال أحبهم وأتمنى لو أستطيع أن أضمهم إلى صدري. آه.
كم يتألم الأب إذا رأى ولده يعرض عنه وينكره ويمر كأنه لا
يعرفه! لم ألق منهم خيرأء ومع ذلك فأنا أحب أن أنشئ
غيرهم» وأن أصبٌ البقية الباقية من روحي وحياتي في نفوس
أطفال جددء أعلم أنهم لن يكونوا خيراً من أولتك» ولكن
هذه هي آفة المهنة. إنها مهنة ليس فيها إلا الألم» ولكن صاحبه
يستمرئه ويجزع لفقدهء» كصاحب «الكوكائين» يأخذه وهو
8
يأخذ حياته» فإذا افتقده حن إليه. أليس هذا من الغرائب؟
إني أمر على مدرسة القرية» فأسمع الطلاب يرددون درساً
أو يتلون أنشودة» فيخفق قلبي في صدري وأحسد هذا المعلم
يشق الأرض ويغرس فيها البذر وينتظر النبتة الضعيفة... فإذا
ظهرت تعهدها بالسقي والعناية وقاس طولها يومأ بعد يوم» فلا
تنمو أنملة إلا وضع في هذه الأنملة أمله ورجاءه وخوفه وإشفاقه
وأحاطها بعواطفه وصب فيها من ماء حياته» حتى إذا نما النبت
واستطال وظللته غصونه وتدلى من حوله زهره وأينع ثمره اضطر
إلى بيعه» فما هي إلا عشية أو ضحاها حتى يراه في يد غير يده.
مَلهُ كم يتألم ويشقى ويتقطع القلب منه حسرات كلما نظر إلى
هذه الأشجارء وذكر ما له فيها من ذكر وما أنفق عليها من
أصباحه وأماسيه ومن حبه وأماني نفسه... وإنها لأشجار؛
جمادات لا تعقل» فكيف بي وقد ربيت بشراً ثم أعرضوا عنى
ونسوا عواطفي وحبي... وما ذ نسيتهم ولا 90 قلعت عن حبهم؟
وما كان لى يا ولدي أن أزعجك بحديثى لولا أنى أنفس
به عن نفسى. إننى أعيش وحيداً فى هذه القرية المعتزلة لا أدري
كيف أزجى الباقى من أيام حياتى. إنى أشكو الملل ولا أطيق
النوم» فلا أجد إلا النجم أراقبه وذكرياتى أناجيهاء وكثيراً ما
تثقل علي هذه الذكريات حتى لأضل قلبي بين حاضر لا متعة فيه
لاياولدي, لا تحرص على هذه المهنة؛ اتركها إن استطعت
ع
فهي محنة لا مهنة» هي ممات بطيء لا حياة. إن المعلم هو
الشهيد المجهول الذي يعيش ويموت ولا يدري به أحد ولا
يذكره الناس إلا ليضحكوا من نوادره وحماقاته.
ل م فنا
وعدنا من العشية نسلك تلك الأودية ونتخطى تلك الصخور
عائدين من صاريتاء ولا يزال حديث أستاذي يدور في أذني
فأحس به فى هذه البرّية الساكنة قوياً مجلجلاًء ولكن الناس لا
يسمعونه) وإن هم سمعوه لم يحبّوا أن يفهموه!
ل م فنا
5١
الخادمة
نشرت سنة ١9155
قال: لدي قصة أحب أن أقصها عليك. وإنك لتعلم أني
لست ممن يؤلف القصص ولست ممن يحسن الاستعارة والتشبيه
وسائر أبواب المجاز التى تعلمنا أسماءها فى المدرسة؛ فلا تأمل
أن تسمع مني قصة أدبية معقودة من وسطها بعقدة فنية» مردودهة
الأول على الآخرء فيها الصورة النادرة والفكرة المبتكرة
والأسلوب البارع؛ فليس عندي من ذلك شيء» وإنما هي واقعة
أرويها كما رأيتها وسمعتهاء وإنّ فيها لدرساً نافعاً لمن يرى
الحياة مدرسة فهو يدأب على الاستفادة منها والانتفاع بها. فهل
تحب أن تسمعها؟
قلت: نعم.
قال: لا أدري من أين أبدأ القصة لتجىء محكمة الوضع
يرضى عنها أهل الأدب» فدعني أبدأها من نصفهاء فما لك في
أولها كبير نفع. وإن أولها ليلخص -مع ذلك- في كلمة» هي
أن لي أقرباء إخوة ثلاثة شباباً أعزاباً يقيمون مع أمهم العجوز التي
ربتهم وقامت عليهم منذ تركهم لها أبوهم أيتاماً صغارء حتى إذا
كلت وهرمت وعجزت عن خدمة الدار ذهبوا يفتشون لها عن
17
خادم تعينها (ولو فتشوا عن ثلاث زوجات لهم لكان ذلك أهون
عليهم وأدنى إليهم)» فلما طال التفتيش وزادت الحاجة وجدوا
بنتاً من «التواني» فقنعوا بها. وأنت تعلم أن التواني قرية منروية في
حدور القلمون الأدنى» مما يلى القطيفة» ضائعة بين تلك الأودية
المقفرة والجبال» وأن أهلها من أقذر القرويين وأجفاهم وأبعدهم
عن المدنية» على صحة فيهم وجمال. وكانت بنتاً - كما يقولون-
ذكية» فسرعان ما ألفتهم وألفوهاء وأقامت فيهم سنين طويلة ما
أنكروا منها شيئاً. ولم أرها أبداً -على كثرة ما كنت أتردد على
الدار- حتى كان اليوم الذي جعلته مبدأ قصتى هذه.
وكنت أزور أقربائي هؤلاء فدعوني إلى الشايء» فإذا هي
تدخل فتقدمه إلىّ. وإذا فتاة فى نحو السادسة عشرة» قد تخمرت
بخمار أبيض لقّته من فوق رأسها إلى ما تحت ذقنهاء فعلّ القائمة
إلى الصلاة» فسترت به شعرها وجيدها وبدا منه وجهها مدوراً
أبيض مورداً يطفح بالصحة والصبوة ويشع منه السحرٌ والدلال.
وكانت تلبس ثوباً قصيرا لا يكاد ينزل عن الركبتين» يكشف عن
ساقين بضتين غضتين ممتلئتين من غير سمن» ممشوقتين في غير
هزال» مصبوبتين صب التمثال» وفوق الثوب صدار من وشي
رقيق كالذي تتخذه أنيقات الخادمات» قد شد شد فهو يبرز من
ورائه نهدين راسخين يلقيان عليه ظلاً لهما خفيفاً لا يعرف موقعه
من النفس إلا من قرأ سطور النهود في صدور العذارى... وكانت
تحمل الشاي بأكف كأنها خلقت بلا عظام» وكان جسمها
ينبض بالعاطفة التي تلين أقسى الرجال وتستخرج الصبوة من
قرارات النفوس فتظهرهاء ولو قيدَتها قيودٌ من الخلق المتين» ولو
0
غَطْنْها ستور من الهم الدفين» ولو أنساها صاحبّها علمّ يشتغل به
أو مال يسعى وراءه» ولو أن الصبوة قد ماتت لردّها هذا الجمال
المطبوع حيّة. أما عيناهاء فدعني -بالله- من وصفهماء فما
أدري ما لونهما وما شكلهماء فإن لهما سراً يشغلك عن التفكير
في وصفهما. إنهما تروعانك فتبقى معلقاً بهماء فإذا حاولت أن
تضبط نفسك وتعود إلى ما كنت فيه لم تشعر إلا وأنت قد عدت
إليهما... إن فيهما مغناطيس يجذب الأبصار والقلوب.
فلما خرجّت قلت: أهذه هى الخادمة القروية التى جكتم بها
من التواني؟
قالوا: نعم.
قلت: فأخرجوها من هذه الدارء فإنها أخطر من البارود!
فضحكوا وعدّوها نكتة.
كم ذم ف
وعدت مرة أخرى فإذا هى بلا خمار» فسألتها عنه» فقالت
(ويا ليتها لم تقل؛ فما كنت أدري أن لها -مع جمالها- هذا
الصوت الذي يرن كأجراس الفضة في مواكب الأحلام» أو
كرنّات العيدان في خيال متذكر ليلة غرام) قالت: إني قد استثقلته
فألقيته أمام الأقرباء» وأنت منهم) مش هيك؟
وشفعتها ببسمة من فيهاء وغمزة من مقلتيهاء وهزة من
كتفيها... فما هذه البنت؟ ومن أين لها هذا كله؟ لو أنها رُبيت
في مسارح «مونمارتر» في بارير لكان هذا كثيراً منهاء فكيف
تعلمّته في مزابل التواني؟!
وعبست» فما أحببت أن أوغل معها في هذا الطريق» فولّت
ترقص رقصاً لا تمشي مشياء وشعرها (الذهبي حقاً لا تشبيهاً؛
المنشور على كتفيها وظهرهاء البالغ حقويها) يرقص معها.
وعدت بعد ذلك» فإذا هي قد جرت شعرها على «الموضة»»
وأمرّت يدَ الزينة على وجه ما يحتاج إلى زينة»؛ وطرحت صدارها
ولبست ثياب فتاة غنية مدللة لا ثياب خادم. فانفردت بأكبر
الإخوة من أقربائي فقلت له: إنك أنت وإخوتك من أمتن الناس
خلقاً وأقومهم سيرة» ولكن هذه البنت تفتن -والله- العابد»
وتسترل الزاهد» وتحرّك الشيخ الفاني. وإنها لتسحر بكل نظرة
وكل حركة ويكاد جسمها يتفجر إغراء بالمعصية» وإذا أنتم
أبقيتموها في هذه الدار فما أظن الأمر ينتهى بسلام.
واستجاب لما قلته له ورآه حقا فأخرجها وأدخل مكانها
زوجة صالحة.
قال: ودخلت البنت دارا أخرىء دار قوم مترفين منعّمين لا
يسألون عن المال أين ذهب. وكانوا كلهم ثلاثة؛ أباً تاجراً جاهلاً
همه عمله في النهار وسهراته في الليل» وأما شغلها ثيابها وزياراتها
واستقبالاتهاء وولداً شاباً في العشرين طالباً في الجامعة صاحب
جد ودراسة وخلق ودين» غير أنه كان ككل الصالحين من
15
طار منها مسمارٌ الأمان أو صدمُنْها صدمةٌ فَرََنْهها تمزقت ومرقت
مّن حولها! وكانت الصدمة لها هذه الخادمة اللعوب.
وبدأت من اليوم الأول تولي اهتمامها صاحبنا الذي أسميه
«الشاب» كراهة أن أصرح باسمه» وتنسج حوله خيوطها؛ فإذا
ناداها لحاجة له (ولم يكن له بد من أن يناديها) قفرت قفزة
الغرال وأقبلت تحف بها شياطين الشهوة... فتراه منصرفاً عنهاء
فتيسم له وتسأله عما يريده بصوت يقطر فتوتاء وتسلط عليه من
عينيها مغناطيس مُكهرباً يذيب القلوب ولو كانت من صفا
الجلمود. وإن أعانته في رفع نضد أو تسوية كرسي أو ناولته شيئاً
دنت الملعونة منه حتى لامست بهذا الجسم اللدن الدافئ
المكهرب جسمّه القويً» أو قرّبت وجهها الفتان من وجهه حتى
ليحس لسع أنفاسها ويشم رائحة جسمهاء وإنها لأفتن من كل
عطور الدنيا وطيبهاء أو تتعمد حركة تريح ثوبها القصير لحظة
عن بياض فخذيها. وكان المسكين بشرأ. اجتمعت عليه صبوة
الحب في نفسه وإغراء الجمال في خادمته» وحماقة أبويه اللذين
جاءاه بها وغفلا عنه وعنهاء وصارا يتركانه معها وحيدين في
الدار طول النهارء حتى لقد بعثاها مرة تناوله الصابون في الحمام!
وثار في أول الأمر عليها وأعرض عنهاء ثم أحس أن سمّها
سرى في جسده وروحههء فاستنفر آخر قوى الفضيلة في نفسه
وألحّ على أبويه في إخراجها من المنرل؛ فأبيا. وكيف يفرّطان
فيها وقد وجداها بعد طول البحث وكبير العناء؟ وهل تدع
«الست» زياراتها وسينماها وتشتغل هي بالطبخ والكنس لمجرد
/ا5
أن البنت الخادمة جميلة و«دلوعة» ويخشى منها؟ كلام فارغ!
هكذا كان يفكر الأبوان المحترمان. وضربا بالعمى عن
حقيقة لا تخفى على عاقل؛ هي أن الرجل والمرأة حيثما التقيا
وكيفما اجتمعا: معلماً وتلميذة وطبيباً وممرضة» ومديراً
وسكرتيرة» وشيخاً ومريدة» فإنهما يبقيان رجلاً وامرأة. ولذلك
قال النبي وك «ما خلا رجل بامرأة (هكذاء على الإطلاق) إلا
كان الشيطان ثالثهما».
ومرض الشاب وعجز عن الاحتمال. فكانت الخادمة هى
التي تقوم على خدمته وتصرّم الليل كله ساهرة عليه» وتبدل ثيابه
فتراه كما هو وتستبيح بالنظر واللمس كل إصبع في جسده. وهو
لا يحس بها. حتى إذا تماثل للشفاء ومرّ في طريق النقاهة رآها
إلى جانبه» وكان المرض قد أضعف عزمه وأوهن إرادته» فانكسر
السد وطغى الحب. وفى ليلة كان فيها النعاس قد نال منها حلف
عليها إلا أن تستريح وتنام» وكان في الغرفة سرير آخر فاستلقت
عليه أمامه... وكان هذا أكثر من أن تحتمله أعصاب رجل فى
الدنياء فطار النعاس» وكانت النتيجة المحتومة لهذه المقدمات!
ودخلت «الست» في الصباح فرأت الخادمة بين ذراعي ابنها.
صحت البنت من سكرتهاء وصحا الأهلون وأرادوا إصلاح
ما فسدء وهيهات! إن الماء قد انسفح على الرمل فمن يرد الماء
المسفوح؟ وعود الكبريت قد احترق فمن يعيد العود المحروق؟
وعرض البنت قد مُرَّق فمن يرتق العرض الممزق؟ لا أحد.
ووثبوا يفتشون كالمجانين عن طريق للخلاص» وأقبل
"1
الشيطان مرة ثانية. وكانت المؤامرة» وانجحلت عن ستر هذه
الجناية بجناية أخرى» هي أن ترد الببت إلى أبيها الذي يطلبها
ليزوّجها من ابن عمهاء وقبلت» وماذا تصنع إذا هي لم تقبل؟
وكان الفصل الآخر من المأساة» وإني سأختصره اختصاراً:
دَبر الأمر على عجل» وعقد العقد» وسيقت العروس
(الشامية...) إلى الشاب القروي» وحسب المسكين كأنما رأى
ليلة القدر فدعا فهبطت عليه حوراء من حور الحنان. وكان
الدخول» واحتوى بين ذراعيه الخشنتين ذلك الجسم الذي تتقطع
عليه نفوس أبناء الأمراء حسرات و... فإذا الثمرة مقطوفة!
قلت: ثم ماذا؟
قال: ماذا؟ صار ابن العم في السجنء والبنت في القبر!
فصولها دائماً في بيوت الشام.
# ا
5185
نشرت سنة ١9155
دخل على أمس -بعدما انصرف كناب المحكمة ولبست
معطفي لأخرج- رجل كبير يسحب رجليه سحياً لا يستطيع أن
يمشي من الضعف والكبر» فسلم ووقف مستنداً إلى المكتب
وقال: إني داخل على الله ثم عليك2»"7 أريد أن تسمع قصتي
قلت: تفضل» قُل أسمع.
قال: على أن تأذن لى أن أقعد» فوالله ما أطيق الوقوف.
قلت: اقعدء وهل منعك أحد من أن تقعد؟ اقعد يا أخي»
فإن الحكومة ما وضعت فى دواوينها هذه الكراسى وهذه الأرائك
الفخمة إلا ليستريح عليها أمثالك من المراجعين الذين لا يستطيعون
الوقوف. ما وضعتها لتجعل من الديوان «قهوة» يؤمُها «البطالون»
الفارغون ليشتغل الموظف بحديثهم عن أصحاب المعاملات
ويضاحكهم ويساقيهم الشاي والمرطبات والناس قيام ينتظرون
لفتة أو نظرة من ال«بك». لاء لسنا نريدها فارسية كسروية في
)١( تعبير عامي لا بأس بهء وقد أبقينا على مثله في حديث الرجل.
2/١
المحكمة الشرعية»؛ فاقعد مستريحاً فإنه كرسى الدولة» ليس
قال: أحب أن أقص القصة من أولهاء فأرجو أن يسعني
صبرك ولا يضيق بي صدركء وأنا رجل لا أحسن الكلام من أيام
شبابي» فكيف بي الآن وقد بلغت هذه السنّ وترلت على المصائب
وركبتني الأمراض؟ ولكني أحسن الصدق ولا أقول إلا حقاً.
كنت في شبابي رجلاً مستوراً أغدو. من بيتي في حارة
«كذا» على دكاني التي أبيع فيها الفجل والباذنجان والعنب» وما
يكون من «خضر» الموسم وثمراته, فأربح قروشاً معدودات
أشتري بها خبزي ولحمي» وآخذ ما فضل عندي من الخخضر
فيطبخه «أهل البيت»7 ونأكله وننام حامدين ربنا على نعمائه لا
نحمل هما ولا نفكر في غدء ولا صلة لنا بالناس ولا بالحكومة»
ولا نطالب أحداً بشيء ولا يطلب منا أحد شيئاً. ولم أكن متعلماً
ولا قعدت في مدرسة؛ ولكني كنت أعرف كيف أصلي فرضي
وأحسب دراهمي» ولقد عشت هذا العمر كله ولم أغش ولم
أسرق ولم أربح إلا الربح الحلال» وما كان ينقّص حياتي إلا أنه
ليس لي ولدء فجرّبنا الوسائل وسألنا القابلات... ولم يكن في
حارتنا طبيب ولم نحتجٌ إليه» فقد كان لنا في طب «برو العطار»
وزهوراته وحشائشه ما يغنينا عن الطبيب والصيدليء» وإذا احتجنا
إلى خلع ضرس فعندنا الحلاق» أما أمراض النساء فمردٌ أمرها إلى
)١( كذلك يكني الشاميون عن الروجة إلى اليوم» على عادة العرب من
كراهية التصريح يذكرها.
ا
القابلة» ورحم الله أم عبد النافع قابلة الحارة» فقد لبثت أربعين
سنة تولّد الحاملات ولم تكن تقرأ ولا تكتب.
أقول إنَا سألنا القابلات والعجائر فوصفن لنا الوصفات
فاتخذناهاء وقصدنا المشايخ فكتبوا لنا التمائم فعلقناهاء فلم
نستفد شيك فلم يبق إلا أن ننظر أول جمعة في رجب لنقصد
جامع الحنابلة'2» فلما جاءت بعفت «أهل البيت» فقرعت حلقة
الباب وطلبت حاجتها فنالت طلبها9©... وحملت.
وصرت أقوم عنها بالثقيل من أعمال المنرل لأريحها خشية
أن تُسقط حملها وأكرمها وأدللهاء وصرنا نَعْدَ الأيام والساعات
حتى كانت ليلة المخاض» فسهرت الليل كله أرقب الوليد» فلما
انبلج الفجر سمعت الضجة وقالت أم عبد النافع: البشارة يا أبا
إبراهيم» جاء الصبي.
ولم أكن أملك إلا ريالاً مجيدياً واحداً قدفعته إليها.
وقلبنا الصبى فى فرش الدلال» إن ضحكَ ضحكت لنا
الحياة» وإن بكى تزلرلت لبكائه الدار» وإن مرض اسودّت أيامنا
وتنغص عيشنا. وكلما نما أصبعاً كان لنا عيد» وكلما نطق
)١( في الصالحية على سفح جيل قاسيون» وهو غير دير الحنابلة الذي كان
قائماً قبل أن يبني آل قدامة حي الصالحية من نحو ثمنمئة سنة.
(1) خرافة دمشقية ونّنية» من آمن بها أو بأمثالها (من الخرزة الزرقاء لرد
العين والسحر والشعوذات) واعتقد أن لغير الله نفعاً أو ضرراً فيما وراء
الأسباب الظاهرة فقد خالف الإسلام.
فى
بكلمة جدّت لنا فرحة» وصار إن طلب شيئاً بذلنا فى إجابة مطلبه
الروح... وبلغ سن المدرسة» فقالت أمه: إن الولد قد كبر فماذا
نصنع به؟
قلت: آخذه إلى دكاني فيتسلى ويتعلم الصنعة.
قالت: أيكون خضرياً؟
قلت: ولم لا؟ أيترفع عن مهنة أبيه؟
قالت: لا والله العظيم! لا بد أن ندخله المدرسة مثل عصمة
ابن جارنا سموحى ببك. أريد أن يصير «مأموراً» فى الحكومة
فيلبس «البدلة» والطربوش مثل الأفندية.
وأصرّت إصراراً عجيباً» فسايرتها وأدخلته المدرسة» وصرت
أقطع عن فمي وأقدم له ثمن كتبه. فكان الأول فى صفهء فأحبه
معلموه وقدروه وقدموه. ونجح فى الامتحان ونال الشهادة
الابتدائية» فقلت لها: يا امرأة» لقد نال إبراهيم الشهادة» فحسبنا
قالت: يود! ويلي على الدكان. أضيّع مستقبله ودراسته؟!
قلت: يا امرأة» من علّمك هذه الكلمات؟ ما مستقبله
ودراسته؟ أيترقع عن مهنة أبيه وجده؟
قالت: أما سمعت جارتنا أم عصمة كيف تريد أن تحافظ
على مستقبل ابنها ودراسته؟
/
قلت: يا امرأة» اتركى البكوات؛ نحن جماعة عوام
مستوروت بالبركة» فما لنا وتقليد من ليسوا أمثالنا؟
فولولت وصاحت» ودخل الولد الثانوية» وازدادت التكاليف
فكنت أقدمها راضياً... ونال البكالوريا(". قلت: وهل بقي شيء؟
قال الولد: نعم يا بابا؛ أريد أن أذهب إلى أوربا.
قلت: أوربا؟ وما أوربا هذه؟
قال: إلى باريز.
قلت: أعوذ بالله! تذهب إلى بلاد الكفار؟ والله العظيم إن
هذا لا يكون.
وأصرّ وأصررت وناصرته أمه» فلما رأتني لا ألين باعت
سواري عرسها وقرطيها (وذلك كل ما لها من حلي اتخذتها عدة
على الدهر) ودفعت ثمنها إليه فسافر على الرغم مني.
وغضبت عليه وقاطعته مدة فلم أردّ على كتبه» ثم رق
قلبي (وأنت تعلم ما قلب الوالد) وصرت أكاتبه وأسأله عما
يريد... فكان يطلب دائماً: "أرسل لى عشرين ليرة... أرسل
لي ثلائين..." فكنت أبقى أنا وأمه ليالي بطولها على الخبز
القفار وأرسل إليه ما يطلب. وكان رفاقه يجيئون في الصيف
وهو لا يجيء معهمء فأدعوه فيعتذر لكثرة الدروس وأنه لا
يحب أن يقطع وقته بالأسفار. ثم ارتقى فصار يطلب مئة ليرة؛
)١( وهي شهادة الثانوية» كذلك يسمونها في الشام إلى اليوم (مجاهد).
وزاد به الأمر آخر مرة فطلب ثلاثمئة!
تصور يا سيدي ما ثلاثمئة ليرة بالنسبة لخضري تجارته
كلها لا يساوي ثمنها عشرين ليرة» وربحه في اليوم دون الليرة
الواحدة؟ ويا ليته كان يصل إليها في تلك الأيام التي رخصت
فيها الأسعار» وقل العمل» وفشت البطالة. ثم إنه إذا مرض أو
اعتل علة بات هو وزوجته على الطوى... فكتبيت إليه بعجري
ونصحته ألا يحاول تقليد رفاقه» فإن أهلهم موسرون ونحن
فقراء. فكان جوابه برقية مستعجلة بطلب المال حالاً.
وإنك لتعجب يا سيدي إذا قلت لك إني لم أتلق برقية في
عمريء فلما قرع موزعٌ البريد البابَ ودفعها إليّ وأخذ إبهام
يدي فطبع بها في دفتره انخرطت كبدي من الخوف» وحسبتها
دعوة من المحكمة وتوسلت إليه وبكيت» فضحك الملعون مني
وانصرف عني» وبتنا بشر ليلة ما ندري ماذا نصنع ولا نعرف
القراءة فنقرأ ما في هذه الورقة الصفراء. حتى أصبح الله بالصباح
ولم يغمض لنا جفن» وخرجت لصلاة الغداة فدفعتها لجارنا عبده
أفندي فقرأها وأخبرني الخبرء» ونصحني أن أرسل المبلغ فلعل
الولد في ورطة وهو محتاج إليه.
فبعت داري بنصف ثمنها. أتسمع يا سيدي؟ بعت الدار
بمئتي ليرة» وهي كل ما أملك في هذه الدنياء واستدنت الباقي
من مراب يهودي دلوني عله يريا تسعة تروش عن كل ليرة في
الشهر» أي أن المئة تصير في آخر السنة مئتين وثمانية! وبعثت
إليه وخبّرته أني قد أفلست.
5لا
وانقطعت عني كتبه بعد ذلك ثلاث سنوات» ولم يجب
على السيل من الرسائل التي بعثت بها إليه. ومر على سفره سبع
سنين كوامل لم أرَ وجهه فيهاء وبقيت بلا دار» ولاحقني المرابي
بالدين فعجرت عن قضائه» فأقام على الدعوى» وناصرته الحكومة
علي لأنه أبرز أوراقاً لم أدر ما هي فسألوني: أأنت وضعت بصمة
أصبعك في هذه الأوراق؟ قلت: نعم. فحكموا علي بأن أعطيه ما
يريد وإلا فالحبس. وحبست يا سيدي. نعم» حبست وبقيت
المرأة وليس لها إلا الله» فاشتغلت غسّالة للناس وخادمة فى
البيوت وشربت كأس الذل حتى الثمالة. ْ
ولما خرجت من السجن قال لي رجل من جيراننا: أرأيت
يا رجل أم أنت تتجاهل؟ هو موظف كبير في الحكومة ويسكن
مع زوجته الفرنسية دارأ فخمة في الحيّ الجديد.
وحملت نفسى وأخذت أمه وذهبنا إليه» وما لنا أمنية فى
العيش إلا أن نعائقه كما كنا نعانقه صغيراً ونضمه إلى صدورنا
ونشبع قلوبنا منه بعد هذا الغياب الطويل. فلما قرعنا الباب قتحت
الخادمة» فلما رأتنا اشمأزت من هيئتنا وقالت: ماذا تريدون؟ قلنا
نريد إبراهيم. قالت: إن البك لا يقابل الغرباء في داره» اذهبا إلى
الديوان. قلت: غرباء يا قليلة الأدب؟ أنا أبوه وهذه أمه.
وسمع ضجتنا فخرجء وقال: ما هذا؟ وخرجت وراءه امرأة
فرنسية جميلة. فلما رأته أمه بكت وقالت: إبراهيم» حبيبي؟
ومدّت يديها وهمئت بإلقاء نفسها عليه فتخلى عنها ونفض ما
8
مسته من ثوبه وقال لروجته كلمة بالفرنساوي؛ سألنا -بعدُ- عن
معناها فعلمنا أن معناها «مجانين»! ودخل وأمر الخادم أن
تطردنا... فطردتنا -يا سيدي- من دار ولدنا.
وما زلت أتبعه حتى علقت به مرة» فهددنى بالقتل إذا
ذكرت لأحد أني أبوه وقال لي: ماذا تريد أيها الرجل؟ دراهم؟
أنا أعمل لك راتباً بشرط ألا ترورني ولا تقول أنك أبي.
ورفضت -يا سيدي- الراتب وعدت أستجدي الناس»
وعادت أمه تغسل وتخدم حتى عجزنا وأقعدنا الكبر والمرض»
فجكت أشكو إليك. فماذا نصنء؟
فقلت للرجل: خبّرني أولاً ما اسم ابنك هذا وما هي
وظيفته؟
فنظر إلى عاتباً وقال: أتحب أن يقتلني؟!
قلت: إن الحكم لا يكون إلا بعد دعوى» والدعوى لا
تكون إلا بذكر اسمه.
قال: إذن أشكو شكاتي إلى الله.
5 2 ع .
وقام يجرّ رجله يائساً... حتى خرج ولم يعد.
كط حم ف
74
العجوزان”"
نشرت سنة ١9441
... أغلق الشيخ الباب فتنفس أهل الدار الصعداءء وأفاقوا
إفاقة من يودع الحلم المرعب أو الكابوس الثقيل» ثم انفجروا
يصيحون يفرغون ما اجتمع في حلوقهم من الكلمات التي حبسها
وجود الشيخ فلم ينبسوا بهاء وانطلقوا في أرجاء الدار الواسعة
والأولاد (صغار أولاد الشيخ وأحفاده) يتراكضون ويتراشقون
بما تقع عليه أيديهم من أثاث الدار» ويتراشون بالماء» أو يدفع
بعضهم بعضاً في البركة الكبيرة التي تتوسط صحن الدار» فيغوص
الولد في أمواهها فتعدو إليه أمه أو مّن تكون على مقربة منه
فتخرجه بين قهقهة الصغار وهتافهم» وتُقبل عليه لتنضو عنه ثيابه
وتجفف -خشية المرض- جسده. فإذا هو يتفلت من بين يديهاء
. ثم يركض وراء إخوته وأبناء عمه ليأخذ منهم بالثأر والماء ينقط
من ثيابه على أرض الدار المفروشة بالرخام الأبيض والمرمر
الصافي» التي أنفقت الأسرة ساعات الصباح كلها في غسل
رخامها ومسحه بالإسفنج حتى أضحى كالمرايا المجلوّة أو هو
أسنى... وعلى السجاد الثمين الذي يفرش القاعات الكبيرة
والمخادع» وهم ينتقلون من غرفة إلى غرفة ومن درج إلى درج»
)١( في هذه القصة صورة لدمشق القرن التاسع عشر.
323
ويفسدون ما يمرون به من الأغراس التي لم تكن تخلو من مثلها
دار في دمشق؛ من البرتقال والليمون والكبّاد والفراسكين
والنارنج والأترجّ (الطرنج) وقباب الشمشير والياسمين والورد
والفل» تتوسط ذلك كله الكرمة (الدّالية) التى تتمدد على «سقالة»
تظلل البركة تحمل العنب البلدي الذي يشبه فى بياضه وصفائه
اللؤلء لولا أن الحبة الواحدة منه ترن أربع حبات مما يسمى في
مصر والعراق عنباً... والجدة تعدو وراءهم ما وسعها العدو
تصرخ فيهم صراخاً يكاد من الألم يقطر منه الدم: "ؤلك يا ولد
أنت ويّاه'2... يقصف عمري منكم... وسختم البيت. يا ضيعة
التعب والهلاك... الله يعجل علي بالموت حتى أخلص منكم"!
فيختلط صراخها بصياح الأولاد وضحك الضاحكين منهم
وبكاء الباكين» وهم يتضاربون ويُسقطون ما يعثرون به من
الأواني والكؤوس... ولا يصغي لنداء الجدة أحد منهم:
تدخ بحن تن
ويلبثون على ذلك حتى ينادي المؤذن بالظهرء فتنطفئ
-عند ذلك- شعلة حماستهم وتتخافقت أصواتهم ويحسون بدنو
ساعة الخطرء فيئزوي كل واحد منهم في ركن من أركان
الدار ينظر في ثيابه يحاول أن يزيل ما علق بها من أوساخ أو
أن يصلح ما أفسد منهاء كيلا يبقى عليه أثر يعلن فعلته
ويتذكرون ما هشموا من أثاث المنزل حين عاثوا فيه مخربين»
فيجمع كل واحد منهم ما يقدر عليه من حطام الأواني فيلقيه
)١( أي أنت وهوء ولعلها تحريف عامي لقولنا: «وإياه» (مجاهد).
في زاوية الزقاق في غير الطريق الذي يمر منه الشيخ» ويرجع
النسوة إلى أنفسهن فيسرعن في إعداد الطعام وإصلاح المنزل.
وتدور العجوز لتطمئن على أن قبقاب الشيخ في مكانه لم يرح
عنه شعرة» لا ذكل هذه «المهمة» لكنتيها ولا لبناتها لأنها لم
تنس طعم العصي التي ذاقتها منذ أربعين سنة... في ذلك اليوم
المشؤوم الذي وقعت فيه الكارثة ولم يكن قبقاب الشيخ في
مكانه» وضم إليها القدر مصيبة أخرى أشد هولاً وأعظم خطراً
فتأخر صب الطعام عن موعده المقدس (في الساعة الثامنة
الغروبية) عشر دقائق كاملات.
وللشيخ حذاء (كندرة) للعمل» وخف (صرماية) للمسجد.
و(بابوج) أصفر يصعد به الدرج ويمشي به في الدار» (وقبقاب)
للوضوء. وقد تخالف الشمس مجراها فتطلع من حيث تغيب ولا
يخالف الشيخ عادته فيذهب إلى المسجد بحذاء السوق أو يتوضأ
ببابوج الدرج.
5 العجوز قميص الشيخ ومنديله وتهيئ «الْبَقجّة20 التي
تضع فيها ثياب السوق بعد أن تساعده على نرعها وتطويها على
الطريقة التي أُلِفتها وسارت عليها منذ ستين سنة» من يوم تروج
بها الشيخ وكان في العشرين وكانت هي بنت مست عشرة» وهي
لا ترال تذكر إلى الآن كيف وضح لها أسلوبه في الحياة وبيّن لها
ما يحب وما يكره» وعلمها كيف تطوي الثياب وكيف تعد
)١( لعلها كلمة تركية الأصل» وهي الصرة الكبيرة من القماش تُلّف على ما
يوضع فيها من ثياب وسواها (مجاهد).
م١
القبقاب كما علمها ما هو أكبر من ذلك وما هو أصغر» وحذرها
نفسه وخوّفها غضبه إذا هي أتت شيئاً مما نهاها عنه. قأطاعت»
ولبثت هذا العمر كله وهي سعيدة مسعدة طائعة مسرورة» لم
تخالف إلا في ذلك اليوم المشؤوم» وقد لقيت فيه جزاءها.
ونظرت العجوز الساعة فإذا هى منتصف الثامنة. لقد بقى
نصف ساعة... ففرقت أهل الدار ووزعت عليهم الأعمال كما
يفرق القائد ضباطه وجنده ويلزمهم مواقفهم استعداداً للمعركة
فأمرت بنتها الكبرى بإعداد الخوان للطعام» وبعثت الأخرى
لتمسح أرض الدار التي وسخها الأولاد» وأمرت كنتيها بتنظيف
وجوه الصغار وإبدال ثيابهم حتى لا يراهم الشيخ إلا نظافاً... ثم
. ذهبت ترد كل شيء إلى مكانه. ولكل شيء في هذه الدار الواسعة
موضع لا يريمه ولا يترحرح عنه» سنة سنّها الشيخ لا تنال منها
الغِيّر ولا تبدلها الأيام» فهو يحب أن يضع يده على كل شيء في
ظلمة أو نور» في ليل أو نهارء فيلقاه في مكانه.
ولما اطمأنت العجوز إلى أن كل شيء قد تم نظرت في
الساعة فإذا هي دون الموعد بخمس دقائق» فاستعدت وغسلت
يديها ووجهها ولبست ثوباً نظيفاً كعهدها ليالي عرسها لم تبدل
العهد. واستعد أهل الدار بكبارهم وصغارهم» فلما استوى عقرب
الثامنة أرهفوا أسماعهم فإذا المفتاح يدور في الباب. إنه الموعد
ولم يتأخر الشيخ عن موعده هذا منذ ستين سنة إلا مرات معدودة
عرض له فيها شاغل لم يكن إلى دفعه من سبيل. فلما دخل أسرعوا
إليه يقبّلون يده» وأخذت ابنته العصا فعلقتها فى مكانها وأعانته
على خلع الحذاء وانتعال البابوج الأصفرء وسبقته زوجته إلى
م
غرفته لتقدم إليه ثياب المنزل التي يتفضل”"© بها.
غاضت الأصوات وهدأت الحركة؛: وعادت هذه الدار
الواسعة إلى صمتها العميق» فلم يكن يُسمع فيها إلا صوت الشيخ
الحازم المتزن» وأصوات أخرى تهمس بالكلمة أو الكلمتين ثم
تنقطع» وخطى خفيفة متلصصة تنتقل على أرض الدار بحذر
وخوف. وكانت غرفة الشيخ التي يُؤثْرها على يمين الإيوان
العظيم ذي القوس العالية والسقف المنقوش الذي : تخلو من
مثله دار فى دمشقء والذي يتوجه أبداً إلى القبلة ليكون لأهل
الدار مّصيفاً يغنيهم عن ارتياد الجبال في الصيف ورؤية ما فيها
من ألوان الفسوق» يشرفون منه على الصحن المرمري وأغراسه
اليانعة وبركته ذات النوافير... وكانت غرفة الشيخ رحبة ذات
عتبة مستطيلة تمتد على عرض الغرفة التي تعلو عن الأرض أكثر
من ذراع كسائر غرف الدور الشامية» تغطيها «تخشيبة» مد عليها
السحاد وفُرشت في جوانبها «الطراريح»: الوسائد والمساند»
وقامت في صدرها دكة أعلى ترتفع عن «التخشيبة» مقدار ما
تهبط عنها العتبة. وكان مجلس الشيخ في يمين الغرفة يستند إلى
الشبّاك المطل على رحبة الدار وقد صف إلى جانبه علبه وأدواته؛
وهن حُق(" النشوق الذي يأخذ منه بيده ما ينشقه من التبغ
المدقوق (الذي ألفه المشاد يخ فاستحلوه بلا دليل حتى صاروا
)١( أي يتبذل.
(1) الحُّق (بضم الحاء): وعاء صغير ذو غطاء قد يكون من الرزجاج أو من
سواه. ولعل منه ما ندعوه اليوم «العلية») وهي لفظة قديمة معناها القدح
الكبير من الخشب أو من جلود الإبل يُحلّب فيهء إلا أن استخدامنا لها-
5م
يَشْتَمُونَهُ في المسجدء كما حَرّموا الدخان بلا دليل)» وإلى جنب
هذا الحّق علبة نظارات الشيخ ومنديله الكبير والكتابان اللذان لا
ينتهي من قراءتهما: «الكشكول» و«المخلاة)20.
وفي زاوية الشبّاك أكياس بيضاء نظيفة مطوية يأخذها معه
كل يوم حينما يغدو لشراء الطعام من السوق فيضع الفاكهة في
كيس واللحم في آخرء وكل شيء في كيسه الذي خصصه به
وهذه الأكياس تغسل كل يوم وتعاد إلى مكانها. وعن يساره
خزانة صغيرة من خشب السنديان المتين أشبه الأشياء بصندوق
الحديد» لا يدري أحد حقيقة ما فيها من التحف والعجائب»
فهي مستودع ثروة الشيخ وتحفه. ومما علم أهل الدار عنها أن
فيها علباً صغاراً في كل علبة نوع من أنواع النقد: من النحاسات
وأنصاف المتاليك والمتاليك وأمّات الخمسين وأمّات المئة
والبشالك والرهراويات إلى المجيديات وأجزائها والليرات
العثمانية والإنكليزية والفرنسية» كل نوع منها في علبة من هذه
العلب» فإذا أصبح أخذ مصروف يومه الذي قدره له يوم وضع
«ميزانية الشهر»» ثم إذا عاد نظر إلى ما فضل معه فضم كل جنس
- بالمعنى المتداول اليوم صار مقبولاً؛ ففي «المعجم الوسيط» الذي أصدره
مجمع اللغة العربية بمصر: «والعلبة وعاء من خشب أو ورق أو صفيح
معدني يحفظ فيه الشيء» (مجاهد).
)١( كتابان مشهوران من كتب الأدب؛ فيهما أخبار وطرائف وأقوال وفوائد
وحِكم وأمثال ونثر وشعرء بل إن في الكشكول (وهو أكبر الكتابين)
ننَفا من الفقه والتفسير والحديث والنحو والصرف والبلاغة والحساب
والهندسة والجبر والفلك والجغرافيا والفلسفة (مجاهد).
م
إلى جنسه. وفي هذه الخرانة (وهي تدعي في دمشق مشق الخرمئتان)
الفنار العجيب الذي كان يخرجه إذا ذهب ليلا (وقلما كان
يفعل) يستضيء به في طرق دمشق شق التي لم يكن فيها أنوار إلا
أنوار النجوم ومصابيح الأولياء وسرجهمء وأكثر هذه السرج
يضاء ببركة الشيخ عثمان نهاراً ويطفأ ليلاً! وفيها الكأس التي
تُطوى» والمكبّرة التي توضع في شعاع الشمس فتحرق لور
من غير نار. وفيها خواتم العقيق التي حملها الشيخ من مكة
فأهدى إلى أصحابه قسماً منها وأودع الباقي خرانتهء» وفيها
الليرات الذهبية التى كان يعطيها الأطفال فيأكلونها لأن حشوها
«شكلاطة»... وكانت هذه هي عجائب الدار السبع!
وأمام الشيخ «الرحلاية» وفوقها «السّكمجاية وهي صندوق
صغير فيه أدراج دقيقة ومخابئ وشقوق للأوراق وبيوت للأقلام
في صنعة لطيفة وهيئة غريبة» كانت شائعة يومئذ في دمشق
موجودة في أكثر البيوت المحترمة. ْ
والويل لمن يمس شيئاً من أدوات الشيخ أو يجلس في
مكانه. ولقد جنى الجناية أحد الأطفال مرة فعبث بعلبة النشوق
فأسرعت أمه فرعة وأخذتها منه وأبعدته وأعادتها إلى مكانهاء
فاتراحت -لشْؤم الطالع- عن موضعها مقدار أنملة وعرف ذلك
الشيخ» فكان نهار أهل المنزل أسود وحُرموا بعده من الدنوٌ من
هذا الحمى.
اج اي
كان الشيخ في الثمانين ولكنه كان متين البناء شديد الأسرء
همم/
أحاط شبابه بالعفاف والتقى فأحاط العفاف شيخوخته بالصحة
والقوة) وكان فارع الطول عريض الأكتاف. لم يَشّْك في حياته
ضعفاء ولم يسرف على نفسه في طعام ولا شراب ولا لذةء ولم
يَحِدْ عن الخطة التي اختطها لنفسه منذ أدرك؛ فهو يفيق سحراً
والدنيا تتخطر في ثوب الفتنة الخاشعة والخشوع الفاتن» والعالم
ساكن لا يمشي في جوائه إلا صوت المؤذن وهو يكير اله ف
السحر يتحدّر من أعلى المنارة فيخالط النفوس المؤمنة فيهزها
ويشجيهاء يمازجه خرير الماء المتصل من نافورة الدار يكبّر (هو
الآخر) ربه ويسبح بحمده «إوإن من شيءٍ إلا يُسبَّحُ بِحَمْدِه):
فيقف الشيخ متذوقاً حلاوة الإيمان» ثم ينطلق لسانه ب «لا إله إلا
الله» تخرج من قرارة فؤاده المترع باليقين» ثم ينزع ثيابه وينقمس
في البركة يغتسل بالماء البارد» ما ترك ذلك قط طول حياته؛ لا
يبالي برد الشتاء ولا رطوبة الليل» وكثيراً ما كان يعمد إلى قرص
الجليد الذي يغطي البركة فيكسره بيده ويغطس في الماء. ثم
يلبس ثيابه ويصلي ما شاء الله أن يصلي» » ثم يمشي إلى المسجد
فيصلي الصبح مع الجماعة في مجلس له وراء الإمام ما بدّله يوماً
واحداء وييقى مكانه يذكر الله حتى تطلع الشمس وترتقع فكع
الركعتين المأثورتين بعد هذه الجلسةء ويرجع إلى داره فيجد
الفطور معداً والأسرة منتظرة ة فيأكل معهم اللبن الحليب والشاي
والجبن أو الربدة والريتون والمكدوسء ثم يغدو إلى دكانه
فيجدها مفتوحة قد سبقه ابنه الأكبر إليها ففتحها ورتبها.
والدكان في سوق البرازين أمام قبر البطل الخالد نور الدين
زنكيء وهي عالية قد فرشت ت أرضها بالسجاد وصفّت أثواب
1م
البَراا» أمام الجدران» ووّضعت للشيخ وسادة يجلس عليها في
صدر الدكان.» ويباشر أبناؤه البيع والشراء بسمعه وبصره ويدفعون
إليه الثمن» فإذا ركد السوق قليلاً تلا الشيخ ما تيسر من القرآن
أو قرأ فى «دلائل الخيرات» أو تحدّث إلى جار له مسن حديث
التجارة» أما السياسة فلم يكن في دمشق مشق من يفكر فيها أو
يحفلهاء وإنما تركها الناس للوالى والدفتردار والقاضى والخمسة
أو الستة من أهل الحل والعقدء وكان هؤلاء هم الحكومة
(كلها...). وكان الشيخ مهيباً في السوق كهيبته في المتزل»
تتحاشى النسوة المستهترات الوقوف عليه» وإذا تجرّأت امرأة
فكشفت وجهها أمامه لترى البضاعة (كما تكشف كل مستهترة)
صاح بها فأرعبها وأمرها أن تستتر وأن تلزم أبداً حدود الدين
والشرف» وكانت تبلغ به الهيبة أن يعقد الشباب بينهم رهاناً
أيهم يقرع عليه بابه» ويجعلوا الرهان ريالاً مجيدياً أبيض» فلا
يفوز به أحد منهم.
وكان الشيخ قائماً بحق أهله؛ لا يرد لهم طلباً ولا يمنعهم
حاجة يقدر عليهاء ولكنه لا يلين لهم حتى يجرؤوا عليه؛ ولا
يقصّر في تأديب المسيء منهم» ولا يدفع إليهم الفلوس أصلاً.
وما لهم والفلوس وما في نسائه وأولاده من يخرج من الدار
ليشتريٍ شيثاً؟ وما لهم ولها وكل طعام أو شراب أو كسوة
أو حلية بين أيديهم» وما اشتهوا منه يأتيهم؟ ولماذا تخرج
المرأة من دارها إذا كانت دارّها جنة من الجنان بجمالها
وحسنهاء ثم إن فيها كل ما تشتهي الأنفس وتلذٌ الأعين؟
)١( أي أثواب القماش (مجاهد).
7و8
يابث الشيخ في دكانه مشرفاً على البيع والشراء حتى يقول
الظهر: «الله أكبر»؛ فينهض إلى الجامع الأموي وهو متوضئ منذ
الصباح (لأن الوضوء سلاح المؤمن)؛ فيصلي فيه مع الجماعة
الأولى» ثم يأخذ طريقه إلى المنرل أو يتأخر قليلاً ليكون في
المنزل عندما تكون الساعة في الثامنة. أما العصر فيصليه فى
مسجد الحي» ثم يجلس عند «برو العطار» فيتذاكر مع شيوخ
الحي فيما دق وجل من شؤونه: اختلف أبو عبده مع شريكه
فيجب أن تؤلّف جمعية لحل الخلاف. .. والشيخ عبد الصمد في
حاجة إلى قرض عشر ليرات فَلْتهيا له... وعطا أفندي سلّط ميزابه
على الطريق وآذى السابلة فليْنصّح وليجبر على رفع الأذى عن
الناس...
أي أن هذه الجحماعة محكمة. ومجلس بلدي, وجمعية
خيرية إصلاحية تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. وكان «برو
العطار» مخبر اللحنة ووكيلها الذي يعرف أهل الحى جميعاً
برجالهم ونسائهمء فإذا رأى رجلاً غربياً عن الحي حول أ أحد
امرأة نظر لعلها ليست روجته وله أخته. أولم يكن في دشي
صاحب مروءة يماشى امرأته فى طريق ترف به حيثما سارت؛
بل يتقدّمها أو تتقدمه ويكون بينهما بعد بعيد. وإذا بنى رجل غرفة
يشرف منها على نساء جاره أنبأ الشيخ وأصحابه فألرموه حدم
وإن فتح امرؤ شبّاكاً على الجادة سدّوه؛ لأن القوم كانوا ييحرصون
على التستر ويكرهون التشبه بالإفرنج؛ فالبيوت تبدو من الطريق
كأنها مخازن للقمح لا نافذة فيها ولا شبّاك؛ ولكنها من الداخل
84
الفراديس والجنان. فكان الحي كله -بفضل الشيخ وصحبه-
نقياً من الفواحش صيّاً» أهله كأهل الدار الواحدة لا يضن أحد
منهم على الآخر بجاهه ولا بماله» وإذا أقام أحدهم وليمة أو
كان عنده عرس أو ختان» فكل ما فى الحى من طباق و«صوان»
وكؤوس تحت يده وملك يمينه. ا
كن بيد تن
مر دهر والحياة في هذه الدار سائرة في طريقها لا تتغير ولا
تتبدل ولا تقف» مطّردة اطراد القوانين الكونية» حتى جاء ذلك
اليوم... ودقت الساعة دقّاتها الثمان» وتهيأ أهل الدار -على
عادتهم- لاستقبال الشيخ» ولكن العجوز الطيبة والروجة
المخلصة لم تكن بينهم» وإنما لبثت مضطجعة على الأريكة
تشكو ألما شديداً لم يفارقها منذ الضباح. وأدار الشيخ مفتاحه
ودخل فلم يرها (وهي التي عوّدته الانتظار عند الياب» ولم تحد
عن هذه العادة مدة ستين سنة إلا أيام الوضع ويوم ذهبت لتودّع
أباها قبل وفاته)» فسأل الشيخ عنها بكلمة واحدة أكملها بإشارة
من يدهء فخبرته أبنته وهي ت: تتعثر بالكلمات -هيبة له وشفقة على
أمها- أنها مريضة. فهر رأسه ودخلء فلما وقع بصره عليها لم
تتمالك نفسها فنهضت -على غير شعور منها- تقبل يده فلما
مست أصابعه أحسّ كأنما لمسته جمرة ملتهبة.
وكان الشيخ -على ما يبدو من شدته وحزمه وحبه النظام-
قوي العاطفة» محباً لزوجته مخلصاً لها. فرجع من فوره ولم
يأكل» ولم يدر أحدٌ في المنرل لماذا رجع ولم يجرؤ على
سؤاله» واكتفوا بتبادل الآراء فى تعليل هذا الحادث الغريب الذي
15
يشبه -في أنظارهم- خروج القمر عن مداره. ومضت على ذلك
ساعة أو نحوهاء ثم سمع المفتاح يتحرك في الباب فسكتوا
وحبسوا الأنفاس وترقبوا هذه المفاجأة. فدخل الشيخ وصاح:
"روحوا مر من الطريق"» فاختبأ النسوة ليدخل الضيف» غير أنهن
نظرن من شق شق الباب (على عادة نساء البلد) فأبصرن الطبيب»
وكن يعرفته لتردده على المنزل كلما تردد عليه المرض. وكان
الطبيب شيخاً وكانت بينه وب بين العجوز قرابة» ومع ذلك فقد أمر
الشيخ العجوز بلبس ملاءتها وألا تُظهر منها إلا ما لا بد من
إظهاره» ثم أدخله عليهاء فحسّ نيضها وقاس حرارتها ورأى
لسانها (وكان ذلك منتهى الدقة في الفحص في تلك الأيام)» ثم
خرج مع الشيخ يسارَّهُ حتى بلغا الباب» فودعه الشيخ وعادء فأمر
بأن تبقى العجوز في غرفتها وأن تلزم الحمية وتتناول العلاج
الذي يأتيها به.
مرت أيام طويلة والعجوز لم تفارق الفراش» وكان المرض
يشتد عليها حتى تذهل عن نفسهاء وتغليّها الحمّى فتهذي:
"صارت الساعة الثامنة... يلا0© يا بنت» حضّري الخوان..
والقبقاب؟ هل هو في مكانه؟"... وتهم -أحياناً- بالنهوض
لتستقبل زوجهاء وكانت بنتاها وكنتاها يمرّضنها ويقمن في
خدمتهاء فإذا أفاقت حدثئتهن وسألتهن عن الشيخ: هل هو مستريح؟
ألم يرعجه شيء؟ والدار؟ هل هي كما تعهدها أم قد اضطربت
أحوالها؟ ذلك همها في مرضها وفي صحتهاء لا هم لها سواه.
)١( كلمة عامية كثيرة الدوران على الألسنة في الشام؛ بمعنى «هيّاه (مجاهد).
وحل موسم المعقود وهي مريضة فلم تطق على البقاء
صبر وكيف تتركه وهي التي لم تتركه سنة واحدة من هذه
السئين الستين التي عاشتها في كنف زوجهاء بل كانت تعقد
المشمش والجانئرك والباذنجان والسفرجلء منه ما تعقده بالسكر
ومنه ما تعقده بالدبس» وكانت تعمل مربّى الكبّاد واليقطين»
فيجتمع لها من أنواع المعقودات والمربّيات والمخلّلات
(الطرشي) ومن أنواع الزيتون الأسود والأخضر والمفق ش
والجلط وأشكال المكدوس معمل أمقار (كونسروة) صغير
تقوم به هذه الروجة المخلصة وحدها صامتة("» ولا يعيقها ذلك
عن تربية أولادها ولا عن إدارة منزلها وتنظيفه ولا عن خياطة
أثوابها وأثواب زوجها وبنيهاء بل تصنع -مع هذا كله -البرغل
وتغسل القمح وتعجن العجين.
حل الموسم فكيف تصنع العجوز المريضة؟ لقد آلمها
الأمر وحرّ في كبدهاء وبلغ منها أكثر مما بلغ المرض بشدته
وهولهء فلم يكن من ابنتها المخلصة وكنتها الوفية إلا أن جاءتا
بالمشمش فوضعتاه أمام فراشها وطفقتا تعقدانه أمامها وتعملان
برأيهاء فكان ذلك أجمل ما تتمنى العجوز.
واشتدّت العلة بالمرأة وانطلقت تصيح حتى اجتمع حولها
أهل الدار جميعاًء ووقفوا ووقف الأطفال صامتين وحبّهم لهذه
العجوز الطيبة التي عاشت عمرها كله لروجها وبنيها يطفر من
عيونهم دمعاً حاراً مدرارأء وهم لا يدرون ماذا يعملون» يودّون
)١( لا يرال ذلك كله في بيوت الشام إلى اليوم.
1١
لو تُفتدى بنفوسهم ليفدوها. ثم هدأ صياحها وجعل صوتها
يتخافت حتى انقطع» فتسلل بعض النسوة من الغرفة ووقف من
وقف حائراً يبكي.
ولكن العجوز عادت تنطق بعدما ظنوها قضتء فاستبشروا
وفرحواء وسمعوها تتكلم عن راحة الشيخ وعن المائدة والساعة
الثامنة والبابوج والقبقاب... بيد أنها كانت يقظة الموت» ثم
أعقبها الصمت الأبدي. وذهبت هذه المرأة الطيبة» وكان آخر
ما فكرت فيه عند موتها وأول ما كانت تفكر فيه في حياتها:
زوجها ودارها.
جلك ولم بعد بسفل أح3 الي لأنه لم يد هو بحل بشو
لقد فقد قرينه ووليفه وصديق ستين سنة؛ فَخَلَتَْ حياته من الحياة)
وعادت كلمته لا معنى لها وانصرف عن الطعام وأهمل النظام»
فعيثت الأيدي بعلبه وأكياسه» وامتدّت إلى «الخرستان» السرية
التي أصبح بابها مفتوحاً فلم تبق فيها تحفة ولا مالأ» وهو لا يأسى
على شيء ضاع منه بعدما أضاع شقيقة نفسه.
فانحنىٍ ظهره وارتجفت يداه ووهنت ركبتاه, ولم يكن إلا قليل
حتى طويت هذه الصفحةء » فختم بها سفر من أسفار الحياة
الاجتماعية في دمشق كله طهر وتضحية ونبل.
415
طبق الأصل
نشرت في سنة ١9557
إن الحياة تؤلف قصصاً يعجر أبرع أهل الفن عن توم
مثلهاء ولكن الحياة لا تذيع «مؤلفاتها» ولا تعلن عنهاء فتبقى
«مخطوطة» مخبوءة لا يصل إليها ولا يقرؤها إلا رجل حديد
البصرء طويل اليدء ذو جَلّد على البحث وصبر على التنقيب.
ولست ذلك الرجلء ولا أنا من عشاق المخطوطات ورواد
المباحث”") ولكن الأيام ألقت هذه القصة في طريقي» فوجدتها
«مطويّة» في سجلات محكمة من المحاكم» » مقطّعة الأوصال
مفرّقة الأجراء» فألصقت أوصالها وجمعت أجزاءهاء و«نشرتها»
في الرسالة؛ وما لي فيها إلا الرواية.
د م ف
بدأت هذه القصة في مخفر للشرطة في مدينة (كذا) في
ظهيرة يوم وهج عصيب من أيام تموز2" تسعّر فيها الجو وأقفرت
الشوارع من السالكين؛ إلا سالكاً بسيارة تطوي له الأرض أو
)١( بحث: فش والمباحث -في الأصل- المكان المجهول.
(؟) تموز هو الاسم العربي لشهر يوليوء ولا يُعرّف بغيره في الشام كله
والعراق. أما أهل الحجاز ونجد فأشهرهم قمرية وتواريخهم هجرية.
لذن
عربة تخب به خيولها يقطر العرق من صدورها وأعرافهاء أو
صاحب حاجة مفلساً يخوض الهاجرة ماشياً في قضائهاء أو
موظفاً مسكيناً انصرف إلى منزله لا يجد -إذا كان أميناً- أجرة
سيارة ولا عربة ولا حمار (لو أنها تؤجّر الحمير الآن كما كانت
تؤجر من زمان).
وكان في المخفر أربعة من الشرطة. قد نرعوا أرديتهم
وحلوا مناطقهم» واستلقوا على مقاعدهم في كسل وارتخاء.
واستسلم كل لأفكاره وهمومه أو انطلق سادراً في أودية الأحلام؛
فذو العيال منهم يفكر في هم البيبت ومشاكل النفقات» والخبيث
يكد ذهنه يفتش عن شيء براني0©. وما أهون الوصول إليه في هذه
الأيام التي فشت فيها الرشوات والبراطيل؟ حين غلت الأشياء
كلها ولكن رخصت الضمائر» وسعّرت الحكومة الأشياء كلها
وتركت الذمم. والعزب التقي يداري من شهوته مثل لذع النار
ترثُهاا"» مشاهد في الطريق ويحبسها خوف الله والعار» إن كان
قد بقي في «العشق...» اليوم من عار! والماجن يتعلل بذكريات
ليلة فاجرة ويتلمّظها» ويلتذٌ بالتفكير فى فجور جديد..
وكانوا سكوتاً لا تسمع منهم إلا أغنيّة الصمت التي ليس
)١( «شيء براني» من العامي الفصيح. وفي الخبر: «من أصلح جوّائيه أصلح
الله برانيه»» انظر القاموس.
(؟) البرطيل: الرشوة. وبرطلته رشوة فتبرطل» فهي من العامي الفصيح.
(؟) أرّث النار: أوقدها. ويُقال: أرّث بين القوم؛ أي أغرى بعضهم ببعض
(مجاهد).
(؟) وعامة الشام يقولون: تلمّض.
54
لها آخرء يقطعها بين الفترة والفترة سؤال مختصر يلقيه أحدهم
بصوت خافت تتعثر كلماته وهى سائرة فى الفضاء من الضحجر
والملل» يجيب عليه الآخر بهزة من رأسه أو بكلمة مفردة يمضغها
بين أسنانه ويبتلع الحرف الأخير منهاء ثم يعود السكون كما
كان.
ويُفتح الباب.
ويرفع الشرطيون الأربعة رؤوسهم ينظرون من هذا المتطّل
الثقيل الذي دخل عليهم هذه الساعة» وكل واحد منهم يتمنى أن
يكفيه غيره مشقة صرفه والتخلص منه. ولم يكن فيهم من ينشط
لعمل ولا لحديثء ولكنهم لا يرون القادم حتى يطير الخمول من
نفوسهم ويدب النشاط في أجسامهم» وينسى ذو العيال هم
البيت وطالب الرشوة لذة المال وينسى «العاشق» المحروم فتاة
أحلامه» وتتعلق أبصارهم بالقادم وكأن الدهشة قد بَبَنْها في
محاجرها فهي لا تتحرك ولا تطرفء ثم ينظر كل في ثيابه فيصلح
منها ما يستطيع» ويمد يده إلى قميصه فيحكم زيقه(© وإلى ردائه
فيرتديه» ويقف مستعداً كأنما قد فاجأه المدير العام» ويتم ذلك
كله في لحظات.
ولم يكن القادم المدير العام» بل تلك الفتاة الجميلة المتكبّرة
التي كانت تمر بهم كل يوم شامخحة الأنف تنظر دوماً إلى الأمام»
لا تتنازل أن تلقي عليهم نظرة واحدة... وكانت تترك وراءها
-كلما مرّت- عبقاً من الروعة والسحرء فقد كان جمالها من
)3( زيق القميص من العامي الفصيح.
5
الجمال الشرس الأخَاذ الذي يروع الناظر إليه ويشده حتى يتركه
وكأنما قد أصابه دُوار حلو وخَدّر لذيذ. فإذا ابتعدت وصحوا
من سكرة جمالها عادوا إلى الحديث عنها فأنفقوا فيه نهارهم.
ولقد تسقّطوا أخبارها فلم يسمعوا عنها ما يريب» برغم هذه
الثياب «الفظيعة» التي كانت تخرج بها؛ ثياب أزهى من زهر
الربيع وأرق من دين الراقصات وأقصر من عمر الحب! غشاء من
الحرير إلى ما فوق الركبتين» يبرز ما تحتهما ويصور ما فوقهماء
والذراعان باديتان والشعر يتموّج على الكتفين خصلاً ترري
بخالص الحرير.
ووقفت الفتاة تصوّب فيهم نظرات متعالية» ثم قالت عابسة
زاوية ما بين عينيها» ضامّة شفتين كزرٌ الورد على فم لا يتسع
للكلمات: أمام باب المخفر شاب وقح لا يزال يلاحقني كلما
مشيت في الطريق» فأرجو سؤاله عما يريد مني.
وعرفوا الذي يريده منهاء وكانوا -في قرارات نفوسهم-
يريدون مثله. وكانوا قوماً همجاً© متأخرين ذوي عقول قديمة
رجعية» لا يفهمون من تكشّف البنات إلا «ذلك» المعنى العتيق
جداً... لا يعلمون أن الدنيا تقدمت وأن الببت تتكشف على
الساحل للسباحة» وفي المدرسة للرياضة» وفي الطريق وفي
الترام للصحة وحدها فقط... لا غير!
ولكنهم أسرعوا -مع ذلك- إلى الباب ليقبضوا على هذا
«الوقح» الذي تطاول إلى سماء الجمال» فأراد أن يدنس الكوكب
)03 من العامي الفصيح.
45
الذي تستنير به قلوبهم ولا يجرؤون على التأميل فيه والتفكير في
الوصول إليه» وكل منهم يود أن يسبق إلى اتخاذ اليد عند الآنسة
الفتانة المتكبرة ذات الثياب «الفظيعة»! وجاؤوا به.
كن نذا تنا
وكان شاباً مختثاً خليعاًء تحس -إذا نظرت إليه- أن رجولته
كورقة النقد المزوّرة» لها لونها ونقشها ولكن ليس لها قيمتها
ولا تشتري لصاحبها إلا مكاناً فى السجن» كما أن رجولة هذا
الشاب لا تكسبه إلا موضعاً في جهنم... وكان الشرطيون الأربعة
يحفُون به بقاماتهم المديدة وأجسامهم التي تتفجر بالقوة» كما
تحف أربعة سنانير بفأر هزيل» ينظرون إليه بازدراء واحتقار:
أهذا هو المخلوق الذي يطمع في هذه الآنسة ويطمح إلى أن
يكون «رجلها» من دون الرجال؟!
وزجروه وأوعدوه. ولكنه لم يزدجر ولم يخفء بل لبث
ينظر إلى الفتاة بعيون الثعلب ويبتسم ابتسامة قرد مهذبء فلم
يكن من أحد الشرطيين إلا أن لطمه (بيد ما وقف عليها طبيب)
لطمة تركت على وجهه من آثار الأصابع. خطوطاً يكاد ينبثق منها
الدم. وترئح ومال» ولكنه تصبّرَ واستند على نضدء وقال لها:
أيرضيك هذا يا آنسة؟ أتحبين أن أفضح السر؟
وضع حد لهذه المهزلة.
فكرّوا عليه بالضرب واستاقوه إلى «القفص»» فلما ابتعد عن
37/
الفتاة قال لهم: أنا أحذركم؛ إنكم تعتدون علي بغير «موجب
قانوني». إن هذه البنت -برغم ما تظهره من التسامي- عشيقتي:
وأنا أعرف كل بقعة في جسمهاء وآية ذلك أن في أعلى فخذها
علامة كذا. وقد قبضّت مني ليلة أمس» إذ باتت عندي إلى
الصباح» ثلانين ليرة ذهبية. 1
ابتعد الشرطيون فتشاورواء فرأوا أن يدعوا أباها. وكان
تاجرا كبيراً وثرياً من أثرياء الحرب الذين أصابوا فيها غنى فاحشاً
جعلهم ينتقلون نقلة واحدة إلى منازل «الأكابر...»» فتركوا حياة
الفقر ولكنهم تركوا معها العفاف والسترء وقلدوا الأكابر في
مناعمهم ولكنهم قلدوهم أيضاً في رذائلهم. وأكثر ما تعيش
الرذيلة راسبة في القعر أو طافية على الوجهء فلا تراها 7 في
أسفل السلم الاجتماعي أو في أعلاه أما الأو ساط فهم الأخيار
وهم الصالحون.
واستبّقوا الفتاة والشاب في المخفر ريثما يحضر الأب.
ووقفت السيارة الفخمة بالباب ودخل أخو البتت» جاء به
الرسول إذ لم يجد والدهاء فلما أبصر أخته في المخفر وأبصر
معها هذا الشاب المخئث زاغ بصره وحدثه قلبه بالشر» فانتحى
به الشرطي ناحية ونفض إليه خلاصة القصة. فلم يتمالك أن جر
أخته فأدخلها غرفة خالية عند الباب» وواراها وهى متعجبة تبصر
ولا تفهم» وتحسُ منه الغضب ولا تعرف السبب» ومد يده
مسرعاً فرفع ثوبها الرقيق القصير قبل أن تنتبه له أو تدري ما هو
1/8
صانع. ة فلما رأى العلامة أحسّ أن دماغه قد غلى فجأة كما يغلي
الماء فى إبريق الشاي وثار كما يثور المرجل» ثم شعر أنه قد
«#تبخر)(0) من رأسه وأنه انقلب مجنوناً!
ودارت به الأرض وتداخلت المرئيات». ونسي هذا
«التجدد» الذي استحبّه ودعا إليه وارتضاه لأخته وزوجته كما
ارتضاه أبوه. . . ونسي أنهم هم الذين اث شتروا للبنت هذه الثياب
وهم ألبسوها إياها بعد الملاءة السوداء والنقاب الصفيق» وهم
أرسلوها إلى المدرسة «الحديثة» التي أنشأتها الجمعية النسائية؛
وهم تركوها تدرس على الشباب وتجالس الأغراب» ومع بعثوا
بها وحدها تم تقيس. الطرقات وتجاور في السينمات... وأحس
بالجرح في قليه» وانصيّت نقمته على الفتاة وحدها فبصق عليها
ولعنهاء ثم رفع يده فصك هذا الوجه الجميل صكَةٌ طْنَتْ في آذان
الشرطيين فأحسوا حرّها على وجوههم وحزتها في قلوبهم, إذ قد
فهموا منها أن قصة هذا «المخنث» صحيحة وأن الفتاة التى
)١( كذلك يستعمل الناس كلمة «تبخر»» ولم أجدها بهذا المعنى في
«القاموس»» وما بين يدي الآن غيره.
قلت: هذه حاشية جديء إلا أنني وبجدت أن كلمة «البُخار» قد استّعملت
بالمعنى الذي نعرفه اليوم من قديم؛ ففي «اللسان»: «بخار القدر: ما
ارتفع منهاء وكل دخان يسطع من ماء حار فهو بخار» وكذلك من
الندى» وبخار الماء: ما يرتفع منه كالدخان. ونقول: بحرت القدر تبخرٌ
بَخْرأ وبُخاراً». قلت: والفعل «بَخَرَه يُعَدّى بالتضعيف فنقول: «بخره
يمره ومطاوع كَل َل (والمطاوعة -في اصطلاح الصرفين- هي
قبول تأثير الغير)» أي أن «تَبْخْرَه هو مطاوع بخَرَ على القياس (مجاهد).
18
حسبوها -بطهرها وكبرها وسحرها- أمنع من نجم السماء قد
بذلت أعرٌ شىء عليها لهذا... المخلوق!
وأقبل الأخ فأعطى الشاب ثلاثين ليرة ذهبية من غير أن يلقي
عليه نظرة أو يقول له كلمة» ثم استاق أخته وخرج. ولم يبصروا
منها إلا قفاهاء ولكنهم أبصروها مطأطتة الرأس قد ذهبت عنها
تلك الكبرياء وبطل ذلك السحرء أو أن إيمانهم بزلّتها خيّلَ إليهم
ما زعموا أنه رأوه.
ومضت السيارة بالأخت وأخيها.
ج# ا اي
تركها في مقعد السيارة كأنما هي عِدْل ملقى» وقاد السيارة
إلى الضيعة المعتزلة حيث كان أبوه. فأسرع إليه فسارّةٌ وأعلمه
بالأمر. فسرعان ما امّحى طلاء «التمدن» الكاذب عن هذا التاجر
الذي أعطاه الله مالا ولم يعطه عقلاً ولا ديناً شأن أكثر أغنياء
الحرب» وسرعان ما عاد ذلك العربي الذي كان يَدُ البنات
خوف العار» والذي تحوي لغته كلمة لا يمكن أن تترجّم لأنه
ليس في لغات الناس ما يقابلها ويحمل معانيهاء هى كلمة
«العرض». وكذلك يبين إذا جد الجد؛ وكانت النتيجة الضرورية
لهذه المقدمات (التى هى التكشف والانطلاق والاستهتار) أننا
لا نزال كعرب الجاهلية في غيرتنا وأن هذا التجديد تمويه»
وقديماً قال المثل الأوربي: «حكٌ جلد الروسي يظهر لك التتري».
ثم عاد فجاء بالبنت» فلما رأت أباها انفجرت عواطفها التى
١٠.
كبتتها المفاجأة الظالمة التى فاجأها بها أخوها وأجهشت وألقت
بنفسها بين ذراعيه» وقالت: أبي !
وحسبت أنها بلغت الحمى الآمن» وإذا بالأب يدفعها
فتسقطء ثم يركلها بقدمه ويقول: أنا لست أباك أيتها العاهرة»
لعنة الله عليك.
فتجحظ عيناها دهشة:» ثم تثور مرة واحدة وتصرخ: ما
لكم؟ هل جننتم؟ إذا كانوا قد حكوا لكم شيئاً أو وشوا وشاية
فاسألونى وتحققواء فإن...
فيقول الأب: أُوَلكِ عين تحدق ولسان يناقش يا ملعونة؟
قولي: ما هي صلتك به؟. قولي الحق وإلا ذبحتاء كما تذبح
النعحة.
- من هو الذي تعنيه؟ إني لا أفهم؟
فيقول الأخ: لا تفهمين يا فاجرة؟ الكلب الذي دفعت له
ثلاثين ليرة بدلاً عن التي قبضتِها ثمن بكارتك وعرضك وشرفك.
- أنت والله مجنون. أي ثلانين ليرة؟ وما دخل عرضي
وشرفي وأنا لم أكلمه في عمري ولم أعرفه؟ والله» والله إن...
- لا تذكري اسم الله بلسانك الدنس.
ويهجم عليها فيشدّها من شعرها ويخرج بها... إعلاناً
كع يننا تنا
ارتقب الشرطيون أياماً فلم يروا البنت تمرّ بهم» وطفقت
أمها تسأل عنها في المنزل ومعلمها يسأل عنها في المدرسةء
فيقولون للأم: هي في رحلة مدرسية» ويقولون للمعلم: هي في
سفرة عائلية.
وكاد الشرطيون ينسونها وتضيع صورتها في مشاهد الحياة
وهمومهاء وفرغت كأس الحديث عنها فلم يبقّ لهم ما يتساقونه
فعادوا إلى صمتهم وتكاسلهم واستلقائهم على كرسيّهم. .. ولكن
الشرطي «العاشق» الذي رآها تشبه فتاة أحلامه لم ينسّهاء فكان
-كلما انتهى عمله في المخفر- يلقى برته العسكرية ويلبس ثيابه
المدنية» ويتعقّب ذلك «الشاب» يحصى عليه حركاته وسكناته
ليضبطه «متلبساً بجرمه») ويمسكه معهل فلا يراه إلا منفرداً. ..
حتى كاد ييأس منه وينصرف عن ملاحقته لولا هذه المصادفة:
وجده مع فتية من لِدَاته عند حلاق» فدخل فقعد كأنه ينتظر دوره
ليحلق» فسمع منه حديثاً خافتاً ورأى على وجهه ابتسامة ظفر» ثم
أبصره يُخرج لهم من جيبه الذهب ليروه.
فخفق قلبه وعلم أن الحديث عنهاء فتلطف ودنا وأصغى
فسمعه يقول: لا والله لم أكلمها في عمري ول أمسس جلدها
ولا أعرف اسمهاء ولكنها كانت بنتاً جميلة فى السابعة عشرة»
وتلبس هذه الثياب القصيرة التي يهب عليها النسيم فيحركها
فتكشف كل ما تحتهاء فألحقها عن بعد لأمتع البصر بما يبدو من
خفايا حسنها. وكانت يوماً على دَرَجٍ المدرسة» وكنت واقفاً
تحت الدرج بحيث لا تراني» فانحنت لتصلح حذاءها انحناءة
كشفت نصفها الأسفل كله وكانت تلبس «كلسوناً» من الحرير
الشفاف يوضع -من صغره- في علبة كبريت ويصغر عن منديل»
فأبصرت هذه العلامة.
وعاد الشرطي إلى رفاقه بالنبأء فوجدوا شيئاً يعملونه.
أحضروا الشاب ومن كان معه» وحققوا واستنبطوا وهدّدوا فلم
ودعي الأن الذي دفع المال. فلما حضر وسمع الحديث شحب
لونه حتى كأنه قد نرف دمه كله» وانقلب وجهه فصار كوجوه
الموتى» ودنا من الشاب وهو يرتجف كمن مسّته قشعريرة وقال
يكن بينك وبينها شيء؟
قال الشاب قرعاً: لا والله» لا والله. ما كلمتها في عمري
ولا مسستهاء وهذه ليراتك... ش
قال: ليراتي يا ابن الكلب» بعدما ذبحت البنت البريئة؟!
وانقلبت عيناه في أم رأسه وصار مثل الوحش الهائج؛
وتلقّت حوله فوجد قضيب حديد يتخذونه مزلاجاً... فتناوله
ونزل على الشاب ضرباً به على رأسه. وهم جميعاً يحاولون
إمساكه فلا يقدرون عليه» حتى سقط الشاب ميتاً عند قدميه
وسط بركة من الدم» فداس على عنقه وبصق عليه» ثم ارتخت
يداه بالقضيب وقال: أسلّم نفسي؛ أنا ذبحت أختي وقتلت هذا
الكلب!
في جبال الشام
نشرت سنة ١93155
قلنا: قف بنا لحظة يا قطب؛ لقد هلكنا من التعب.
قال القطب: امشوا...
ومدّ «الشين» مَدَةَّ ساخر بناء وأوسع خطاه: فصمتنا وتبعناه
مرغمين.
وعدنا نمشي في هذه البرّية الواسعة» وقد انتصف الليل
وغاب القمر واحتوانا الظلام بسكونه الموحش وسواده المطبق.
وثقل علينا هذا الصمتء فقال القطب: غنوا...
وحاولنا أن نغنى كما كنا نغنى فى أول الليل» ولكن التعب
والوحشة والتعس» كل أولتكك كان يحبس أصواتنا ويمسك
ألسنتناء فخرج الصوت ضعفاً متقطعاً ثم هبط حتى اختفى»
ورجعنا إلى الصمت.
وتجسّمّت وحشتناء حتى كانت الجبال البعيدة تظهر لنا
-في ظلام الليل- كأنها أشباح الرعب» والأشجار أمثال
العفاريت الشواخص» والسواقى التى كنا نمرٌ عليها كان ماؤها
يبدو لنا أسودَ يملا خريرةٌ القلوب رهبة... وكذلك أحال
الظلام كل ما هو جميل في الوجود بشعاً مرعباً.
ولاح لنا من بعيد ضوء يتراقص على حاشية الأفق» فقال
القطب: هذه هى «التكيّة».
فِسُرّي عنا وتجددت قواناء وعلمنا أنا قد بلغنا آخر المرحلة
ودنا المنرل.
وكان ذلك في سنة 2١375 وكانت إحدى رحلاتنا مع
«القطب».
وكنا نقوم بهذه الرحلات قبل أن يعرف فينا نظام الكشفية
وقبل أن يدخل بلدنا؛ نقطع فيها ما لا تقطعه كشافةٌ على وجه
الأرض» نسير خمسين كيلة0» في اليوم نصعد في الجبال أو
نتسلق الصخرء نخوض ظلام الليل وحرٌ الهاجرة» نحمل أثقالنا
على ظهورناء نتعرض للوحوش واللصوص والمخاطرء حتى لم
تبقَّ بقعة حول دمشق قريبة أو بعيدة إلا بلغناهاء ولا قرية إلا
دخلناهاء ولا عين إلا وردناها. وكان قائدنا «القطب». وليس
«القطب» اسمه. ولكنه لقب لقّبناه به أخذاً من الخرافة الصوفية
المشهورة29) واسمه الشيخ محسين 0ع وهو خطاط وإمام مسحد
)١( الكيل على وزن الميل: معرب «كيلومتر».
(؟) وأشهر من تكلم فيها ونشرها الشعراني» وهي عقيدة ينكرها الإسلام
ويأباهاء كعقيدة وحدة الوجود وأمثالها مما لا يجتمع مع التوحيد في
قلب واحد.
(9) هو الشيخ حسين البغجاتي رحمه الله.
1١ك
ومعلم صبيان متقشف زاهد يُقبل من الدنيا كل ما جاءته به
فيأكل راضياً ما يجد» ويلبس ما يلقى؛ ويعرف ربع أهل دمشق
ويعرفه نصفهم. ومن مزاياه أنه أقدر الناس على السير» حتى إنه
ليستطيع أن يقطع عمره كله بالمشي.
... وكان قد خرج بنا فجرّ هذا اليوم من دمشق إلى الرّبوة
فَدْمَّرء فالهامة» فالجُدَيدَة قَبَسّيمة» فالفيجة؛ أسماء رياض من
عرفها من القراء علم أن الله لم يخلق في الأرض أجمل منهاء
ومن لم يعرفها فليحفظها في ذاكرته فلعل الله يكتب له السعادة
يوماً بزيارة دمشق فيسأل عنها حتى يراها.
فلما بلغنا الفيجة (وهي على عشرين كيلاً من دمشقء وفيها
العين العظيمة التي تسقي دمشق ماء عذباً صقّاه الله ونقّاه فلم
تُصِفِّه آله ولا مصفاة) أقمنا فيها إلى المساءء فلما أذّن المغرب
صليناه وسرنا على اسم الله» فمررنا على دَيْر قانون وسوق وادي
بردى وتلك القرى» نسلك قرارة الوادي العميق تارة ونركب
الجبل تارة أخرى. وكنا أقوياء فى أول الطريق» نسير بجد
ونشاط وكات القمر الوليد يضرئ لا الطريق ذلما مضت ثلاث
ساعات من الليل غاب القمر وعم الظلام» ونال منا التعب» فما
قاربنا التكية حتى كدنا نسقط إعياء.
وشدّ قرب التكيّة أعصابناء فغنينا أغنية وطنية معروفة» فلم
نسمع إلا صوت الرشاش (المتراليوز). فقال القطب: خاف منا
الكلاب» غتوا يا أولاد.
وكانت الثورة السورية قائمة» وهؤلاء (الكلاب...) إنما
١
هم الفرنسيون» ولهم مركز قوي في التكية لحماية معامل شركة
الكهرباء والترام. وكانوا يقتلون -في تلك الأيام- البريء وهو
في داره» فكيف بمن يقدُمُ عليهم وسط الليل منشداً الأناشيد
الوطنية؟
واستمرّ صوت الرشاشات ونحن مستمرون في إنشادنا
وسيرنا فرحين بهذه التسلية الجديدة التى أنقذتنا من مّلال الطريق.
وأشهد أن الفرنسيين مجانين» ولكنهم عقلوا هذه المرة لأنهم
وجدوا من هو أكثر جنوناً منهم» وهو نحن... فوقفوا الضرب
وأقبل علينا واحد منهمء فأنار مصباحه ونظر إلينا.
وكان. ركبّنا مؤلفاً من القطب» والشيخ شريف (وهو مدير
مدرسة أهلية) وسلطان الشاي الأخضر فى دمشق» ومؤلف
أناشيد» وهو أسرع الناس غضباً وأسرعهم رضاء يشتعل كالبتزين
وينطفئ كالبرق)20©» والشيخ طه (وهو معلم ولكنه كان ضابطاً
في الجيش قبل أن يكون معلماً)» وأناء وسبعة من تلاميذ الشيخ
لقد كنا ك«ركب النميري»!
فلما رآنا ورأى هذه الهيئات العجيبة وهذه الأحمال التى
كنا نحملها (والتي يعجز عن حملها ثلاثة بغال) رأى قوماً
ليسوا من الثوار ولا من أهل القتال» فماذا يكون هؤلاء» وماذا
)١( ذكره جدي فى «ذكرياته» المنشورة مراراء وله أخبار طريفة عجيبة»
انظر بعضاً منها في الجزء الثالث من الذكريات: 770-571 (مجاهد).
١٠١4
يدفعهم إلى السير في هذه البرية نصف الليل؟
وكنا نكرر كلمة «بروموناد» (أي: ترهة) فلم يشكُ الرجل أننا
مجانين» وأدخلنا المخفر وجاء بترجمان فكلمناء فلما عرف
قال القطب: إلى أين نسير؟ إننا نريد أن ننام هنا.
قال الضابط: هذه منطقة عسكرية؛ ممنوع.
قال: إذن أعطونا طعاماًء وقطرة لعينى فإن بها رمد وعلبة
فأعطوه ما يريد. فلما خرجنا قال القطب: أرأيتم كيف
غزوناهم وأخذنا طعامهم؟ 5-5 لو كان معنا سلاح لذبحنا
الكلاب... والآنء لم يبق إلا أن نمشي إلى لودا.
ساعتين وبيننا وبين ن الججيل م مسيرهة هم ساعةق والاعياء والتعس بالغان
ولما بلغنا بلودان كان السحر قد اقترب. ولم يكن يحسن
أن نقرع باب أحد من الفلاحين في تلك الساعةء فقصدنا
المسحد. وجرّب القطب مفاتيحه في الباب فانفتح لناء فاستلقينا
)١( بلودان على خمسين كيلاً من دمشقء وهي مصِيفها وفيها كانت
اجتماعات الجامعة العربية.
من التعب على الأرض» ووضع كل رجليه تلقاء رجلي الآخر
والتففنا يبسط الجامع ونمنا.
ولما جاء المؤذن لأذان الفجر فتح الباب ودخل يتعوّذ
وأوقد عود كبريت ونظر فرأى ما هاله وما قف له شعره؛ رأى
جناً نائمين كل جني طوله خمسة أمتار وله رأسان» رأس من هنا
ورأس من هناك! ووقف المسكين مكانه وقد ألصقه الرعب به
فما يملك أن يريم.
وجاء بعد قليل رجل آخر فقال له: ما لك لا تؤدّن يا أبا
عبده؟
وأشار إلينا وعقد الخوف لسانهء فنظر الآخر فشده.
ونهضنا كما ينهض الجمل نَشط من عقال» وقد وجدنا
لهذه النومة القصيرة على الحصير القاسى بعد التعب الشديد ما
لا نجده لنوم ليلة كاملة فى اليلد على السرير. ووقفنا للصلاة»
وكان قد اجتمع فيها أهل البلد كلهم لا يتخلف عن الصلاة أحد.
وما أهل البلد؟ إنهم -بشيوخهم وكهولهم وشيّانهم- لا يَعْدون
الأربعين. فلما سلمنا أخذوا يتسابقون إلى دعوتناء فقال القطب:
القاعدة.
وكانت القاعدة أنه لا يستضيف أحداً ولا يدخل داراً ولا
١٠
رول م ا م 2 02 .
يرزا أحدا شيئل وإنما يقصد المنازه والعيون. وكانوا يعرفون
هذه القاعدة فت ركوه» فذهب بنا إلى عي عين أبي زاد.
ومررنا على القرية فإذا هى قرية صغيرة خاملة فقيرة» أهلوها
على الفطرة النقيّة؛ لا يعرفون الحسد ولا الغش ولا السرقة» ولم
يسمعوا بالقمار ولا بالخمر(©» وليس فيهم من يقرب الزنا أو
يفكر فيه. والقرية تطل على منظر من أعجب مناظر الدنيا» فهي
على رأس جبل تقوم في أسفله الزبّداني» وهي القصبة وفيها دار
الحكومة والقائمقام والقاضي وقائد الدرك2 وأمامها سهل
الربداني كله إلى منبع بردى») وعن يمينها وادي سرغاياء وعن
شمالها عي ومضاياء ومن أمامها مدخل وادي بردى. وفيها
المياه العذبة والعيون الصافية وفيها العنب والتين والتفاح الذي
لعلوّها وضيق الطريق وصعوبته وقلّة الدواب. وكان وجة القرية
الشيخ سليمان الرنكوسي» وهو رجل ذو مزايا ومناقب؛ فمن
مناقبه أنه إمام المسحد» وخطيب الجمعة» ومعلم الأولاد» وكاتب
الرسائل والعرائض» وبائع القماش» ومصلح بوابير الكازء ومقسّم
المواريث» ومسجّل عقود البيع» وقاضي البلد... فكأن أهل
القرية أسرة واحدة : تقيّة فاضلة والشيخ سليمان هو كيبيرها. .
وبلغنا العين ونصبنا الخيمة التى كنا نحمل أجزاءها مفككة»
وأوقدنا النار ونصبنا القذرء وفتحنا الحقائب فأخرجنا اللحم
والخْضّرء فطبخنا وأكلنا وشربنا الشاي الأخضرء ثم جلسنا أمام
.١9576© لا تنس أن الكلام عن بلودان سنة )١(
١1١
العين جلسة لو تعبنا أضعاف ذلك التعب لكانت مستحقة له
تفاحات» وهذا يهدي ليه قبضة من النين اليبس أو الزييب» وهذا
ملبنة» أو مُضامة ا على السك » أو لوح صابون.. .. ورأيت من يأنيه
بشيء يأخذ عوّضه ثم يقعد لا يذهبء فلما تكامل عددهم أخرج
الشيخ كتابا من سشرجه» وجعل يقرأ عليهم ويظهم فتسيل دموعهم
ومرت السنون على هذه الرحلة حتى نيّفت على العشرين»
وقطعتني الحياة وهمومها وأسفاري وعملي في غير ديار الشام
عن هذه الرحلات» وباعدت ما بيني وبين بلودان فلم أرّها بعد
تلك الرورة. حتى إذا كان هذا الربيع المنصرم لقيت القطب»
فقال لي: أتذكر تلك الرحلة؟
قلت: نعم» أذكرها ولا أنساها.
قال: هل لك في مثلها؟
0
قال: إمشى ..
١1١ ؟
ومدّ «الشين» أذ كرني ليلة التكيّة فشاقتني الذكرى فقبلت
ما عرض علي.
ولبسنا مثل ثيابنا تلك» وجمعنا من بقي من أصحابنا ومشينا.
فإذا الطرق التى كانت كأنها -من جمالها- معابر الفردوس
ومسالك الجنان؛ والتي كنا نسير فيها فلا نلقى إلا فلاحين
يكرموننا» صارت شوارع واسعة لا تنقطع السيارات فيها ساعة,
وكلما مرت بنا سيارة أبطأت في سيرها ونظر من فيها إلينا كما
ينظرون إلى «عجائب المخلوقات»: ثم ولت عنا ونحن نسمع
منها ضحكات النساء الخليعات علينا وضحكات شباب هم مثل
النساءء وقذقّت فى وجوهنا غبارها ودخانهاء وما ذنبنا إلا أننا
نمشي على أقدامنا في حر الشمس.
ووجدنا الأماكن التي كنا نستريح فيها والتي كانت -من
طهرها- كأنها معابد الجمال في الأرض» صارت قهوات
وخمّارات ما فيها لأمثالنا مكان. فكنا نبيت على الصخر وعلى
ظهور الجبال» حتى بلغنا بلودان» فمسحنا أعيننا وحسبنا أننا فى
حلم... أهذه بلودان؟! هذه المدينة العامرة ذات الشوارع
والقصور؟ أهؤلاء الشباب الذين يمشون متبخترين بأكمامهم
القصيرة وشعرهم المرجّل المدمّن المعطر ووجوههم المصقولة:
أهؤلاء هم رجال بلودان؟ وهؤلاء النساء الكاسيات العاريات»
المائلات المميلات» أهن نساء بلودان؟!
وصارت ثيابنا وهيئتنا شهرة0) لناء وصرنا ضحكة القوم)
)١( الشهرة (بالضم): ظهور الشيء في شنعة.
١١17
ولم نجد مكاناً نحط فيه فسألنا فدلونا على الفندق.
وجتنا الفندق الذي شادته الحكومة بأموال هذه الأمة
المسلمة لننزل فيه بالأجرة (لا صدّقة ولا إحساناً). وكان الفندق
الضخم كأنه شعلة واحدة من النورء وكان فيه -تلك الليلة- فرقة
راقصة بولونية (ولعلها يهودية!) وقد متحت قاعات القمار لكل
راغب وصفت كؤوس الخمر لكل شارب وازينت الغانيات لكل
طالب» وانتشر اللصوص والنشالون وهم في ثمين الحلل وغالي
الثياب» وعيث الكبراء ١ فى السهرة عبيث الصبيان» وعكف
المعلمون على موائد القمار, وأسلم كل زوجته لمن يراقصها
ليضمٌ بين ذراعيه زوجة آخرء وتربّعَ إبليس على المسرح يضحك
فَرحاً...
ولما جثنا ندخل الفندق بثيابنا الوطنية» ثياب الأمة التي بني
كأنما أضعنا شيئاً نفيساً... وهل شىء أنفس مما أضعنا؟
لقد أضعنا كثيراً حين أضعنا تللك القرية الحقيرة. لقد كانت
جاهلة ولكنها فاضلة» وكانت فقيرة ولكنها شريفة» وكانت
بعيدة عن الحضارة ولكنها كانت بعيدة أيضاً عن رذائلها.
وأحسست بدمعة سقطت على خديء فأخذت بيد «القطب»
وصعَّدْنا فى الجبل» نريد أن نهرب من هذه الدنيا التى ليست
دنيانا. لقد كانت لنا -من عشرين سنة- دئياء وكان لنا فيها
أصدقاء» فماتت وماتوا.
صلاة الفجر
نشرت سنة ١933725
... أفاق في الساعة التي ألف» فضرب ببصره إلى الجدار
حيث الساعة الكبيرة ليرى كم بقي من الليل» فلم يجد على
الجدار ساعة وإنما وجد صورة لامرأة عارية» تبدو له -على ضوء
المصباح الكليل- كابية مظلمة عليها من الوحشة والقبح ستار.
فعاف النظر إليها وأجال عينيه فى أرجاء الغرفة» فإذا هو منكر لها
لا يعرفها ولا عهد له بهاء وإذا هو يرى إلى جانبه على السرير
امرأة متكشفة مفتوحة الفم تغط غطيطاً منكراً» وقد سالت الأصبغة
على وجهها واختلطت. فتعوّدٌ بالله من هذا الحلم وألقى برأسه
على الوسادة يفكر تفكيراً مبهماً مختلطاًء فما لبث أن عاد إلى
المنام فرأى نفسه ملكا من ملوك الأساطير» مضطجعاً على سريره
المرصّع بالذهب» المحلى بالياقوت والمرجان» والوصائف
قائمات على رأسه عاريات السوق باديات النحور والصدورء
يتثرن عليه الورود ويضمّخن مفرقه بالمسك والعنبر» وأمامه
المغنون والمغنيات» وإلى جانبه فتاة جمع الله فيها ما تفرق من
سمات الجمال. فلم يتمالك أن أهوى عليها بقبلة.
فأحسْ بها تدفعه عنهاء فنظر فإذا هو مستيقن أن ما يراه
حقيقة ثابتة وأن حلمه الجميل قد احتواه هذا الواة قع القبيح. وذكر
١١
ما كان بينه وبين هذه البغى التى قدّمت إليه فراشها وأحاطته
بذراعيهاء فأحسّ بالاشمئزاز» وذلٌ فى عين نفسه وتضاءل: ماذا
فعلت بنفسي؟ أهذه هي مبادئي وأخلاقي؟ وبعد» فماذا أصنع
الآن؟
وهم بإيقاظ إيمانه واللجوء إلى ربه» ولكنه لم يستطع» فقد
ألقت المعصية حجاباً على قلبه ورانت الخطيئة عليه» فأحسّ
بالألم يقطع في فؤاده. فقام إلى ثيابه يرتديها على عجل ليخرج من
هذه الدار القذرة التي أضاع فيها عفافه وخسر طمأنينة نفسه.
وفكر في الناس: ألا يرونه؟ ثم رأى أن لا بد له من الخروج
من هذه الدار التي يحس أنه فيها كمن ألقي في بركة قذرة
ليموت فيها غرقاً. وألقى على المرأة نظرة أودعها كل ما في
نفسه من كراهية واحتقار وبصق مشمئراً وخرج هارباً.
ولكن كيف له بالهرب من نفسه والفرار من ضميره الذي
يذيقه من التقريع والازدراء ما ليس لمخلوق بحمل مثله طاقة؟
وكان شارع الرشيد خالياً مقفراً إلا من أعقاب السابلة من كل
باك ئس أو داعرء لأنه لا يبقى يقظا في مثل هذه الساعة إلا البوس
والرذيلة. وكانت ليلة مجنونة ذات رياح تعوي في هذا الليل مثل
عواء الذئاب الجائعة يخالطه أصوات آلاف من البُوم تنعب معاً
فتملً أصواتها الفؤاد السليم ذعرأء فكيف بمثل فؤاد رجب أفندي
المروع الكليم”"©؟ وكانت الأمطار تسكن لحظة ثم تعود فتهطل»
تنصبُ انصباباً كأنما تريد إفراغ السحاب في دقيقة واحدةء
فلك الكليم: المّكلوم وهو المجروح؛ من «الكلم»: الجرح (مجاهد).
١1١75
والبروق تسطع خلال ذلك تخطف الأبصارء والرعد يدوي
وضرب رجب أفندي بيده إلى جيبه فألفاه فارغاء وذكر أنه
دفع مرتبه كله الذي قبضه أمس لهذه البغي... فعظم عليه الأمرء
وبلغ من سخطه على نفسه أن ود لو عض يده بأسنانه أو قطع
شعره بيده. واستفظع ما أتى وفكر في أهله الذين لم يغب عنهم
من قبل ولم بت ليلة إلا معهم. فكر في أمه التي يعلم أنها لا
يغمض لها جفن ما دام نائياً عن الدار» وأبيه الشيخ المسكين
الذي لا يفكر إلا فيه ولا يعنى إلا بسعادته. ماذا يقول لهم؟ ومن
ليشتروا به الخبز... أيقول لهم إنه وضعه كله في يد مومس ثمناً
لليلة إثم وعار؟
لا؛ الموت أهون من ذلك! وفكر فى الموت فعلاً: "ماذا
على إذا ألقيت بنفسي في دجلة فسترت فيها [ثمي؟". ولكن هذا
الخاطر امّحى من رأسه على عجلء لأن رجب أفندي كان متدينا
يعلم أن المسلم لا يعمد أبداً إلى هذا الانهزام الشائن من غمرة
الحياة» وباب العفو مفتوح أبدا والتوبة تغسل النفوس مهما
تراكمت عليها أوضار الآثام. وهم بأن يستغفر الله ويدعوه؛
ولكن الحياء من الله عقد لسانه أن يتوجّه إليه ويسأله وهو غارق
فى حمأة الرذيلة إلى أذنيه. ونسى أن الدعاء يكون أدنى إلى
القبول كلما كان العبد أقرب إلى الاضطرار» وأن الندم على ما
مضى والعزمّ على الإقلاع عن الذنب فيما يأتي (مع تركه
١١7
والانصراف عنه) دواء يشفى أكبر المذنبين من أشد الذنوب.
والله كريم غمّارء لو جاءه العبد بقراب الأرض خطايا وجاء معها
بالتوبة الصادقة بشروطها الثلاثة لجاءه الله بقرابها مغفرة» والله
غفور رحيم.
وكان رجب أفندي فى الخامسة والعشرين» فى السن التى
تركب المرءً فيها شياطينُ الشهوة وتزين له السبل إليهاء فلا ينفعه
-إذا خطا الخطوة الأولى- عقل ولا تفكير ولا يقف إلا فى آخر
الطريق؛ كالصخرة على شفير الوادي تكون ثابتة مستقرة ما بقيت
مكانهاء فإذا زحزحتها وقلبتها قلبة واحدة هبطت إلى أعماق
الوادي.
وكان رجب أفندي قد نشأ متديناً» وكان شيخاً بعمامة
وجبّة يطلب العلم على المشايخ لم يدخل مدرسة نظامية ولم
يختلط بشباب العصرء فكانت العمامة عصمة له من البلاء» سداً
يحول بينه وبين «الأوتيلات»27 والمراقص والحانات. وكانت
نفسه كهذه العِمّة التي على رأسه صفاءً وطهراً وبياضاًء ولكنه
اضطر منذ أعوام إلى العمل في ديوان من دواوين الحكومة فترع
العمة مكرهاً وودعها آسفاًء ودخل اللجّة وهو جاهل بالسباحة»
ليس له بطبيعة الماء خبرة ولا بمسيرة الموج علم؛ فحملته موجة
)١( كلمة «الأوتيلات» في العراق مرادفة لكلمة المواخيرء لأنها لم تكن إلا
كذلك حتى أنشئت الفنادق الحديثة المعروفة.
١1١48
ولو أنه عرف طرق الشرّ لما سلكهاء ولو كان متزوجاً لما
هوى, ولو أحسن اختيار أصحابه لما انساق هذا المساق» ولكنه
كان جاهلاً بما وراء الدار والمدرسة والسوق» يستوي عنده
-في عالم الرذيلة- جلوس في قهوة أو شهود رواية في سينماء
ومعاقرة الخمرة فى الحانة ومجالسة البغى فى الماخور. وكان
عرب ونفس العزرب -مهما اتقى وصلح- كصندوق الديناميت؛
لا يؤمّن انفجاره إذا داناه لهب أو مسّته نار» ونفس العزب يلهبها
كل ما فى السوق من متبرّجات سافرات» وما على الشاطئ من
عارين وعاريات» وما في السينما والقصص من أخبار الداعرين
والداعرات... فأيان تأمن انفجار الديناميت؟
ثم جاءت طامة الطامات فالتفٌ حول رجب أفندي نفر من
زملائه تطرّعوا لإغوائه احتساباً لوجه إبليس» فوجدوه عنيفاً ورأوه
قد ثار الثورة الكبرى لمّا أرادوه على دخول القهوة» فعلموا أنه
قد صَّفّ قوى نفسه كلها في هذه المعركة الصغيرة» لم ييق لما
وراءها شيكء وأيقنوا أنهم إذا غلبوه هذه المرّة غَدَا منقاداً لهم
طيّعاً. فما زالوا به يراوغونه ويحتالون عليه ويسألون من يثق بهم
على مسمع منه: "هل في دخول القهوة ما يمس الدين أو العرض؟
أفتونا يا مسلمون". فيقولون: "لا؛ وإنما هى مضيعة للوقت»
مفسدة للصحة. وإنها عادة مؤذية ولكنها لا تنافى الدين ولا تُعَدُ
فى المكقّرات". ْ
وما زالوا به حتى دخل القهوة» فجلس مستحيياً يتصبّب منه
العرق ويظن أن كل ما في الأرض عيون تنظر إليه. ثم لم يطق
البقاء فخرج» ولكن رجله علقت في الفخ... واعتاد القهوات
١18
وسار إلى السينمات» فاعتقد أنه هوى وزل مُذْ دخل القهوة:
وأن السدّ بينه وبين الرذائل كلها قد انهار فلم يقف في طريقه
شيء. وعرف ذلك أصحابه من عَبّاد إبليس المخلصين» فأتمّوا
لعبتهم على ذقنه ليستكملوا سرورهم بكمال هذه الرواية» فأخذوه
إلى دار من تلك الدور التى تسمى «أوتيلات» أو «بانسيونات»,
ولكن جدرانها تنضم على ماخور من شر المواخير ومعبد من
معابد إبليس. وأغروا به الفتاة» وأوهموه أنها تحبه وتموت عشقا
له! وكان المسكين قد قرأ دواوين الشعر الغزل وروايات الحب
العذري كلهاء فظن أنه قد غدا قيساً حديداً أو روميو آخر.
تين ند تنا
وكان رجب أفندي يعرض في نفسه في هذه القصة وهو
يمشي متسللاً في ظلال الجدران في هذه الليلة العاصفة الماطرة...
ويذكر كيف عاد إليها -بعد ذلك- فسمع حديث شقائهاء
وبكى لبكائها كما كان يفعل المحبّون الذي قرأ أخبارهم في
الأشعار والروايات» وصبٌ بين يديها ما كان في جيبه من مال..
وكيف ندم وتتبّه إيمانه في نفسه قعزم على ألا يراها من بعد
فأبطل رفاقه عزيمته وأفهموه أن الشاب العصري لا يليق به أن
يفعل ذلكء فعاد مرة ثالثة ورابعة» وهي -دائماً- في أثواب
الممثلة العاشقة الغريرة» تهيج نفسه وتطمعه ولكنها لا تطعمهء
وتُعرض عنه ولكنها لا تيس فهو يتبعها أبداً راغباً فيها ولكنه لا
يصل إلى شيء.
واستيقظ إيمانه كرة أخرى فأزمع أن يتركها أبداً» وذهب
١7
إلى مكتبه بعزيمة جديدة وراحة بال» وأدّى عمله بنشاط ظاهر.
ومرت على ذلك أيام حسب فيها أن كل شيء قد انتهى وأن هذه
السحابة قد انقشعت من سماء حياته» ولكن البريد حمل إليه
1 كتاباً منهاء فقرأه وغضب ومرزّقه باضطراب عصبي ظاهر. وخرج
يمشى إلى داره» فأحس أن نفسه تنازعه الذهاب إليهاء فأعرض
ومضى قدماً فاشتدّت رغبته في زيارتهاء فرعم لنفسه أنه ذامب
لتأنيبها وإعلان القطيعة بينه وبينها... ودخل عليها مقطباً ورد على
تحيتها بإاعراض» فسألته: ما لك أيها الحبيب؟
فقال: لا شىء. لست حبيب أحد.
وشعر بالارتياح» وسرّه أنه استطاع أن يخاطبها بمثل هذه
اللهجة» وتوقع أن تجيبه بجفاء فيغضب ويصارحها بالقطيعة.
ولكنها ظلت صامتة» وظل هو مطرقاً ينظر جواب ما قال... فطال
عليه الأمر فرفع بصره ليرى ما تصنع» فالتقت نظراتهما وخيّل إليه
أنه رأى في عينيها معنى الألم والعتب والإخلاص يلوح له من
خلال جفونها الناعسة وأهدابها الطويلة» فتضعضع ولانَّ وخفق
قلبه بشدّة وأحس بالرغبة الملحّة في الاقتراب منها وعناقهاء
ونهض ليدنو منها ولكنه لم يجرؤ على ذلك فلبث قائما.
قالت: ما لك؟ فلم يجب» فمدّت يدها إليه لتجلسه؛ فلما
أحس بأصابعها بين أصابعه اهتر جسمه كله وانتفض على نحو ما
يصف الشعراء والقصصيون. وجلس إلى جانبها وألقى يده على
كتفها كأنما كان ذلك عفواًء فشعر بلذة وسرّه ما كان من
جرأته» ففكر في أن يلف يده حول عنقها ولكنه خشي أن
١71١
تغضب... وأن ترى في ذلك تعدياً على عفافها. وذكر أن
ماجدولين غضبت لما قبّلها ستيفن لأن هذه القبلة قد أفسدت
«الهوى العذري...» الذي كان بينهما! ثم اشتدّت رغبته في
تطويقها بذراعه. فتردد حيناً ثم لف ذراعه حول عنقها وأتم ما
كان يفكر فيه فأسند رأسه إلى كتفها كما شاهد الممثلين في
السينما يفعلون» فلم يبد عليها شيء من الغضب فأوغل في
الجرأة» فأخذ يدها بيده الأخرى ورفعها إلى فمه فمسّ أناملها
بشفتيه ونظر: ماذا تفعل؟ فإذا هى قد ألقت رأسها فوق رأسه
حتى لامست خصلات شعرها وجهه. فالتهبت. النار فى أعصابه
وهم بهاء فوثبت كالقطة وجعلت تشكو إليه ما عليها من الدّين»
فدفع إليها كل ما في جيبه... فلما احتوت المال تخلصت منه فلم
يدر كيف خرج إلى الشارع.
وذكر كيف أزمع الاتصال بها مرة واحدة أو الإعراض
عنها مرة واحدة واطراحها ونسيانها. وأنى له ذلك وهي لا تدع
إلى إغرائه طريقاً إلا سلكته؟ إنه يراها كالأفعى المبرقشة ويتصورها
أحياناً حشرة قذرة؛ ولكنه يود -مع ذلك- لو قبض عليها فصهرها
إليه وعصرها وأكلها أكلاً.
وذكر كيف كان الندم يغمر نفسه فيأوي إلى غرفته يشتغل
بالمطالعة» ويقبل على كتب الرقائق ويخرج إلى المقابر
والمستشفيات يتعظ برؤية المرضى والتفكير في الأموات» حتى
إذا أحس البُرْمَ قليلاً جاء رفاق السوء بالمرض العضال. وذكر
كيف كان ينفق في كأس من الويسكي أو الشمبانيا ما يكفي
أسرته أسبوعاً كاملاً؛ كل ذلك من أجل هذه الفتاة التي اتصل بها
١7
أخيراً» فتكشفت له عن حشرة حقيقية يبصق عند رؤيتها اشمئزازاً.
ذم تنا
وكان يفكر وهو يسير مسرعاًء يريد أن يفر من الناس حتى
لا يراه أحدء فلم يع على نفسه إلا وهو في ضاحية الأعظمية. قال
لى وهو يحدّثنى حديثه: فلما بلغتها سمعت المؤذن يمجّد الله
ويذكره ذكر السحر. ورأيت جارنا أبا صالح يمشي إلى المسحجد
وهو يقول: «لا إله إلا الله»: يقتلعها من قرارة قلبه» فتواريت منه
كيلا يرانى» وجعلت أذكر أيام كنت لا أعرف هذا السهر الذي
جر علي كل بلا فكنت أنام عقب العشاء ثم أفيق في السحر
فأرافق أبا صالح إلى المسجدء فرأيت بيني وبينه أمداً بعيداً.
وتمثلت لي خطاياي وآثامي كلهاء لأن صوت المؤذن وجلال
السحر قد نبّها فى نفسى الذخيرة الدينية فأدركت قيمة الاستقامة
ولذة العفاف» وعلمت أن هذه السعادة التى يحسّ بها المؤمن
لا تعدلها لذائذ الجسم ومتع الحب ولا توازيها. وأدركت أن
الصلة بالمرأة سراب خادع تراه من بعيد وتسمع وصف زلاله
الصافي ومائه التمير فيبهجك الشوق إليه» ولكنك إذا جئته لم
تجده شيقاً. .. جرب هذه الصلة مرة تح بهوانها وسخفها. لاء
لا تحرّيها! فإِنّ من جرّب المجرّب حلت به الندامة» ولا تغامر
بدينك وشرفك لتعلم هذه الحقيقة بل بْقَ بما أقول لكء ولا ثُثِرْ
هذه النار في نفسك فإنك لا تستطيع أن تطفئها. إنه لا يطفئها إلا
أن تستمتع بكل جميل في الكونء وهيهات! إنك إذا استطعته لا
تقوم صحتك به ولا تدوم لك وأنت تنفق منها بلا وعي ولا
حساب.
١7 *
لما أحسست بذلك أسرعت إلى الحمام قتطهرت وخرجت
أؤم المسجد تائباً. وأحلف لك أني لم أجاوز بابه حتى وجدت
مثل ارتياح الغريق إذا خرج إلى الهواء أو المختنق إذا تح له
مجرى النقّس» وشعرت أني أسمو وأرتفع» وأن هذه الأغلال
التي كانت تقد روحي قد تحطمت واتنكسرت» وأن 7
الخطايا قد قد نرل عن كتفي. ولما وقفت في الصف وقلت: «الله
أكبر» خرجت من «نياي. وقرأ الإمام: كل يا عباديّ الذين
أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللىء إن الله يَعْفَرُ
الذنوب جميعاً)» فجاء ذلك برداً على كبدي وسلاماء قصحَحْتُ
التوبة, ورأيت أن أصل البلاء من رفاق السوء فهجرتهم جميعاً
وقطعت حبل ودّهم» وتركت سهر الليل» فأعاد الله إليّ ما كان
سَليّنيه من الأنس وسعادة الروح بالتوجه إليه ومراقبته... وله
الحمد على ذلك.
الآن عرفت جمال الدنياء لا كما يقول أصحابك الأدباء من
أن المرء لا يعرف جمال الدنيا إلا بالحب وأن المحب لا يرى
الدنيا جميلة إلا إذا أضاءتها عينا من يحب فإذا غابتا غاب جمالها.
أي كون هذا الذي تحتويه عينا امرأة قد تكون بغيًا؟!
إننا نحتاج إلى مبشرين بالفضيلة ممن عرف الرذيلة وخبرّهاء
أما مّن دعا إلى الفضيلة لأنه لم يقدر عليها فهو شر من الشيطان
(لأنه إن قَدِرَ عليها انقلب داعراً خبيثاً فأضلٌ معه من كان اهتدى
بهديه» والشيطان يدعو إلى الرذيلة علناً فلا يضل به إلا من أراه
الضلالة)» وليست فضيلة العاجز إلا انتقاماً لنفسه من القادرين.
ولقد ترددت بين الحياتين: حياة يلذها الشياب ويأنسون بهاء
١75
وهي حياة الانطلاق من كل قيد والسعي وراء اللذة والاستجابة
إلى داعي الهوى؛ وحياة لا تُعجب أكثرَ الشباب لأن لها غاية
سامية ووراءها حياة آخرة وفوقها إلها قادراً» يعلم صاحبها أنه إن
فاته حظه من لذة عاجلة فانية ناله من اللذة الآجلة الباقية» فتأدّبت
بأدب القرآن» فكنت أغض البصر وأنرّه اللسان عن الفحش
وأبتعد عن المغريات» فنلت -والحمد الله- السعادة كلها.
قلت: أتأذن لي بنشر حديثنك؟
قال: نعم؛ ولهذا حدثتك به ولكن دع الأسماء لا تصرح
بها.
قصة بردى
من الأدب الرمزي
نشرت سنة ١914٠
تفتحت أبواب السماء بغيث منهمر استمرٌ ليلة من «تلك»
الليالي طولها عشرة آلاف سنة» فأغرق البحر وابتلع البرّه ومذ
أصابعه من خلال التراب وأدخلها من شقوق الأرض حتى بلغ
بَرَدى وهو «جنين» في بطن أمه الأرض» تطيف به أحشاء لينة من
جَلمّد الصخر تحنو عليه وتغذيه, فغمره بالماء حتى ضاق به مكانه
وامتد البلل إلى عظامه فخرج...
وكانت الشمس قد طلعت على الأرض بعد «تلك» الليلة
تمنحها الدفء وتغمرها بالنور» و«تحدّد» فيها مملكة البر والبحر
بعد أن كانت بحرا كلهاء فوقف «الوليد» ينظر مشدوهاً فيرى
سهلاً أفيح جميلاً تحيط به جبال يَتَهْنَ شباباً ويَمِسْنَ جمالاًء
ولكنه عار أجرد» فآلمه عريه وتجرّده» وود لو سعى في أرجائه
يزرع فيه الحياة ويضع في تلك السفوح «بذور» المدن والقرى.
ولكنه كان ضعيفاً فلم يستطع أن «ايمشي») وتصرّم النهار وهو
جاثم مكانه؛ لا هو قادر على الرجوع إلى بطن أمه ولا هو قادر
على السيرء وأوحشه سكون الليل وظلامه» ولم يعطف عليه
الجبل ولا سامره السهلء» فلبث وحيداً حتى جاءت فتاة من بنات
١7
«الدّلب» كانت قد سمعت به فأحيّت أن تراه» فلما أبصرته عشقته
وحَنت عليه وأضجعته على ركبتيها تهمس فى أذنيه أحاديث
المدن البعيدة الحلوة والأودية المسحورة... حتى نام.
كن يننا تنا
ومرت أيام نما فيها الوليد فغدا صبيًاً «يمشى» فى السهل»
ثم شب فصار فتى قوياً «يعدو» نحو الوادي عَدُواً.
رَاعَ ظهوره أهل تلك الديار فأعرضوا عنه بادي الرأي» ثم
مالوا إليه فأحبوه» واتخذوا مولده عيداًء فنشر له السهل أعلامه
الخضر وجمع له باقات الزهر» وفرش له الجبل سفوحه وزينها
بالورودء وملكوه عليهم...
وكان بردى الشاب طموحاً عالي الهمة؛ فلم يقنع بمُلك
ذلك السهل؛: سهل الزبداني» ولم يكفه أن خضعت له جبال
مضايا وبلودان» وأبى إلا أن يخرج فاتحاً لا يقف حتى يملك
الوادي كله. فحشد عسكره ودخل الوادي بطبوله وراياته ينب
على الصخر وئباً» يدشد أنشودته «الهادرة». ولم يكن في الوادي
إلا أميرات صغيرات» مُلكهن صخرة يخرجن من تحتها وساقية
يجرين فيهاء فلم يلبث أن بايعنه وخضعن له واندمجن في جيشه.
وسمعت الأشجار بمسيره فقامت على طريقه صفين تحييه
و«تصفق» له. حتى إذا اقترب من الفيجة جاءه رائده فقال له:
قفء فإن ههنا ملكة جبّارة عرشها صخرة هائلة» وجيوشها تملاً
الوادي وتمتد إلى أبواب المدينة الأبديّة الأزليّة التى كانت من
قبل» وستبقى بعد المدائن كلها: دمشق. 1
«فقهقه» بردى ضاحكاً من حماقة رائده. أي مدينة وحدت
من قبله؟ وأي شيء يعرف القَدّم والبقاء إلا الله القديم بلا ابتداء
الباقي بلا انتهاء؟ ثم زمجر وأقسم لئن وجد تلك المدينة قائمة من
قبله ليدكنها دكاء وإن وجدها تنتظره ليجعلتها -بإذن الله- سيّدة
مدن الأرض. أما تلك الملكة فليحطمنّ عرشها ويبدّدنٌ جندها.
كنل نمز تنا
وتقابل البطلان: بردى «الأسمر» القوي «سلطان الربداني»
الغازي الفاتح» والفيجة «البيضاء» الفتانة «ملكة الوادي». واصطف
الجيشان هذا من هنا وهذا من هناك لا يختلطان"»: ثم أقبلا
فاصطرعاء فغلبت رجولة بردى وخضعت له الفيجة وسارت
تحت ركابه ذليلة صاغرة» وهى أعزٌ منه جنداً وأسمى نسَباً
وأكرم عنصراً.
ومشى يجول في الوادي ويصول» ويملاً أرجاءه بنشيده
الحماسى المرعد.
لم يجاوز إلا قليلاً حتى قابل أميرة صغيرة تخطر على السفح
الجميل» وفي «عينها الخضراء» صفاء وفيها وداعة ولها سحرء
تلقي أغنيتها بصوت ناعم حالم كأنه همس القلب في أذن الطيف
الحبيب» فأصغى إليها الجبل الأصم ومال من الحنو عليهاء
وعانقتها الشمس فلما اضطرت إلى فراقها احمرّ جفناها”» من
)١( ذلك مشاهد إلى اليوم في الفيجة.
(1) أعني حمرة الشفق.
كثرة البكاء» فذابت من حرارة الوّجْد 59 «الثلج» وسالت
سَمّيت «الخضراءى ثم الما عادت ا بِسم الوادي». فمن
ذلك سَمّى وادي (بسيمة)006). وكان لهذه أ 3 وصتها-حين
ألقتها في لجّة الحياة- أن تحترس من النهر وتحذر أن «يخطفها»
ثم «يبتلعها»» فإنه شاب غدّار طيّاش.
لما أحس بها بردى صرخ مختالاً: من هذا الذي جَرُوّ على
أن يمشي معي في الوادي وينترع مني مجديء وتبسم له الشمس
من دوني» وتحنو عليه وتسمع نشيده الصخورٌ الصم ولا تميل
علي ولا تصغي لنشيدي؟
فلما أبصرها شغفته حباً ودَلَهنُهِ غراماًء فعمد إليها ليخطفهاء
فقامت دونها الصخور ووقفت تحميها الدلبة9) العظيمة التي
تعيش هناك وتلوح بأذرعها مهدّدة» فعجز عنها. وأنى له الوصول
إليها وهي نائمة في حضن الجبل ومملكته لا تتجاوز الوادي؟
فحطم الحب كبرياءه» وما أجل ما يفعل الحب! فتطامن ومشى
)١( من زار الشام ومصايفها ولم يَرَ بسّيمة والعين الخضراء فلا يقل: "إني
رأيت الشام" لكلا يقول غير الحق.
(1) في بسّيمة عند العين واحدة من شجر الدِّلْبٍ لا يدري أحد متى وُلدت»
وقد أدركت في الشام دلبة أعظم منها كانت في شارع فيصل؛ في مدخل
الستروحية» أحسبها قد أدركت معاوية بن أبي سفيان! وقد نخرها الكبّر
فاتخذوا في جوفها مخرناًء وأظن أن محيط جذعها كان أكثر من ائني
عشر مترء وكان يستند إلى فرع منها جاح كبير من مترل كان هنالك.
وقد قطعها جمال باشا (عليه من الله ما ب يستحق) مثلما قطع أعناق البشر!
١
ذليلةٌ فلما رأته فتنها بصمته وحرّك قلبها بأحزانه, فمالت له
وشغفت «ببريق» عينيه وقوته وشبابه» فدسيت وصاة أمها وتمنت
لو نامت على ذراعيه. فلما جرّبت ذلك حملها وطار بها إلى
م.م
دمشق!
ومرّ على بردى نصف مليون من السنين وهو السيد المطلق»
يجري حرأ أبيَأ لا يقف في وجهه شيء حتى يجوز بدمشق» ثم
يذهب فيستريح في العتيبّة... ثم ظهر الإنسان على الأرض.
ددر نط تنا
وفي ذات صباح جاءه طائر يلهث عطشاًء فلما سقاه أحب
الطائر أن يجريه خيراً فخبّره أنه رأى هناك» فى الرمال المحرقة
التى تملا الجنوب» أمة من الناس يمشون فى طلب الماء. وقال
له: إني أخاف عليك منهم؛ فهم من أهل الجزيرة التي لا تُغلّب»
من العرب. إنهم بنو الشمسء بنو الصحارىء بنو الموت» أفتظن
أن الموت يمس أبناءه؟
فضحك بردى وصرفه بسلام.
ا اي
ووصل أول رجل من القافلة» وكان من أهل «الجزيرة».
وهل خرج إلى الدنيا في فجر الحياة غيرهم؟ فلما رآه صاح
بإخوته أن تعالوا انظروا كم يحمل من ماء الحياة ونحن هالكون
عطشاً؛ فاقبضوا عليه كيلا يفلت من أيدينا. ضعوا له الحواجر فى
طريقه كيلا يهرب. ْ
١7١
وأراد أن يضربهم ضربة واحدة فيهلكهم فلم يقدر عليهم؛
وقدروا هم عليه فأحسّ أن نجمه قد شرع في الأفول. عطلوه
عن سيره وغلبوه على أمره. ثم صنعوا معه صنع كل عدو غالب:
فرّقوا جماعته وجعلوا أمته الواحدة أمماً سبعاً؛ فبعد أن كان كله
بردى صار بردى ويزيد وتورا وباناس والقنوات والديراني
والقناة... ثوّروا عليه أبناءه حتى استقلوا عنه. واعتصموا منه
بأكناف الجبلين. ثم سلبوه الفيجة واستاقوها «مقيّدة بالحديد»2)
إلى د
ولقد غضب بردى مراراً وهاج» فكان يهجم على المنازل
وساكنيها فيشرّدهم شذر مذر ولا يبقي منها حجرأ على حجر
ويحسب أنه انتهى منهم, فإذا هم يلدون غيرَ من مات ويبنون غير
ما انهدم, فكل وأيس وأحسّ أنه صار شيخاً.
ع تن
ووقفت على بردى وهو يمشي في المرجة» رحبة دمشق»
تحت قصر أمية مشية الشيخ العاجز المتهافت» فقلت له: هيه .
ما لك؟ تعبت؟ أو قد شخت؟
قال: دعني يا غلام فإني أساير الأيام» فلما كانت مقبلة
جادّة كنت أقبل معها عَدُواً فلما توت وهرّلت. .. توليت. وما
لي لا أني وقد باد مجدي وساء جَدَي؟ ألا يا ليتني ما عرفت
الإنسان!
)١( جر ماء الفيجة إلى بيوت دمشق في أنابيب الحديد.
١7
وسكت لحظة. ولاحت على خده دمعة تجري مع الما
م قال: على أني رأيت -والله- ناساً كراماً أجلوني وعرفوا
قدري» وكنت أمرٌ بين أيديهم مرّ الرحيق السلسل» وكنت أمشي
في الرياض على فتيت المسكء وأنام على غناء وأصبح على شعر
وأضحي على كرم ومجد ونبل... فأين أنت يا قصر البُريص”)؟
وأين أولئك الذين كانوا لباب البشرية وكانوا مثلها العليا مجسّمة»
أولئك المسلمون الذي شادوا مجداً جدع أنف الدهر؟ أين ذلك
الرجل”" الذي مرّ علي يوماً وكنت أمشي في الربوة على باب
دمشق» في الموضع الذي امعلة هواؤه بجرائيم ذلك المرض
الفظيع فلا يمر به أحد إلا أصيب به؛ المرض الذي يسمونه
«الحب»» فلا يذهَبْ إلى الربوة من كان يخاف الحب لأنه لا
يرى هذا الجمال إلا تفتح له قلبه فذهب يفتش عمن يحب... مرٌ
علي ذلك الرجل العظيم» فرأى الأغنياء لهم في الربوة قصور
ومنازل والفقراء ما لهم إلا حجارة الجيل وحصى الوادي» فلم
ينصرف حتى أقام لهم متنرّهاً ما رأى الناس مثله» يجري تحته
«تورا» ويجري فوقه «يزيد»© وهو بينهما جنة» فيها ما تشتهي
الأنفس وتلدٌ الأعين» فإن اشتهوا ثمراً مدوا إليه أيديهم» وإن
)١( عندي شواهد على أن موضع قصر البريص في موقع سوق النحّاسين»
وكان أمام باب الفرج الذي يُسمّى اليوم باب المناخليّة,» وهو أحد
أبواب دمشق.
(؟) نور الدين.
(؟) كان في موضع المنشارء والمنشار هو الدرج التي توصل إليه (وكلمة
الدرج مؤنثة لأنها جمع دَرَجة).
1١77
اشتهوا لحماً ناولتهم السمك حياً فنقلوه من الماء إلى المقلاة©
وإن أرادوا لذة العين وجدوا ما لا مزيد عليه في دار الدنياء وعند
الله في الآخرة مزيد. فأين أولئك الناس» وأ ين اليوم أمثالهم؟
وسكت بردي هُتيّة» ثم رجع يقول: لقد شاقتني أمس تلك
القصور وهاتيك المنازل» وقد سدّوا إليها الموارد وأقفلوا
الأبواب» «فانسللت» من شقوق الأرض حتى بلغت قاعة في
الدار العظيمة» دار القوتلي» التي ترى عرصاتها من «منارة العروس»
إذا أنت صعدت إليها ونظرت إلى ما تحتك إلى الشمال» وراء
قبر الملك الظاهر. ترى عرصاتها فتحسبها حيّاً كاملاً أو أطلال
قرية كانت هناك... دخلت القاعة فيا أسفي ! ماذا وبحدت؟
لا الروض باق ولا أهلوةٌ باقونا..
ذوى الرهر وجفّ الماء» وصارت البرك حفراً قاحلة وقد
كانت تضحك فيها أوانس الماء متراقصة ضحك الحياة في هذه
الدار» وتعَرّت الجدران وقد كانت نقوشها ومُقرئّصاتها آية في
الفن» ولم يبق من ذلك «الصيني» الذي يماد «الكتييّات» والرفوف
إلا قطع غاصت في التراب فبدت منها أطرافهاء ولا من السحاد
الثمين إلا خيوطء الله أعلم كم بللتها الأمطار وكم جففتها
الشمس حتى غدت وليس لها لون يُعرف. والرخام الأبيض الذي
كان كالمراياء والأشجار والأوراد..
)١( وهذا مثل ما يعرف في بغداد باسم «السمك المسقوف». وما عرفه من
لم يره ولا درى مجالسه من لم يحضرهاء لأنها فوق الوصف!
١5
لقد انتصرف الدمشقيون عن هذه الدور التي كانت مصدر
الفن العمراني الأندلسي» منها أخذ وعنها قل وكرهوا هذه
الجنان» واتبعوا الإفرنج إلى «جحر الضب...» فآثروا عليها هذه
الصناديق المغلقة التي يسمونها دوراً. فمن يُفهمهم أنهم
مخطئون» وكيف السبيل إلى الاحتفاظ بالبقية الباقية من دور
دمشق القديمة قبل أن تهدمها حماقة المالكين وفتنتهم بتقليد
الغربيين؟
قال: 'ودخلت تلك البركة التي طالما شهدت فيها أعراس
الحياة أتذكرء فرآني خادم هرم فصاح بابنه أن تعال أخرج هذا
الماء الآسن من هنا.
ماء آسن؟! أنا آسن؟ يا ويحكم! أما كنت طاهراً نقياً أسير
في الوادي كما خلقني الله؟ أما أكرمني من كان قبلكم ورفعوني
بالنوافير على الرؤوس وكانوا يتقون الله في فلا يمسونني بأذى؟
ويلكمء أيّنا الآسن يا ذوي النفوس الآسنة؟ كنت أصافح من
أجدادكم عند الوضوء وجوهاً مشرقة نورانية وأيدياً طاهرة معطرة
فصرت لا أرى منكم إلا السوء. دنستموني وآذيتموني وألقيتم
علي أوضاركم, وتدّعون أنكم في عهد النور وأن عهد أولئك
كان عهد ظلام!
أعهد ظلام كان وقد سطع فيه من عندكم نور العلم حتى
ملأ الدنياء وامتد فيه شعاع الفضيلة حتى أضاء غياهب القلوب
فبدد ظلمة الشهوات» ورفرفت فيه الراية» رايتكم» على نصف
المعمور من الأرض؟ ولو اجتزتم نهر عرضه خمسون مترأء ولو
١
أخر اللَهُ موت عبد الرحمن ساعتين0© لرفرفت على النصف
الآخرء ولنجا العالم من وحشية الشّقر الآريين الذي يدّعون
-كذياً- أنهم أفضل منكم؛ دعوى إبليس حين قال: «إأنا خير
منه:# !
لقد هدمنا مجدنا بأيدينا وأعنا عدوّنا على أنفسناء فذللنا
حين انقسمنا وأضعنا كل شيء حين ذللناء أفلا يقظة بعد هذا
النوم؟ ألا نظرة بعد هذا العمى؟ ألا زعيم مضلح حقاً يرجع الناس
إلى الجادة التي ضلوا عنهاء إلى كتاب الله وسنة نبيه» ويخلصهم
من بليّتين: من إلحاد المتفرنجين ومن شعوذة أصحاب الطرق
الحشويين الجاهلين؟
اللهم تباركت ربناء لك الملك ولك الأمرء ولا شكاة إلا
إليك ولا خير إلا منك.
تيز تع تنا
وسكت بردى)» وعاد يمشي مشية الشيخ العاججزر حرينا
تيز تع تنا
)١( يريد عبد الرحمن الغافقي الذي استشهد في معركة بلاط الشهداء
(وكانت على بعد نحو مئتّي كيلومتر إلى الجنوب من باريس)» والتي
استمرت عشرة أيام في رمضان سنة ١١5 هجرية وانتهت بهزيمة
الجيش المسلم وانسحابه إلى الأندلس. وقد بالغ مؤرّخو الإفرنج في
تقدير نتيحة هذه المعركة ودورها في إنقاذ أوريا بأسرها من الإسلام»
حتى إن واحداً من أعظم مؤلفيهم (جيبون) قال في أهم كتبه (سقوط
الإمبراطورية الرومانية): «لو انتصر المسلمون في هذه المعركة لرأينا
القرآن يُتلى ويدرس في جامعات أوريا» (مجاهد).
الاردل
في شارع ناظم باشا
في ليلة قمراء من شتاء 2١474 بينما كان حي المهاجرين
(في دمشق) يرفل في حلل الرخاء والترف» ويجرٌ أثواب الدّعَة
والنعيم» ويثب من الطرب ويمشي على الذهبء وبينما كانت
قصوره البلق تشتعل بالكهرباء فتأتي في الليل بالنهار» وشوارعه
المتوازية الصاعدة إلى سرّة الجبل تتمايل أشجارها تمايل
العروس... كان في الشارع العام الممتد على سفح الجبل شيخ
أبيض اللحية» متفكك العظام» مقوّس الظهرء قد أخنى عليه
الرمان وحَطمه الدهر, يسير منفرداً يتوكأ على العصاء لا أنيس له
إلا ظله الذي يمشي معه؛ ينمو ويتطاول كلما ابتعد عن المصباح»
ثم يضعف ويختفي» ثم يولد ظلّ جديد: يبدأ قويا واضحاً كما
تنمو الكائنات وتقوىء ثم يدركها الضعفء ثم تبيد لتأخذ مكانها
كائنات أخرى أقدر منها على العيش وأحق منها بالحياة.
حتى بلغ قصر الوالي» هذا القصر الأبيض الفخم المعترل
وسط الجنائن الواسعة» الذي يخطر أمامه الجندي الذي يحمي
حمى رئاسة الجمهورية» فوقف على الدرابرين"» وجعل يحدق
في القصر ويتأمل نوافذه المضيئة؛ ويستمع إلى همس الحياة
١ 7/
الرغدة الناعمة ينبعث من غرفه وأبهائه» حتى علق بصره بغرفة
بعينها ينبثق منها ضوء شديد» فجعل يحدق فيه حتى زاغ بصره
وغراه شبه دُوار» فجلس على طرف الدرابرين وأمسك بحديده
البارد» وألقى برأسه على كفه وانطلق يفكر... يفكر فى دنيا
بعيدة» بعيدة حداً» قد طم عليها لج النسيان» يعالجها بالذكرى
فيراها ينحسر عنها الماء» وتبدو له شيئاً بعد شيء» وتعرض عليه
كما يعرض «فلم سينمائي» غريب عنه؛ لا عهد له به ولا صلة بينه
وبينه» وإن كان من القائمين به والممثلين فيه.
0 ففتح عينيه» وراح يحدق في الظلام.
رأى دمشق في أواخر القرن التاسع عشر وهي ولاية
عثمانية» ورأى ناظم باشا (والي دمشق) وقد أصبح ذات يوم
لْقس النفس ضيّق الصدرء فأقبل على عمله فلم يجد له عزماًء
فعمد إلى المطالعة والتسلية فلم يزدد إلا ضيقاًء فأمر أعوانه أن
يتيمّموا له منزلاً جميلاً مشرفاً فينصبوا فيه خيامه ويقيموا فيه
مجلسه ليصطبح فيه وينزله بقية يومه. فتسابقوا إلى طاعته وتباروا
في خدمته فلم تكن إلا ساعة واحدة حتى كان المجلس معداً.
فلما جلس واطمأن نظر فرأى منظراً عجباً ما رأى له مثيلاً
وقد جاب أنحاء المملكة: رأى كأن أمامه متحفاً للطبيعة فيه
من كل مشهد صورة ومن كل لون مثال: فحواليّه تلال
وسفوح ما لها حد» وعن يمينه جبال صخرية قائمة فيها روعة
وفيها جمال» ومن أمامه «يزيد» يجري زاخراً مزبداً يحيط بهذه
السفوح ويحدق بها وهو يلمع في شعاع الشمس فتخاله العقد
مستديراً بجيد حسناءء ومن وراء النهر الغوطة الخضراء؛ إحدى
١78
عجائب الدنياء تمتد إلى نهاية الأفق» والمزّة وصحراؤها
الواسعة وسهولها الفيح. فلم يكن يشاء أن يرى جبلاً ولا نهراً
ولا خضرة ولا بادية إلا رآهاء والسماء تبدو حيال الأفق كأنها
البحر. يا لروعة «البحر» فى دمشق!
السندسي الأزلي» عليها غطاء من نسج الغصون موشى بالزهرء
وقد هبّت عليها نسائم الصباح الرخيّة تمس وجهها مسا رفيقاً:
وزقرقت في أذنيها العصافير توقظها برقة ولطف» وهدر في
مسامعها بردى يهزها كي تفيق.
والجامع الأموي كأن قبته من فوقها عمامة التقوى على
رأسها ومآذنه الطويلة السامقة كأنها أصابع ممتدة بالشهادة
(شهادة أن لا إله إلا الله). وكأنه يحمل على ظهره أثقال
القرون الثلانين التي عاشها: مذ كان معبداً وثنيأء إلى أن صار
كنيسة نصرانية) إلى أن سما فكان مسجداً إسلامياًء يجهر فيه
بالأذان فيرنٌ صداه على ضفاف الكنج وشاطئ اللّوار ويقوم
الناس للصلاة صفاً واحداً ممتداً من قلب الهند إلى قلب فرنسا.
فانتفى عنه الهم وطار به السرورء فسأل من حوله: ما
للدمشقيين لا يينون هنا ويقيمون على هذا السفح حياً لا يكون
مثله مُصيف في الدنيا ولا مشتى؟
فما بقي منهم إلا من وثب الضحك إلى شفتيه وهم
بقهقهة مجلجلة, ولكنه أمسك حرمة للوالى وحياء منه» وقالوا
له: ولكن -يا مولانا- من يرضى أن يقيم في هذا المنفى
١8
ويسكن في جبل أجرد لا ماء فيه ولا نبات» ويسافر كل يوم
ساعة كاملة ليصلي في الأموي أو ليرد السوق؟
فأطرق الوالى يفكرء ويجيل عقله الكبير وعزمه النافذ في
كافّة الممكنات ليجعل من هذه السفوح القاحلة أجمل حي في.
أجمل مدينة» ويحيل هذه الرمالَ رياضاً تجري من تحتها الأنهار.
كم خذة ف
ثم انقطع «الفلم» ودار أبيض يحمل أياماً خاليات لا شيء
فيها» ثم وضحت فيه صورة؛ فإذا هو يرى حادثة كريد (إقريطش)»
حين غدرت أوربة -على عادتها دائماً- بالمسلمين وشرّدت أهل
الجزيرة» من آمن منهم بالله واليوم الآخرء بين سمع الأرض
وبصرها. فدعا بهم ناظم باشا والي الشام؛ وجمعهم وبنى لهم
من أموال الدولة بيوتاً متشابهة كمحطات القرى» ضيّقة كغرف
الخفراء» بناها على سفح قاسيون فكانت لهم عصمة ومأوى»
وكانت للحي الذي يحلم به بذرة ونواة.
ثم استدار الفلم» وإذا دمشق خارجة تستقبل الإمبراطور
وقد جاء يزورها زيارته المشهورة» ففرشت له الحكومة الحرير
وأوطأته الديباج» فلم يطلب من ناظم باشا إلا أن يُزيره الجبلين
العظيمين والأثرين الخالدين: قاسيونء وقبر صلاح الدين. فانطلق
العَمّلة والبناؤون يقيمون على سفح قاسيون «المسطبة» التاريخية
التي ُدعى إلى اليوم وإلى الغد «مسطبة الإمبراطور» ويمهدون له
الطريق إلى مقبرة صلاح الدين في «الكلاسة». وهناك في أصل
جدار الأموي الشامخ, وعلى هذه العتبة الواطئة» وقف أعظم
١
ملوك العصر مطأطئع الرأس خاشعاً خاضعاًء ثم ركع على ركبتيه»
ثم سار حبواً حتى وصل إلى جانب القبر فوضع عليه إكليلاً من
الرهر وقال: هذا لك يا سيد أبطال العالم.
ثم أمّ قاسيون» فلما استوى على «المسطبة» ورأى هذا
ما على الأرض أجمل من دمشق!
فصحَّت عريمة الوالى على إنشاء الحىّ» وبادر إلى الأمر
ببناء هذا «القصر الأبيض».
كذ يذ نا
/ واستدار الفلم» فرأى الشيخ ناظم باشا قائماً في الشرفة
يطل على الوفود الذين أمّوا ساحة القصر ليكرموا الرجل الذي
تغلبت إرادته الماضية على الصخر الأصمّ فخرقته» وعلى البعيد
النائي فقربته» حتى تم مد القنئاة العظيمة من الفيجة إلى دمشق
لتسقي أهلها وتسيل في هذا الحي الذي قام ليكون زيئة دمشق
وعروسها.
ورن في أذنيه صوت الحصيب وهو يقول للوالي: "إن
دمشق التي أحببتها وسقيتها وعمرتها لن تنسى فضلك أبداً ولن
تحيد عن خبك وإكبارك» وسيظل منقوشاً على أفئدة أبنائها إلى
آخر الدهر هذان الاسمان العظيمان: اسما مصلحَئ دمشق:
مدحت باشاء وناظم باشا". ١
ثم انقطع «الفلم» وتبلاد الحلم» وأأحسّ الشيخ بيد قوية
١+١
تقبض على كتفه فعاد إلى نفسه ورفع رأسه, فإذا الجندي القائم
على باب القصر يصيح به: ماذا تصنع هنا أيها المتشرد؟
ثم يكسعه(" برجله. فيقوم الشيخ ورأسه إلى الأرض من
غير أن ينطق بكلمة. .
عاد الشيخ أدراجه يطوف الحيّ ويدخل من شارع إلى
شارع؛ فلا يعرفه أحد ولا يُفتح له باب؛ حتى إذا نال منه الجوع
وبرح به التعب رأى زقاقاً ضيقاً فولجه» حتى إذا اتتهى إلى بيت
صغير من بيوت المهاجرين الأولين وقف ينظر إليه وتبرق عيناه
كأن مرآه يذكره بشيء, ثم مد إلى حلقة الباب يدا مرتجفة فقرعه
قرعة ضعيفة ولبث ينتظرء فلما لم يرد أحدّ عاد فقرعه وشدّد
القرع» وسكت فلم يسمع جواباً» فعاد يخبط خبطاً قوياً وينادي:
كريتلي زاده... كريتلي زاده محمد أفندي!
فتحركت عجوز من أقصى الدار وصاحت: من هذا الذي
يسأل عن محمد أفندي؟
الظلام وصاحت صيحة الفزع: من هذا الذي يسأل عن الرجل
فلما سمع الشيخ ما تقول وجم ولم ينطق» فأقبلت نحو
)3( كسبَعَه أي ضربه على دبره بقدمه (وهو ما يعبر عنه العامة بقولهم:
"ضربه بالشلوت") (مجاهد).
١
من أنت؟ قل لي من أنت أيها الرجل؟ ماذا تريد؟
قال: أنا يا حاجّة صفيّة: أنا...
- من أنت؟ تعال إلى النور حتى أراك.
فلما رأته واستبانته صاحت: آه!
قال: هل عرفتني؟
قالت: آه» كيف لا أعرفك يا سيدي. ولكن... كلاء كلا؛
أنا واهمة» هذا مستحيل. قل لى حالاً: من أنت؟
- أنا ناظم ذاك الذي كان يُدعى -يوماً- ناظم باشا؛ ذاك
الذي كان والى الشام. ألا تذكرين -يا صفيّة- كيف كنت
تلعبين في رحبة القصر وأنت صبيّة صغيرة» وكيف كنت تتسلقين
الأشجار وتطاردين الغزال الذي كان في الحديقة؟ هل تذكرين؟
- آه يا مولاي» آه! إذن أنت هوء لم اكن مخطئة. قل لي
يا سيدي: أين أنت؟ وما جاء بك؟ لاء لا. ادخل أولاً. أهلاً
وسهاةٌ ليس عندي شىء أقدمه إليك» ليس عندي شيء.
وانطلقت تبكي: إنني عجوز فقيرة ليس لها إلا الله» لم يعد
يسأل عنا أحد بعدك. إننى سأموت فقيرة تحت أثقال ذهب
الجيران وأختنق جائعة برائحة اللحم. إن هذه القصور ستبتلع
كوخي الذي لم يبق غيره...
وألحّت في البكاء.
١*7
- إنني لا أستطيع أن أصنع لك شيئاً. آه؛ ليتني مت قبل أن
أراك يا مولاي على هذه الحال!
فمسح الباشا دموعه وقال لها: ولكني لا أحتاج شيئاً؛ أنا
فى نعمة. وإنما جكمت أزوركء والآن وداعاً.
فلما ابتعد فدّش في جيوبه وقلبها كلهاء فلم يجد إلا «فرنكين»
كان يدّخرهما لعشائه» فدفعهما إليها ومشى قبل أن يسمع ما
تقول.
عاد يطوّف في الحي» يخرج من شارع إلى شارع منفرداً
منكراً ولقد فارق دمشق وهو سيدها وصاحب الأمر والنهي
فيهال ولكن هذه الأعوام التى كرّت سريعة محملة بالأحداث
الجسام قد بدّلت كل شيء.
لقد انفجر بركان الحرب فهدٌ هذا الفلك العظيمء» فلك
الخلافة الإسلامية» فتناثرت نجومه وكواكبه وانطفأت شمسه
وأظلمت نيرانه» وعبست مكة للقسطنطينية ويَسَّمَت للندن»
وصافحت الحلفاء وقابحت الخلفاء» وولد استقلال سورية فى
القصر المنيف على بردى ومات طفلاً فى الصحراء القاحلة من
ميسلون» وكان الانتداب» وكانت ليلاته الحالكات.
وذهب جيل من الناس كان يعرف الباشا حق المعرفة وجاء
جيل جديد ينكره أشد الإنكار.
فنفض الباشا يده من كل شيء وانحدر إلى الشارع الأعظم
على سفح الجبل» فجلس على حجر قبالة القصر الذي بناه وكان
١
صاحبه ومولاه) فطرد الليلة عنه كما تُطرد الكلاب» وأسلم رأسه
إلى كفيه وراح يفكر في غير شيء.
فما نبّهه من ذهوله إلا ولد يقفر بقبقابه على بلاط الشارع»
فاستوقفه يسأله: ما اسم هذا الشارع يا ولد؟
فارتاع الولد وفرء حتى إذا ظن أنه قد فاته صاح به: ألا تقرأ
اللوحة يا أعمى؟ هذا شارع ناظم باشا.
فلم تلبث أن أنشأت سحاباً حجب القمر» فشمل الشارعٌ ظلامٌ
رهيب.
<-
على أطلال الضمير
نشرت سنة ١55709
«أغارت سيول هائلة ليلقي 70-175 تشرين الأول
(أكتوبر) سنة ١970077 على التبك ودير عطيّة
وحرستا والمعظمية والضمير (من أكبر قرى دمشق
الشمالية) فخربتها ولم تدع في الضمير حجرا
على حجرء وقتلت الناس بالمئكات وتركت من
تركت بلا مأوى ولا مال».
كانت «منطرة» سعد الخطار أعلى منطرة فى دوماء وكانت
تطل على كروم دوما الواسعة والسهول التي تليها ممتدة إلى ثنية
العقاب» » التي انحدر منها مخاله معدم من العراق في طريقه إلى
الغوطة» تلوح من ورائها دمشْو مشق اجنة الأوض أقدم مدن العالم»
ويرى منها قاسيون الحبيب وهاتيك الجبال.
وكان سعد الخطار سيك شباب الضمير» وأشدهم أسرا
وأجرأهم جناناء وأقواهم ساعداً. اشتغل منذ عشر سنين ناطوراً
في كروم دوما فعغرف فيها بالشدة والبأس» فتجتب الناسُ كرمّه
وابتعد عنه اللصوص والطرّاء0"©. وكان يجول المساء في أنحاء
)١( الطارئ هو الغريب أو الذي يظهر فجأة» فإن كان عاقلا فجمعه طرَّاى
أما غير العاقل فجمعه طوارئ (مجاهد).
١7
الكرم أو ينزل إلى البلد وخيزرانه في يده» فيقف النساء على
طريقه ينظرن بإعجاب إلى قامته المديدة» وصدره الواسع» وأكتافه
العريضة» وشاربيه الأسودين المعقوفين. ولكن سعداً كان -مع
هذه الشدة وهذا البطش- رقيق العاطفة مرهف الحس» يحمل
بين جنبيه قلب شاعر.
كان عصر اليوم الخامس والعشرين من تشرين الأول
(أكتوبر) سنة 2١517 وكانت السماء متلبدة بالغيوم» والأمطار
ترش رشاً خفيفاء والدنيا مظلمة تُرى كأنها فى ساعة الغروب.
وكان سعد في منطرته ينظر إلى الكرم الواسع الذي حرسه
الصيف كله وكان موقراً بالشمر تبدو عناقيده الحمر والبيض من
خلال الورق الأخضر كأنها عقود اللؤلو والياقوت» يمتد إلى
حيث لا يدرك البصر حافلاً بالحياة» فرآه قد اصفرّت أوراقه
وعطل من الثمر وعاجله الخريف» فذوت أوراقه واسّاقطت تطير
مع الريح, ورأى أشجار المشمش التي كان يبصرها دائماً عن
يمين الكرم خضراء زاهية قد تجردت ولم يبق منها إلا أعوادها.
وهبّت ريح باردةٌ من رياح الخريف فلفحت وجه سعد» وحملت
بقايا الأوراق الذاوية فألقتها في منطرته» فكان يسمع لسقوطها
تحت المطر صوتاً حزيناً مؤلماً. فشعر سعد بالأسى يملا قلبه...
سيضطر غداً إلى فراق هذه المنطرة الحبيبة» وهذا الكرم الذي
ثابر على حراسته عشر سنين وتعلقت حياته به وانتثر قلبه في
أرجائه: فأصبح جزءاً من حياته وقطعة من نفسهء لا غنى له عنه
ولا حياة له بدونه.
لقد ملؤوا أمس آخر صندوق (سحارة) من العنب» جمعوه
١4
من بقايا العناقيد» ولم يبق في الكرم ما يحرسه. فشعر كأنه يفارق
ولد عزيزاً عليه» قد رباه وتعهده بالعناية ثم فقده... أوّلم يرافق
الكرم وهو لا يزال حصرما؟ أوّلم يتعهده حتى نضج وأينع؟ أوّلم
يشاهد التجار كل مساء وهم يأتون ومعهم العمال بالعشرات
يملؤون صناديق (سحاحير) العنب» وهم يغنون ويصيحون
ويترعون الفضاء أنساً؟ كم بين هذا المشهد وبين مشهدهم
أمس » وهم يملؤون آخر «سحارة» صامتين تلوح على وجوههم
أمارات الحرن والكآبة! لم يستطع سعد أن يراهم على هذه
الحال فانسل إلى منطرته ووضع رأسه بين يديه يفكر حزيئاً
ملتاعاً.
جلس سعد يتأمل هذا المشهد ذاهلاً غائباً عن نفسهء والمطر
يشتد ويقوى والماء ينفذ من سقف المنطرة (وكان سقفها من
ورق الكرم الجاف) ويبلل رأسه وثيابه» لا يحس به ولا يحفله
لأنه ابن الب وصديق الطبيعة» ولأنه كان ذاهلاً عن نفسه لم يصح
حتى أسدل الليل ثوبه الأسود على الدنيا فَعْيِبَ تحته هذه المشاهد
كلها.
صحا سعد فنفض الماء عن شعره وثيابه» ونشر خيمته فوق
رأسه لتمنع عنه المطرء وأوقد مصباحه الألماني الذي يظهر
للسارين -وهو في هذا المرقب العالي- كأنه نجم من نجوم
السماء» وجلس يفكر. وذهب به الفكر إلى بعيد» فذكر حين جاء
هذه المنطرة مع عمه وابنة عمه ليلى» وكان ذلك قبل أحد عشر
عاماً. لقد كان في السادسة عشرة وكانت هي بنت تسع سنين»
وكان عمه ناطور الكرم يحرسه منذ ثلاثين سنةء وهو الذي بنى
١:6
هذه المنطرة وأعاد بناءها أكثر من عشرين مرة» إذ كانت تهدمها
الرياح والأمطار والسيول.
لقد تصور عمه بقامته العالية وجسمه المتين» وظهره الذي
انحنى قليلاً تحت أعباء الزمان ولحيته البيضاء... لقد كان عمه
قوياً شجاعاً. وكان سعد يعجب به بمقدار ما كان يحب ابنته
ليلى؛ أحبها منذ كانت طفلة» ولكنه لم يكن يعرف أنه يحبهاء
ولم تكن كلمة الحب دائرة على ألسنة القرويين. بل كان من
العار على الشاب أن يذكرها لفتاة. لم يكن يعرف أنه يحبهاء
ولكنه لم يستطع أن يبتعد عنها أو أن يمر عليه يوم لا يراها فيه»
وإذا هو لقيها وذهب معها يلعب أو يرعى العنرات أو يسوق
البقرة إلى المزرعة أو يملا الجرة من العين ينسى الدنيا كلها ولا
يفكر في شيء. وذكر حين جاء هذه المنطرة أول مرة مع عمه
وابنة عمه ليلى» وحين تركه عمه مع ليلى لينرل إلى دمشق
وأوصاه بأن يعتني بها ويحرس الكرم. قال له: لقد صرت شاباً يا
سعدء فكن عاقلاً وشجاعاً؛ لا تدع ليلى تنرل في الليل من
المنطرة» وإذا رأيت وحشاً أو سارقاً فأطلق عليه النار» لا تخف
من شيء. هذه هي البندقية.
وذهب عمه وهو يتبعه بصرهء فلما غاب عن عينيه أحس
سعد بأنه غدا -مذ تلك اللحظة- رجلاً» وأنه هو حامي ليلى
وحارس الكرمء وأنه يستطيع أن يطلق النار من البندقية كما كان
يفعل عمه تماماً. وتمنى من كل قلبه أن يرى وحشاً أو لصا ليري
ليلى شجاعته ورجولته؛ ولكنه لم ير شيئاً.
ذكر كيف قضى الليل مع ليلى. وكانت ليلة قمراء رخيّة
١ث
النسيم» وأحس بلذة لا تشبهها لذة ولكنه لم يمسّسئها بيده ولم
يذكر لها كلمة الحبء» لأن الشرف والأمانة كانا شعار الشباب
في تلك الأيام» وليلى ابنة عمه وعرضه: ائتمنه عمه عليها والله
شاهد عليه.
وقفز به الفكر إلى بلدة الضمير» وقد كبرت ليلى وحجبت
عنه فلم يعد يراها إلا على «العين» أو في الحقل. ولم يكن يمنعه
الحجاب من رؤيتها لأنه حجاب شرعي يظهر الوجه والكفين
ويستر كل شيء (لا كحجاب المدن الذي يستر الوجه بغشاء
رقيق يزيده فتنة وجمالاً ثم يكشف العنق والصدر والساق وما
فوق الساق ويظهر الكف والساعد!)» فكان يحدثها ويصحبها
في الطريق. ولم يكن بينهما سوء, لأنها خطيبته المسماة عليه منذ
كانا صغيرين» فهي له. ولم يجرؤ شاب في القرية على خطبتها
احتراماً لسعد وخوفاً من بطشه.
ومرت في ذهنه صورة العرس وحفلاته» ووفود القرى
المجاورة والولائم العامة في الساحات والطرق و«الدبكات»
والأهازيج. مرت في ذهنه مرا سريعاً فأبصرها حية قريبة كأنها
كانت أمسء مع أنها قد كانت منذ سبع سئين» لم ير فيها من
زوجته ليلى إلا ما يعجبه ويرضيه. لم تغضبه مرة واحدة» كانت
تحيا من أجله تهيئ له الطعام وترتب الدار وتنتظره حتى يجيء
من عمله؛ فإذا جاء رآها قائمة وراء الباب منتظرة» فقبلت يده ثم
أعانته على نزع ثيابه» وصبت على يديه الماء حتى يتوضأ ويغسل
وجهه ورأسه بالصابون» ثم قدمت إليه الطعام» ولم تدخر وسعاً
في تسليته وإيناسه: وإذا كان كثيباً أو مهموماً رفهت عنه وواسته.
١6١
وأضاق مرة ولحقه الدائنون حتى هددوه بالسجن من أجل عشرين
ليرة» فلم يشعر إلا وزوجته تقدمها إليه زاعمة أنها قد وفرتها من
نفقات المنرل» فصدّقها ووفى دينه» ثم علم -بعدٌ- أنها باعت
حليّها التي لا تملك غيرها.
كانت مثال الروجة الشرقية قية المسلمة التي تعيش لبيتها
وزوجها وتتخذه سيداً لهاء وكان هو مثال الروج الوفيّ الصالح
عادة من العادات السيعة الي د تذهب ٠ الأموال و7 1 ُشقي العيال.
ثم ذهب الفكر بسعد إلى ولدهء ولده الوحيد «يسار».
فهاجه الشوق إليه» وبرّح به الحنين إلى بيته وغلب على حبه لهذه
الأرض وتعلقه بها. وكان الليل قد اتتصف ولم يذق سعد مناماًء
فنهض ورفع طرف الخيمة» فنظر فإذا السماء صافية قد انقشعت
عنها الغيوم؛ وطلع القمر من وراء الأفق هلالاً ضعيفاً يلقي على
الدنيا نوراً كابياً» فرأى الكرم أسود فعاوده الحنين إليه والحزن
على فراقه. وكانت منزلة الكرم في نفسه كمتزلة زوجته وولده
بل كانت هذه المنطرة أحب إليه من بيته. وجعل يتأمل الكرم
فامتلاً قلبه أسى» وذكر ليلى ويساراً فأزمع الرحيل» ولكنه اضطر
إلى انتظار الفجر.
ولبث صامتاً فغلب عليه النعاس فأغفى إغفاءة قصيرة» ثم
نهض مذعوراً يرتجف. لقد رأى حلماً مرعباً فتعوذ بالله وسأله أن
يحرس زوجه وولده. ولم يطق البقاء فقام يجمع أمتعته (وما
أمتعته إلا فراش ولحاف وبساط وخيمة وصندوق صغير فيه قدر
١
وأطباق وإبريق للشاي) ويلقي على المنطرة ة النظرة الأخيرة كأنه
يريد أن ث يثبت صورتها في نفسه» وأن يودّع ما فيها من ذكر لَذَّة
هي أعر ما يملك في حياته؛ ثم نزل إلى دابته والفجر يهم
بالانبثاق.
راقه سكون الليل وجمال الفجرء وهذه الكروم الواسعة
التي استيقظت وتسربت إليها خيوط النور من ناحية الشرق
فأضاءت صفحتهاء فاشتد به الحنين إلى زوجته وولده» وشعر أن
حبه لهما قد نما فى هذه الساعة وازداد وطغى على نفسه. فجعل
يتصور حركاتهما وكيف يخرجان لاستقباله وكيف يتعلق به
يسار فيرفعه إلى وجهه فيقبله» ورنت في أذنيه كلمة «بابا» حلوة
مستحبة» وشعر بعالم من الحب والعطف والوئام يغمره حتى
أحس بنفسه تطير على متن الهواء في حلم فاتن لذيذ» فانطلق يغني
شتى الأغاني القديمة وصوته العذب القوي يشق السكون ويوقظ
الطبيعة» فتجاوبه الديكة من الكروم المجاورة بزقائها والعصافير
برقرقتها الحلوة.
أشرف على البلد ضحىء فتأمل الفضاء فلم ييصر شيئاً. أين
البلد؟ هل أخطأ الطريق أم هو لا يزال بعيداً عن بلده؟ لقد نظر
حوله وأنعم النظر فلم يشك أنه حيال البلدء لقد سلك هذا الطريق
مئات المرات» وهو يستطيع أن يسلكه مغمض العينين فكيف
يخطى أو يضل؟ لا شك أنه على صواب وأنه قد وصل» ولكن
أين البلد؟
١67
الناس؟! ودنا حتى وصل البلدء فلم يجد إلا أكواماً من التراب
مبتلة عليها آثار الماء» تتخللها بِرّك ما لها من آخر وحجارة منثورة
في البادية نثرأء فجن جنونه وانطلق يصيح : ليلى! ليلى! يسار!
ويهيم شارداً على وجهه يدور بلا وعي» وإذا بشيخ مسن
يهتف به ثم يأخذه من يدهء فنظر إليه فإذا هو عمه» فيتبعه سعد
صاغراً حتى جلسا على كومة من هذه الأكوام. قال له: هذه حال
الدنيا يا بني... إن لله حكمة لا يعلمها أحدء فلنصبر ولنرض
بالواقع. الحمد لله على كل حال.
قال: ولكن ما جرى يا عم؟ أين ليلى؟ أين ابني يسار؟
قال: هذا قضاء الله يا بني. لقد كنت نائماً ليلة أمس
فسمعت ضجة في الطريق ولغطاء فخرجت فإذا الناس مجتمعون
وعلى وجوههم أمارات الذعر الشديد وهم يصغون في خوف
ورعب إلى صوت عجيب آت من بعيد» فأصغيت فإذا هو عميق
مستمر لا ينقطع» فخرجنا ولم ندر ما هو: فقائل إنها ريح؛ ولكنه
ليس بصوت ريح. وقائل هو من أصوات الجنء وقائل إنه رعد
وما هو كذلك. فوقفنا وتهيأنا للنضال وحملنا السلاح» وكان
الصوت مستمراً... ولكنه جعل يقوى ويقترب حتى تبينا فيه هدير
الماء... إنه السيل! السيل!
وطارت هذه الكلمة على الأفواه» فأسرع قوم إلى بيوت"
القرية العالية؛ يحسبونه سيلاً كالذي عرفوا من السيل لا يبلغ هذه
البيودت» وخاف قوم فأسرعوا إلى الجبل» وقد أعجلهم الخوف
١5
فلم يأخذوا معهم غطاء ولا وطاى وكنت ممن أمّ الجبل.
- وليلى؟ ويسار؟
- لقد بقوا في البلد. اسمع يا بني» إنها لم تكن إلا ربع
ساعة حتى بدأ الهول. نعوذ بالله... لقد أقبل سيل علوه في
الوادي أكثر من عشرين مترأ يتكسر ويقذف بالصخور والحجارة
والأشجار» فغمر أعلى بيت فى المدينة» واختلط هديره العالى
بصراخ النساء وصياح الأطفال وتداعي الشباب...
- وليلى ويسار؟
أخبرني عنهما يا عم!
-.سأخبرك يا بني. لقد انحدر السيل من أعالى «قلمون»
ثم مر على دير عطية فصدعها صدعاء ثم توجه تلقاء بلدنا ماراً
بالقطيفة والمعظمية تاركاً فيها الدمار والموت» فجعل بلدنا كما
ولم يسمع سعد مقالة الشيخ لأنه ابتعد وهو ينادي باسم
الزروجة الحبيبة والولد الفقيدء» يختلط نداؤه بآلاف الأصوات
المعولة الباكية الحزينة.
فى حديقة الأزبكية
نشرت سنة ١9141
كنت أمس عند الأستاذ الريات فدخل علينا شاب فى نحو
الثامنة عشرة» عراقي» فسلم وقعد صامتاً لا ينبس. وجعل ينظر
إليّ كأن في فيه كلاماً يريد أن يقوله ولكنه لا يحب أن يظهرني
عليه» فهو يتبرّم بمجلسي ويرقب قيامي. فلما طال منه ذلك قال
له الأستاذ: "تفضل". فقال متردداً: "كنت أريد أن أقص عليكم
قصتي... علّها... تُكتب في الرسالة... ولكن... سأجيء في
وقت آخر". وألقى علي نظرة لا أقول من نار» ولكن من حروف
وكلمات تقول: "لولا هذا الرجل"!
فقال الأستاذ معرّفاً بى: "إنه فلان» وهو من أسرة الرسالة
فقّصّ القصة أمامه؛ لعله إذا سمعها منك كتبها هو". فلما عرفني
أشرق وجهه واطمأن وانطلق يقول:
َيل نذا نا
وصلت مصر للدراسة في مدارسها في أكتوبر الماضي»
وكانت تلك أول مرة أقدم فيها القاهرة وأرى فيها الدنياء
أمضيت عمري قبلها في قرية لا تعرف إلا الجد ولا تقبل غير
الحرث والدرس» ما فيها إلا الحلقة والحقل» ما فيها سينما ولا
١ /اه
ملهى: ولا تلقى في طرقها امرأة سافرة ولا تصادف في حقولها
فتاة. لم أخرج منها إلا مرة واحدة وأنا صغير زرت فيها النبجف
مع لِدّات لي فرأيتها مدينة عظيمة فيها كل ما يبهج ويهيج»
وسعدت فيها أيامً» ثم عدنا إلى القرية وإلى حلقة الشيخ فقرأنا
عليه كتب الدين والنحو والصرف والبلاغة» ثم أقبلنا على الأدب
نعبٌ الشعر الغزل كما يعبّ من النبع العذب الصادي الظمآن»
ونحفظه في صدورنا كما يحفظ الشحيح الموسر ماله في صندوقه»
فيكون لقلوبنا الفتية المشتعلة بالعاطفة حطباً يابساً يزيدها اشتعالاً»
ولكنه يكون لقرائحنا مدداً ولألسنتنا ثقافاً ولنفوسنا صقالاً.
وكانت لنا صبوات يحركها سوادُ المرأة وهي تخطر في سوق
القرية بعباءتها السوداء السابغة» وظلّها من خلف زجاج النافذة»
وصونّها من وراء الباب؛ لا نرى منها أكثر من ذلك» فكان يثير
سواكن هذه القلوب التي ما عرفت طريق الإثم... وإن لم تخل
القرية من آثمين (من الشباب) ومن آثمات.
قلت: فما فائدة الحجاب؟
قال: إن الخير المطلق ليس من طبيعة هذه الدنياء والعبرة
بالغالب. فالحجاب خير فيه شر قليل» ولكن السفور شر قد
يكون فيه خير قليل. وما الإثم في العاطفة يفيض بها القلب أو
الشهوة تضطرم بنارها الأعصاب» ولكن الإثم في عمل الجوارح.
وعاد إلى قصته» فقال: وكنت قد سمعت عن القاهرة أنها
(لا تؤاخذوني ...) أنها كبارير(»؛ بلد لذة وانطلاق» وأنها عالم
)١( أي مثل باريسء وكانوا أكثر ما يكتبونها بالزاي (بدل السين) في تلك
الأيام (مجاهد).
فيه من كل شيء» فيه العلم والجهلء والغنى والفقر» والتقى
والفجورء والعفاف والفسوق» يصنع كل فيها ما يريدء لا يسأل
أحدٌ أحداً ماذا يصنع ولا يقول له: "دع ذا فإنه حرام» وكف عن
ذا فإنه عيب"2 وأن... إني لأستحي والله أن أتكلم.
قلنا له: قل يا أخي» إنك تقول الصدق ابتغاء الإصلاح؛ ولا
حياء في الإصلاح.
فتردد قليللٌ وغض بصره ثم قال: وأن النساء في مصر...
أستغفر الله ما هذا أعني» أعني أن في مصر نساء كثيرات...
الحاصل أن الصورة التي كانت لمصر في مخايلنا لم تكن صورة
الأزهر بحلقاته. ولا الجامعة بأبهائهاء ولا الجمعيات الإسلامية
ولا النوادي الأدبية... كلا؛ بل صورة «البلاج» ومشاهده والسفور
والاختلاط. وإن الصوت الذي يصل إلى قريتنا عالياً ليس صوت
«الرسالة» و«الثقافة» و«الكتاب»», فإنه صوت خافت فينا» ولكن
صوت «الإثتين» و«الأخبار» و«المسامرات»2»207 منها تكونت
للقاهرة هذه الصورة» فتخيلناها فتاة عابثة مستهترة لا شيخاً وقوراً
صالحاً. أنا أقول لكم الحق» فأرجو أن يتسع لسماعه صدركم
ولا يضيق به حلمكم.
ولما تقرر سفري إلى مصر أرقت ليالي بطولها لا أستطيع
الرقاد من فرط الانفعال» ثم سافرت وكلما نقصت من الطريق
مرحلة زاد شوقي مراحل» وكلما اقتربت منها ابتعدت عن الصبر.
)١( كلها أسماء مجلات كانت تصدر في مصر في تلك الأيام) وأكثرها لم
يعد له -اليوم- وجود (مجاهد).
١8
ولست أطيل عليكم» فقد دخلتها ليلء فنرلت في فندق في العتبة
الخضراء بَلديّ كانوا دلونى عليه من قبل أن أسافرء اسمه فندق
البرلمان» فدمت نوماً متقطعاً تتخلله ثائرات الأحلام» يؤرقني ما
أرقب من لذائذ هذه الجنة التي دخلتها بعد طول تشوقي إليهاء
فأنهض ساعة ثم يسحقني السهر والسفر فأهجع أخرى» حتى
طلع الصباح.
وترلت الساعة العاشرة» فمشيت خطوات» فوجدت فى
وجهى حديقة الأزبكية. وكنت قد قرأت فى «النظرات»
للمنفلوطي رحمه الله أن الأزبكية (ولا مؤاخذة) هي المكان
الذي تميل إليه نفس كل شاب لأنه أوسخ معابد الشيطان»
السوق التي تباع فيها اللذائذ. فاقتربت منها وقلبي يجف”" كأني
مقبل على جريمة قتل. وهل الزنا إلا أخو القتل؟ وتمثل لي ماضي
وأخلاقي وطلعة الشيخ» فارتددت وتلقّت أنظر: هل رآني من
أحد؟ لا تضحكوا أرج وكمء فإني أصف لكم ما وقع لي. ومرٌ
رجال خيّل إليّ أن واحداً منهم يحدّق في ويّحِدَ النظر إليّ
ويتبسّم» فشعرت أن دمي كله قد صعد إلى رأسي وأن أذنيَ قد
صارتا جمرتين ملتهبتين» وتصبب العرق من جبيني لما وقع في
نفسي من أن الرجل يعرفني ويعلم ما أسعى إليه» فأسرعت في
مشيتي حتى نبهت الناس إلي بإسراعي» فجعلوا ينظرون إلي
متعجبين من عجلتي» وكلما رأيت ذلك منهم ازددت عجلة
)١( وَجَفْ يَجِفْ (مثل: وَعَدَ يَعِدُ): خفق واضطرب؛ في القرآن: «إقلوبٌ
يومئذ واجمّة4 (مجاهد).
كأني الجواد الأصيل يُقرع بالمقارع ليقف وكلما أحسّ وقعها
حتى إذا ابتعدت وقفت» ووجدت راحة الخلاص من الإثم
كما يجد الغريق راحة الوصول إلى الهواء» ومشيت لا أعرف لي
وجهة» فعاد الشيطان يوسوس إلي» فثارت الرغبة في نفسي كر
أخرى» وندمت على أن أضعت هذه الفرصة التي انتظرتها دهراً
مديداً وفكرت فيها مسهداً ليالي طوالاً وقطعت من أجلها قفراً
وخضت بحرا ومشيت من مشرق الشمس إلى مغربهاء فعدت
وجعلت أدور حول سور الحديقة وقلبي يكاد يمزق بوجيبه9)
جدار صدري» وكان اليوم يوم أحدء فرأيت غوانيها -من خلال
السور- قاعدات باديات المفاتن أو مضطجعات أو منبطحات
على الكل ساحرات بالمُمّل النواعس وبالسوق والأفخاذ» فكدت
أجن. ولا تنسوا أني لا أزال أعتقد أن الحديقة هي «أزبكية
المنفلوطي»!
وشددنا أشداقنا كيلا يفلت الضحك مناء ومضى في قصته.
قال: ورأيت على مقعد شاباً وفتاة وهما يتناجيان» وعلى
وجهيهما من ظلال الحديث مثل ما يكون على وجه البحيرة
الساكنة من شعاع القمرء وقد تدانى الرأسان والتقّت الأيدي
بالمناكب وتعارضت الساقان» وأحاطهما بجناحيه إبليسٌ الهوى»
فجن جنوني» ودفعتتي موجة الانفعال التي ماجت في نفسي
)١( وَجِيبُ القلب ووجَبانه (من الفعل: وَجَبّ يحِبْ): خفقانه واضطرابه
١1١
فأقدمت» حتى إذا ضعفت الموجة وماتت -كما تموت أمواج
البحر وسط اللحّة- ألفيتنى عند الباب» فوقفت لا أدري ماذا
أعمل؛ كأني قد أقمت على عمود في رحبة القرية والناس كلهم
ينظرون إلى يقولون: "هذا الذي دخل الأز بكية التي لم يعرف
المنفلوطى من تحديدها إلا أنها فوق الغبراء وتبحت السماء".
وتمنيت -من الخجل- أن أغوص في الأرض» وأحسست أن
الدنيا تدور من حوليء» ولم ينقذني إلا رجل دخل فتوسط الباب
الدوارء فدفع «قرش تعريفة» فأداره له البواب حتى صار في
الحديقة» فصنعت صنيعه وأنا لا أعقل ما أصنع.
جُلْت في الحديقة فوجدت نساء من كل لون وجنس»
ولكني كنت كمن ألقي في الماء قبل أن يتعلم السباحة» فلم أدر
كيف السبيل إليهن. وحاولت أن أتذكر ما قرأت فى القصص
وماذا يعمل أبطالها في مثل هذا الموقف وما حفظت من أشعار
الغزل» فلم يخطر على بالي إلا أبيات «سألت الله يجمعني
بسلمى»؛ فقد كانت حالي كحال هذا الشاعر» أرقب أن تجيء
إحداهن فتأخذ هي بيدي وتجرّني إليها. ولكني لم أر غرفاً ولا
مخادع, ثم وجدت بناءً في الحديقة فعلمت أن المخادع والغرفات
فيه. وبقيت إلى المساءء أدور لا أفكر في طعام ولا أشكو
التعب» حتى إذا قيل: "اخرجواء ستغلق الحديقة"» خرجت وما
أظن أن علي ظهر الأرض إنسان أخيب منى.
وجعلت أعود إليها كل يوم) فلما كان بعد ثلاثة أيام,
وكنت قاعداً على مقعد وأمامي امرأة قصيرة الثوب» عارية
الساق» قد رفعت رجلاً على رجل فأبدت ما أحسست به كالبارود
١53
بعيني (وقد ات في ذلك الليلة البارحة كلها ورأيته هو
الطريق إليها بعد ما أعياني الوصول» وجحربته أمام المراة حتى 2
حَسِبْتني أتقنته). والتفتّت إلى فغمزت بعيني» فإذا بها تشمخ
بأنفها وتقوم فتمضي وعلى وجهها مثل أمارات الاشمئزاز
وسمعت ضحكاً من ورائي فتلفت مذعوراًء فإذا أنا بشاب على
رأسه كمة بيضاء يلبس «قفطاناً» يبدو عليه أنه فلاح» إتلوح عليه
سيمياء الفقر ورأى ذعري فقال: "إزّيك؟". قلت: "كلش" زين".
ففهم أني غريب» وأني عراقي. فقال: "عحبتك؟". فاستحييت أن
أجيب ) فقال الخبيث: "ليه؟ أنت مكسوف؟ ما تتكسفشى! تعال
أودّيك واحدة أحلى منها
إنكم لا تستطيعون أن تتصوروا ماذا صنعت بي هذه الكلمة
وأنا الذي عاش عمره يشتهى أن يشم ريح امرأة من مسافة
فرسيخ. وتشجعت فقلت له بصوت مخنوق: "شلون؟". قا
"شلون يعني إيه؟ تعال معاياء تعال". وأخذ بيدي وجي م من
الحديقة» وقال: "تحب ناخد تاكسى ولا نركب الترام؟”. وكنت
نافد الصير مجنون الرغبة» فقلت: "تاكسى". ولو كانت طيارة
لركبت إلى ما يأخذني إليه طيارة!
ولم أسأله إلى أين حتى نرلنا من السيارة» فسألت السائق:
"كم تريد؟": قال: "ثلاثين قرشاً". فارتعت لحظة ولكني لم أبال»
ونقدته الأجرة ونظرتء فإذا الذي بقي في جيبي اثنان وعشرون
قرشأء وسائر فلوسي عند الفندقي؛ نفقة الشهر كله: خمسة عشر
ع
قال الشاب: "ايدك على جنيه بأه". قلت: "جنيه؟!" قال:
"أمّال؟ دي بنت تماتطاشرء زيّ الأمّر". فنظرت هنا وهناك أبغى
مهرباً ولا أعرف الطريق» فقال: "ما لكشي مزاج ولا إيه؟".
فقلت: "في وقت ثاني". قال الخبيث: "على خاطرك. هات تعبتي
بأه!". فأعطيته خمسة قروش.
ولم يحب أن يفلتني قبل أن ينتف ريشي» فعاد يحدثني
حديث الرجس وقال لى إن عنده بنات أخرء ولكن لكل ثمن؛
فبنت مصرية سمراء كأن عينيها عينا غزال شارد» وبنت شامية من
صفتها كذاء وبنت عراقية من بلادنا من نعتها كذاء وبنت رومية
كأن جسمها العاج المشرب بعصير الورد وكأن شعرها أسلاك
الذهب؛ تسقي من فمها خمراً ومن مقلتها سحراً... ورآني
أرتجف من الانفعال ورأى وجهي شاحباً فقال: "هي بنت بيت»
«مش من دول»» لا تأخذ فلوساً لأن أباها من كبار أصحاب
المصارف, ولكن للبواب جنيهان ليغض النظر» وله هو جنيه
واثنان لوصيفتها لتكتم الأمر وتحفظ الياب".
وسحرني الملعون فقلت: "لا بد لي من الذهاب إلى الفندق
لآتي بالفلوس". قال: "هيا بئا".
وتسلم الجنيهات الخمسة: وأدخلني عمارة فخمة في شارع
الملكة نازلى» فأصعدني إلى الطبقة السابعة وأشار إلى باب
فقال: إنها هنا. ولكنه لا يستطيع أن يدخل معي» فهو ينتظرنى عند
البواب. وترل ب«المصعد» الذي صعدنا به وأقدمت مضطرباً
فقرعت الباب بيد ترتحف ) ففتحه لي خادم أسود مسن ووقف
1١5
ينظر ما أقول له ووقفت مبهوتاً فقال: "'إيه؟ عاوز مين؟". فسكت.
قال: "الله! إنت عاوز مين؟". قلت: "سنيّة", وكان هذا هو الاسم
الذي خطر على لسانى. قال: "سسّة؟! دي شركة".
وأغلق الباب في وجهيء ولم أجد المصعد فترلت على
الدرج من الطبقة السابعة» فلما بلغت الباب لم أجد الشاب ولا
البواب!
١
على صفحة دجلة
نشرت سنة ١375
كان ذلك في الربيع الماضيء في أمسية حلوة اقترحت فيها
على صديق لي أن نركب زورقاً من هذه الزوارق الجميلة» ذات
الوسائد البيض المحشوّة بريش النعام» فنجول ساعة في دجلة نشهد
غروب الشمس ونستمتع بالتأمل في هذا النهر الذي يحمل في
كل قطرة منه ذكرى خليفة أو مُعْنَ أو شاعر أو عاشق» ويحفظ
بين أحنائه أوفى تاريخ لأجمل عصر نعمت في ظلاله البشرية.
وكان صاحب زورقنا شيخا لطيفأء جميل الطلعة» رائع
المشيب» له -على شيبه- سذاجة طفل ونظرات مَلك. وكان
حسن الحديثء» كثير النوادر, حاضر الجواب,» فسمعنا من حديثه
المعجب المطرب. ومال بنا الحديث إلى كل جميل» حتى وقف
بنا عند الكلام على دجلة... فقال الشيخ: أنتم لا تعرفون ما
دجلة؟ عند كم منه هذا المنظر الذي يبدو من الجسرء وقد تنتبهون
إلى بناء الجسر وعواماته(" التي يقوم عليها أكثر مما تنتبهون إلى
النهر» بل لقد تشغلكم عن هذا وذاك هذه السيارات التي تركب
متنه بثقلها وأهوالها وأحمالهاء فيستجير منها الجسر ويكن»
)١( كان -يومئذ- على عوامات», لم تكن أنشعت هذه الجسور الثابتة.
1١ 117/
ويضطرب ويّمِيدء فلا تحفل أنينه ولا تبالي اضطرابه ولا ترحمه
ساعة من ليل أو نهار.
قال صديقى: لقد أنشئع الجسر لتمر عليه المّهًا الفاتنات» لا
لتركبه هذه السيارات.
قال الشيخ: أما أنا فإني أرى في النهر عالما؛ أرى فيه دنيا
واسعة لا تدرون بها يا سكان القصور وقُطَان البر. أرى فيه النهر
الذي يستيقظ مع السحر ليستقبل أول وفد من خيوط النورء
فييسم له وترقص في استقباله أمواجه الصغيرة العايثة» والنهر
الذي تلهب أمواهه في أشعة الهواجر من تموز وآبء والنهر
الذي يسكر من ريق القمر الذي يرتشفه في ليالي الصيف (لك
الله يا ليالي بغداد!) فيشبه فتاة صغيرة تترنّح نشوىء والنهر الذي
يحكي المقبرة الموحشة حين يمر في ليالي الشتاء المظلمة أسود
كالحاً مرعباء والنهر الذي ينقلب معرض غرام حين تسرح فيه
زوارق المحبين من أهل بغداد» مدينة الجمال والجلال» والنهر
الذي ينقلب وحشاً كاسراً كاشراً عن أنيابه ويغدو «نمراً)()
فتاكأء حين يفيض الزيد على شدقيه ويفتح فمه المهول ليبتلع
بغداد وأهلها ويقذف بهذه الأطنان من الحديد التي تث تثبت الجسر
قذف الصبي بكرته.
هذا هو دجلة الذي أراه أجل من البحرء وما البحر؟ ما
ذاك الملح الأجاج من هذا العذب الفرات؟ أين البحر الذي
تصطخب أمواجه وهو في مكانه (كالطفل الذي يخبط في
)١( اسم دجلة بالإنكليزية «تايكرس»» أي النمر.
1١14
الأرض برجليه من العجز) من هذا النهر الذي يجري في
سكون؛ يجري دائماً وأبداً؟ آه! متى بدأ هذا النهر سيره وإلى
أين يمشي؟ أما لطوافه نهاية؟ أما لمسيره غاية؟ والله -يا بني-
لقد فكرت في ذلك أكثر من ألف مرة. إن هذا لعجيب! فما
البحر؟ البحر الذي يضطجع على رمال الساحل مثل حوت ميت .
قد جرفته الأمواج. وأين هو دجلة الذي يجول في الأرض
كسائح عالم» أو عاشق هائم؛ يسير بين القصور ثم يتئزه وسط
الحدائق ثم يمر على بساتين النخيل؟
فقاطعه صديقي صائحاً: النخيل» النخيل! ألم تسمع ما قال
المعري:
وردنا ماء دجلة خيرَ ماءٍ 2 وزرنا أشرف الشجر التخيلا
قال الشيخ: إي والله» هو والله أشرف الشجر. لو رأيت
ظلال النخيل في دجلة الساكن الذي يبدو عند الغروب كأنه
المرآة المجلوّة! يا لدجلة! ماذا فى نفسه من ذكريات؟ لقد كان
أمس يمشي في ظلال الإيوان المشمخرء ثم عاد اليوم يمشي .
على أطلاله الموحشة. ولقد كان يبصر قصر المتوكل العظيم في
سر من رأى» فرجع لا يرى إلا أنقاضاً خالية فوق أنقاض... له
الله كم يذكر وكم يتألم!
فقال صديقي: آه لو كان دجلة شاعراً!
قلت: أفليس على طرفي دجلة شعراء؟ فكم ديواناً نظم
في دجلة؟ أما لو كان دجلة جارياً في أرض الفرنسيين أو
الإنكليز إذن لملؤوا به الدنيا شعراً.
١6
قال: هذا صحيح. إنا لا نعرف مقدار ما نملك. إنه لم يبق
حادثة في تاريخ فرنسا أو إنكلترا ولا بقعة في أرضهما إلا نظم
فيها الشعراء وألف القصصيونء ونحن نملك دجلة والنيل ولبنان
ودمشقء وعندنا تاريخ ثلائة عشر قرناً يفيض بالبطولة والعظمة
والمآسي والمباهج» فماذا وصفنا وماذا ألفنا؟ لا شيء يُذكر!
فتألمت وحرّت فى نفسى هذه الحقيقة» فأحببت أن أبدل
طريق الحديث فقلت للشيخ: ألا تخبرنا ما أمتع ذكرياتك فى هذا
النهر؟
فاهتز الشيخ وقال: تحب أن أحدثك عن أمتع ذكرياتي؟ آه!
ماذا أذكر لك؟ لقد قضيت سبعين سنة من حياتي أروح وأغدو
فى هذا النهرء منذ كان عمري... منذ كان... لقد كنت دون
العاشرة حينما جربت أن أمسك المجداف بيدي الصغيرة» فكان
أبي يشجعني ويستثير حماستي» ولم أخرج بعد ذلك من النهر.
لقد شهدت فيه الخريف والربيع والصيف والشتاء» وأيام الصحو
وليالي المطرء ورأيت كثيراً: حكومات مختلفات وثورات
وحروباًء وركب في زورقي آلاف مؤلفة من الناس» فرأيت الغنى
والفقير» واليائس الذي يف بآلامه إلى حضن النهر يلجأ إليه فى
ضيقه ويذيب ألمه في جماله» والعاشق الذي يبتغى الخلوة بمحبوبه
بين السماء والماء. ورأيت أشرافاً ومجرمين» وكباراً وصغاراًء
وطربت وحزنت» واستقبلت أولاداً وأحفاداً» وودّعت راحلين
إلى حيث لا يعودون... فعم أحدثك؟ وماذا أذكر لك؟
وسكت الشيخ يفكرء ثم صاح وقد علت وجهه ومضة
١7
خطت نورها على جبينه المجكّد. قال: لقد عرفت» لقد عرفت.
إنى -مهما رأيت ومهما شاهدت- فلن أنسى حادثة هى أعمق
في نفسي من كل ما مر على من حادثات الليالي» إنها أمتع
ذكرياتى. لقد كنت ليلة من يلي ١ الخريف» وقد بكر البرد
فاترويت 0 ذلك القصر أتقي زمهرير الليل. ألا ترى إلى
قلت: البرلمان؟
قال: لقد كان فيه -يومئذ- مولانا الملك فيصل رحمه الله
وأسكنه فسيح جنانه» فوقفت أنتظر رزق الله حتى اتتصف الليل
ولم يجى أحد فتسرب الملل إلى نفسي فانطلقت أغني. .. وإذا
أنا بشبّاك يُفتح فوق رأسي ويبرز منه رأس» فسكت وتأملته» فإذا
هو رأس رجل مهيب قد عدا طور الشباب» فانتظرت أن يؤنبني
على أن أزعجته عن منامه بغنائى . وهل يليق بمثلي أن يغني تحت
شبابيك الملك بعد نصف الليل؟ ولكنه لم يعتب ولم يلم وإنما
قال لي بلهجة حلوة: مساء الخير يا عم
قلت: مساك الله بالخير يا بني. لا تعتب عليء لن أغني بعد
الآن. لقد كانت خطيئة... من الملل. ماذا أعمل يا بنى» دعها
لله.
قال: لا؛ أبدأء بالعكس: لقد سررتني. إني مصاب بالأرق.
فص فضحكت وقلت: أنا والله كذلك, ولكني شيخ كبير والشيخ
لا ينام» أما أنت فلا ترال شاباً.
١/١
قال: ولكنها الهموم... هموم الحياة.
قلت: وماذا تشتغل أنت هنا؟
قال: خادمء خادم لكل الناس. وعندي عيال.
قلت: لعلك محتاج إلى مال؟ لا تفكر يا بني. الرزق مقسوم؛
الذي لك سيأتيك.
قال: ولكن... آه. صحيح! كله قُسم. الحمد لله.
محتاجء وأخذتني الشفقة عليه وانتويت -والله يا بني- مساعدته
في الظلام» فإذا أنا أملك ستة وتسعين فلساً.
قلت: هيه؟ ما اسمك؟
قال: لك أن تدعونى عبد الله.
قلت: يا عبد الله» نحن أخوان في الإسلام» فلا تخجل
منى. خل هذه خمسون فلساًء أنفقها على عيالك إلى أن يفرج
الله وأنا آخذ منك عندما أحتاج. لا تحمل هماًء الرزق على الله.
فمدّ يده فأخذها ولم يقل شيئاًء ولكني رأيت الدمع... إي
والله» رأيت الدمع يترقرق في مآقيه.
كذ ند كت
وانعقدت الصداقة بيننا وتوتّقت» فكان كلما أرق نادانيى»
١و7
إليه وفاضي» ويبثني ويشكو إلي. ورأيته قد يسر الله عليه» فكان
يعطيني الدينار والخمسة والعشرة» ثم يحتاج فيأخذ مني. ولكنى
لم أكن أملك إلا عشرات من الفلوس فأدفعها إليه» فيأخذها
باسماً.
وكنت مرة أناديه» فما راعنى إلا شرطى مخيف الطلعة
عابس باسرء يقبل علي وشواربه ترقص من الغضب وصوته يغلب
صوت الزورق البخاري الذي يحمله. قال: أتصرخ أمام قصر
الملك أيها الوغد؟ اذهب معى حتى أريك.
قال: إلى دائرة الشرطة.
قلت: أنا فى عرضكء أنا فى جوارك. عمري ثمانون وما
دخلت دائرة حكومة» أفأدخل الشرطة مثل المجرمين بعد هذه .
الشيبة؟
قال: اخرس» «زمال»(20. امش معي بلا كلام فارغ.
وجذبني» فجعلت أبكي ولم أجرؤ على نداء عبد الله كيلا
يُطرد من عمله بسببى فأكون أنا الجانى عليه» ولكنه سمعني وفتح
شبّاكه: فلما رأيته خفت عليه فجعلت أغمز بعينى وأشير إليه أن
يدخل فلا يفهم» فقلت له: ادخل.
)١( الزمال: الحمار في عاميّة العراق» والزاملة في اللغة الدابة.
تفن
فانتبه الشرطي وقال: من هو الذي تخاطبه؟
قلت: لا أحد.
قال: والله لتقولن أو لأفعلن بك الأفاعيل.
فخشيته والله على نفسي» فقلت: أكلّم عبد الله خادم القصر.
اسم اتسامة منكرة» ثم حرق الوم علي" وصرخ بي
لقد عرفت أيها اللصء إنكما تسرقان من القصر! سأريك أنت
وهذا الخادم الخائن ما جراء من يسرق مولانا الملك.
ورفعت رأسى فوجدته فى الشباك فهمست به أن ادخل,
ادخل يا مغفل.
صارت عيناه في رأسه وفتح فمه من الدهشة» ثم رفع يده بالتحية
العسكرية بعنف وشدة حتى مال به الزورق» ووقف ينتظر.
فقال له: ماذا تريدون من صديقى؟ دعه واذهب.
فعاد إلى التحية» وأقبل على يعتذر ويقبل يدي ويسألنى
العفو عنه» فقلت له وقد تأثرت لمشهد تذلله: اذهب يا بنى»
اذهب. الله يسامحك.
فذهب المسكين وهو لا يصدق بالنجاة» ووقفت حائراً
لاأفهم من ذلك شيئأء حتى أخرج صديقي رأسه: فقلت له: إيش
)1( الأرّم هي الأضراس» وقولهم: حرق فلان عليك الأرّم: أي حك أضراسه
بعضها ببعض من الغيظ (مجاهد).
١ >72
هذا يا عبد الله؟ «إيش لون» صرفته؟ لقد خاف منك كأنك الملك.
قال: هذا من فضل الله.
قلت: ولكنه يريد أن يسوقك إلى السجن» 0 أخشى
عليك.
قال: لا؛ لا تخف.
وعدنا نتسامر.
كدير ين نا
وكنت يوماً أسير في شارع الرشيدء وإذا أنا بصديقي عبد
الله يسير وحده» ففرحت بلقائه وهرعت إليه فحييته وسألته إلى
أين يمشي )2 فقال بأنه يريد الياب الشرقي. قلت: ولم تمشي؟
اركب «باصاً». إذا لم يكن معك فلوس فخذ مني» معي بحمد
الله.
سيارة أسوقها بنفسى فأصابها عطل عند «رأس القرية»» فتركتها
وسرتك.
قلت: ألا تخاف أن يسرقها أحد؟
قال: لا؛ إن الشعب يحبنى كما أحبه.
له مُلكاّء وأقام له دولة» وجعل له فى الممالك المستقلة ذكراً؟
رحمه اللهى رحمه الله.
قلنا: ذلك هو الملك فيصل؟
قال: وعمّن أحدئكم؟ لقد كان الملك نفسهء ولكني
-لغباوتي وغلظ قلبي- لم أعرفه. أوّهل سمعتم بملك يكون مع
مثلي فلا يُشعره أنه فوقه» وإنما يستدين منه فلساً ويعطيه ديناراًء
ثم يكون مع الملوك فيشعرون من أنفسهم أنه فوقهم؟
سرت معه في الشارعء فما راعنا إلا الناس ينظرون إليه
بعيون تفيض بالحب والإكبارء ثم يحيونه ويفتحون له الطريق
ويمشون خلفه. وينظرون إلى فيعجبون منى إذ أتكئ على ساعد
الملك. إنه يسندني ويعينني لأني شيخ كبير لا أطيق المشي...
فلما بلغنا الياب الشرقي رأيت الحند قد وقفوا لتحيته وصاح
قلنا: ثم ماذا؟
نفسي بحديثء إنى عرفت أنه. الملك.
واغرورقت عينا الشيخ بالدموعء فترك الزورق يمشي مع
الماء ساكناً هادئاً -وكان الليل قد غمر النهر والشاطئين بسواده
الفاحم- وطفق يقول همساً كأنما يناجي نفسه: رحمهة اللهى
رحمة الله. لقد كان رجلا.
١/1
جبل النار
نشرت سنة ١5178
لما سمع الساعة ة تطن انتبه لهاء فلما أيقن أنها «الثانية» وثب
من الفراش ومشى إلى الشرفة فأطل منهاء فمس وجههّه نسيم
السحر الناعش» فجعل ينشق منه ويعب عباً ويملاً رئتيه» حتى إذا
روي منه نظر إلى المدينة فرآها نائمة» لا يُسمع في رحابها صوت
ولا يلمح خلالها نورء فاطمأن إلى هذا السكونء وأدنى منه
كرسياً فجلس عليه متلفعاً بعباءته.
وجعل يحدّق ذ فى الطريق كأنه يرقب طارقاً يطرقه» حتى
طال عليه الانتظار وخيل إليه أن الفجر قد سدت عليه المسالك
أو حيل بينه وبين الطلوع, ورأى الليل ثقيلاً فأحس كأنه منيخ
عليه بثقله» وزاده ضيقاً أنه جالس في الظلام لا يستطيع أن يوقد
السراج لكلا يوقظ أهله فيفسدوا عليه الأمر الذي انتواه واعتزمه
وهجر -لأجله- فراشه وجلس في شرفته يرقب رفيقه الذي
يسعده('2 على تنفيذه.
ولم يكن -في الواقع- نائماء ولم يخالط النوم في هذه
)١( أي يساعده.
١ اا
الليلة جفنيه» وإنما اضطجع ساعة أول الليل يوهم أهله أنه نائم»
فلما اطمأن إلى أنهم هجعوا نهض نأعد ثيابه وهيأ عدته ثم
استلقى على الفراش يحلم بالحياة التي يقدم عليها ويفكر فيهاء
حتى لقد أصابه من السهر والفكر صداع أليم لم يكن له بمثله
عهد. وكان عرفان أصغر أبناء أبيه الغني المترف وأدناهم إلى
قلبه؛ وكان لأمه عطف عليه ليس لأحد من إخوته الكبار مثله؛
فكان الصبيّ المدلل المحبوب الذي إذا سأل أعطي وإذا أمر
أطيع» » وإذا أبى شيئاً لم يكن وإذا أراد شيئاً كان» وإذا اشتكى
اضطربت الدار وأسرع الأقرباء ودُعي الأطباء... وكان عرفان
-على هذا- ذكياً مهذباً متقدماً في مدرسته مجلياً بين أقرانهء
وكان في الرابعة عشرة ولكن جسمه القوي جسم فتى أناف على
السابعة عشرة» وكان ديّناً صيّاً نشأ على طاعة الله وأقام الصلاة
وآتى الصدقة» وما تعمّد منكراً من الفعل ولا زوراً من القول»
فكان عرفان -بهذه المزايا- زهرة اللّدَات وزينة الفتيان.
أما الفتى الذي ينتظره عرفان فهو رفيقه مختار» وهو قروي
في السابعة عشرة من عمره» أسمر شديد السمرة ولكنه جميل
الصورة دقيق الملامح جذاب» وكان شجاعاً صاحب دين
وشرفء عرفه عرفان في المدرسة طالباً ممتازأء فلم يلبث أن
جعله رفيقه وصفيّه وخليله المصطفى وصديقه المختار.
ده تن
لبث منتظراً على الشرفة حتى بدت طلائع الفجر» فأدركه
اليأس وخامر نفسه ألم الخيبة» فأزمع أن يمضي وحده. وألقى
١724
على الطريق نظرة الآيس فإذا هو بمختار» مختار بعينه... فكاد
يطير من الفرحء وأشار إليه أن ينتظرء وحمل عدّته ومشى على
رؤوس أصابعه يبتدر الباب» فلما مر بإخوته وهم نيام أدركته
العاطفة» فخاف أن يغلب عليه حبه لهم وتعلقه بأبويه فحبس
العاطفة في أعماق نفسه واستودعهم الله؛ إلى... إلى غيرما
رجعة؛ فما يعلم أحد إلا الله ماذا يكون نصيبه من هذا السفر.
ومضى هو ورفيقه يجتازان أزقّة البلد حذرَين يترقبان لا
ينبسان بكلمة» حتى إذا صارا إلى الفضاء وأمنا بعض الأمن قال
مختار: ماذا تظن أباك فاعلاً إذا هو تيقظ فلم يجدك في الدار؟
فلم يجب عرفان» وإنما كان يصغي إلى صوت المؤذن
يمشي في سكون الليل مشي الغناء في الأعضاءء فتترنح منه
الأشجار طرباً ويؤخذ به الكون مفتوناً... ويردد ما يقول المؤذن
بصوت خافت» ولكنه مملوء بالإيمان والثقة بالله: «حي على
الصلاة» حي على الفلاح. الله أكبرء الله أكبر». فأصغى إليه
مختار وجعل يردّد الحوقلة والتكبير» فلما انتهى الأذان وشمل
الكونَ السكونُ كرة أخرى مالا إلى رحبة قريبة فوقفا يصليان.
وكانا -كما وصفت- شابين ديّنين تقيّينَ» فنسيا حين صليا الدنيا
بما فيها.
ولما انفتلا من الصلاة سارا صامتين يذكران الله سراًء
وكأن هذا الشعور السامي الذي ملكهما وهذه المراقبة التي أقبل
عليها قلباهما قد أحالتهما من طالبين صغيرين إلى مسلمين من
المسلمين الأولين» الذين عرفوا الله وأدركوا غاية الحياة» فصاروا
17
سعداء إن عاشوا لأنهم يعيشون لهذه الغاية وسعداء إن ماتوا
لأنهم يموتون في سبيل هذه الغاية... وأي رجل يذوق حلاوة
الإيمان ثم لا يرى نفسه أكبر من الدنيا؟ وما الدنيا عند الله إلا
جناح بعوضة؟ أفليس أكبر من جناح بعوضة؟ ومن يعرف الإيمان
ثم يتعجب من المسلمين الأولين حين خرجوا ليفتحوا الدنيا
بسيوف ملفوفة بالخرقء» ويقابلوا ملوك الأرض بطائفة من البدو...
أو يعجب من هذه الفئة من أهل فلسطين حين تقاتل0© أعظم دولة
في التاريخ الحديث» ولو اجتمع أهل فلسطين كلهم بنسائهم
ورجالهم وأطفالهم ما ملؤوا حيا واحدأ في عاصمتها؟ لا. لا
تعجبوا من ذلك» بل اعجبوا من مؤمن لا يرى نفسه أكبر من أكبر
دولة في الدنيا وهو جندي في دولة الله ودولة الله أكبر من كل
دولة» لا إله إلا هوء له الملك وله الأمر وإليه ترجعون.
كذ يذ كنا
وابتعدا عن البلدة وهما صامتان لا يتكلمان» وعرفان يفكر
في أبويه اللذين خلفهما يتجرعان الغعصص لفقده. ثم يذكر
الواجب عليه فيطمئن إلى أنه أحسن صنعاً حين خرج مجاهداً في
سبيل الله. ولكن عاطفته لا تهدأ ولا تقرء فيحاول أن يتسلى بهذه
المناظر الفتانة التي تبدو له فى هذه الغداة الباكرة فى غاية
الجمال» فلا يسليه شيء فيندفع يغني بصوت خافت حزين هذه
الأغنية المعروفة: «يا والديّ سيصدع موتي فؤاديكماء وستسكبان
الدموع غزاراًء ولكن تراب قبري سيجفء فتجف معه دموعكما
.1915 أي في سنة )١(
ويلتكم صدع قلبيكما... وأنت يا أختي» ستنسيك الأيام ذكرى
أخيك الشهيد وستمحي سطور الحرن من صفحة نفسك...
وأنت يا جدي الشيخ» ستنسى حفيدك الفقيد... ولكن أخي لن
ينساني. أنت يا أخي ستظل ذكراي بين عينيك حتى تثأر لي من
قاتلي؛ وتنضح قبري الجاف بدم القاتل... وأنت يا أخي الأصغرء
لن تنساني حتى تضطجع إلى جانبي».
فلا يختم أغنيته حتى تلعب هذه الخاتمة الشجية التي تحط
على النغم «الأصيهاني» بقلب مختار فتثيره وتهزه فيقول لعرفان:
ولكنك جرّعت أبويك كأس الآلام» فشرباها منذ اليوم حتى
الثمالة.
فيجيب عرفان حزيئاً واهياً: أعرف ذلك.
وتكون فترة يصمتان فيها فلا يُسمع إلا وقع أقدامهما
الَجلة على حجارة الطريق الوعر المهجور الذي تخيراه. ثم
يقول عرفان: أعرف أني جرّعت أبي كأس الأحزان» ولكن ماذا
أصنع؟ أليس لله علي حق أكبر من حق أبي علي؟ أنسيت -يا
مختار- ماذا قال مدرّس الدين حين شرح لنا قول نبينا محمد وَفوٌ:
«من لم يغرٌ ولم يجهّر غازياً ولم يخلف غازياً في أهله بخير أصابه
الله بقارعة قبل يوم القيامة»» والحديث الصحيح: «لا يجتمع على
عبد غبارٌ في سبيل الله ودخانُ جهنم» والحديث الآخر: «مَكَلَ
المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القانت بآيات الله لا يفتر من
صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد»؟
ألم يقل لنا إن الجهاد في هذا العصر أفضل منه في العصور
١4١
الأولى» لأنهم كانوا يجاهدون ليضمّوا إليهم إخواناً وبلاداً ونحن
نجاهد لندفع عن أنفسنا وبلادنا؟ والجهاد فى فلسطين أفضل منه
في البلاد الأخرىء لأنه لم تُمْنَ بلدة بمثل ما منيت به فلسطين»
حين دخل عليها اللصان» فلبس أحدهما جبة الحاكم فقضى
وكان خلاصة الأمر كله أن تقول للمالك: قم فاخرج من دارك
لنعطيها لهذا السارق» أو... أو نهدم دارك ونقطع رأسك!
رحمه الله» هذا ما قاله بالحرف. لقد كان..
- لقد كان؟ أتعنى أنه مات؟
- لا. ولكن سّفح دمه على أرض الحرم الأقدس.
؟؟
- لقد شنقوه لأنه حمل مسدساً.
- أوّلا يرون «أولعك» يحملون المسدسات والمسبّعات
جهاراً نهارأء فلم لا يشتقونهم؟
- «أولعك» من الشركاء. ولكن ما لنا تتألم؟ من كان مع
الله فلا يحرن» أنشكٌ في وعد الله؟
- لا والله ما شككت» ولكني أفكر في أستاذي رحمه
الله . أيشئق عالم جليل فلا يتحرك له أحد؟ وهؤلاء القادة المسلمون
الذين يحملون راية الدين ويملكون الحول والطول وتسير بإمرتهم
الجيوش... أما في أضلعهم قلوب تعرف الإيمان فتحركهم إلى
نصرة المظلومين؟
١8
- ولمّه؟ وهل ضعفنا أو جَبنا؟ إن هذه البلاد -يا صديقي-
متعودة) متعودة الحرب. ألم ترد جحيوش أوربة كلها في يوم من
الأيام؟ فماذا ينقص الأبناء عن الآباء؟ أنسينا؟ إن نسينا ذكرتنا
بتاريخنا هذه الجلاميد وهذه الأصلادء وذكرتنا أجنادين وذكرتنا
حطين واسم صلاح الدين؟ إن الأرحام التي ولدت صلاح الدين
إن الله يُدافعُ عن الذين آمنوا» فلتدافع عن «أولئك» الدولة
صاحبة الأساطيل أو فليدافع عنهم الإنس والجنء إن الله يدافع
- ولكني أخشى عليك يا عرفان. أنت ابن الترف والنعيم»
نشأت تتقلب في ثياب الحرير وتنام على ريش النعام» فكيف تنام
غداً على الحجر والمدر وتصبر على الجوع والعطش وتحمل
لذع الشمس ووقع الرصاص وحر السيوف؟ إنها الحرب يا
أخىء إنها الحرب؛ ليست جولة كشفية: إلى اليمين در» إلى
الأمام سرء ثم تعود إلى بيتك فتجد حمّامَك مسكمناً وطعامك
مهيئاً وفراشك موطأ. إنها الحرب ليست هزلاً ولا لعبأء أفتستطر
أن تمضي يومك في الكرّ والفر بين القنابل المتفجرة والرصاص
المتساقط كوابل المطرء ثم تقوم الليل كله بلا طعام ولا منام؟
- لست أدري يا مختار» وما جربت ذلك. ولكن الذي
أدريه هو أني خرجت مجاهداً في سبيل الله. ألم يقل لنا مدرس
الدين» ذلك الشهيد المرحوم: "إذا دخل العدو أرضاً للمسلمين
صار الجهاد فرض عين على كل مسلم ومسلمة كفرض الصلاة”؟
أنسيت الحديث الذي علمنا إيّاه «سئكل رسول الله كله عن الرجل
1١م7
يقاتل شجاعة ويقاتل حميّة ويقاتل رياء» أي ذلك في سبيل الله؟
فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله».
ونحن خرجنا لإعلاء كلمة اللهء لا لِدُنيا ولا لمال ولا لجاه ولا
دفاعاً عن حسب ولا أرض ولا وطنء فإذا متنا فنحن الشهداء.
أنسيت الحديث الآخر؟ إني لا أزال أحفظه. رحم الله أستاذنا.
- قوله يلِهّ: «ما أحدٌ يدخل الجنة يُحبّ أن يرجع إلى الدنيا
وله ما على الأرض من شيء. إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى
الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة».
- لا؛ لم أنسّه. ليتنا نموت شهداء! اللهم اكتب لنا الشهادة.
وملكهما حماس طاغء فأسرعا وهما يُنشدان أنشودة
الموت التي يحفظها المجاهدون كلهم ويلقونها بنغمة تهتر لها
أوتار القلوب كلها: «أيتها العصافير... طيري إلى منازلنا وبلغي
الأمهات والأخوات أننا متنا فى سبيل الله» ومن أجل فلسطين...
قولي لهن: أجسادنا لن تسكن اللحود الضيقة ولن تحويها الأرض
المظلمة» ولكنها ستسكن بطون القشاعم والنسور المحلقة في
شعاع الشمسء» وبطون الذئاب الشاردة فى الفضاء الأرحب...
أما أرواحنا فسترقى إلى جنان الخلد... أما أسماؤنا فستكتب فى
تاريخ البطولة بأحرف من النور... أيتها العصافير» طيري إلى
منازلنا فبلغي الأمهات والأخوات إرادتنا الأخيرة: هى أن يهيئن
أطفالنا لخاتمة خيّرة كخاتمتنا».
1:
سارا سحابة نهارهماء فبلغا قرية مختار في الساعة التي
يعود فيها الرعاة من الجبال وتردحم فيها النسوة على الينبوع.
وكان التعب والجوع قد هدًا عرفان هذأء فاتجه به مختار إلى
أكبر دار فى القرية» وكانت تلك دار مختارء فجاز به بوّابة من
الحجر إلى ساحة واسعة فيها فَرسان كريمان مرتبطان وثلاثة من
الإبلء وفي وسطها تل من العلف. فمشى به خلالها حتى انتهى
إلى باب الدار فقرعه: فخرج صبي في التاسعة عرف عرفان -منذ
نظر إليه- أنه أخو مختارء فقد كانا متشابهين حتى ليصعب على
المرء أن يفرّق بينهما لولا السن» فصاح به مختار: أين أبوك يا
نوري؟
قال: لقد ذهب في هذا الصباح إلى الجبل. لقد علم الثائرون
بأن حملة كبيرة لم يروا مثلها ستتوجه تلقاء الجبل.
فلما سمع ذلك عرفان نسي تعبه واستعاد نشاطه وأحس
بقلبه يرقص في صدره فرحاً بالمعركة) وصاح بمختار: هلم بناء
- حاضرة! لقد اشتريت لك خير أنواع البنادق وأعددت
لك مئتى رصاصة:. والخيل مربوطة فى الساحة. اذهب يا نوري
فَمُرْ حمدان أن يعد الخيل وهات البنادق.
فوثب الصبي ليذهبء ولكن امرأة في الأربعين من عمرهاء
سافرة على طريقة الفلاحين (هذا السفور المحتشم الذي نرجو
أن نستبدله بهذا التبرج الفضاح الذي نسميه -في الشام-
حجاباً!) استوقفته وأقبلت على ابنها تقول: ادخل أولاً.
١5
فأطاع مختار» ودخل معه عرفان ينظر إليها وهي تعانقه وقد
انفجرت بالبكاء؛ قال: أتبكين يا أماه؟
- لاء لا. ولكنى لا أدري هل أراك من بعد أو لا؟
- ولكن ما بالك يا أماه؟
- لا شيء, لا شيء» أستودعك الله. وهذا الذي معك» من
هو؟
- هذا صديقى عرفان,» ابن الوجيه الكبير «ل».
- آم وأنت أيضاً يا حبيبي. أهلاً وسهااٌ. شرفتنا يا بني»
اللهم. احفظ وسلم.
- أشكرك يا خالة وأستودعك الله.
- ماذا؟ أتذهبون؟ لا والله؛ لقد مشيتم النهار بطولهء
أفمجنونة أنا حتى أدعكم تصلونه بالليل؟ لا والله. بل تنامون
وتذهبون -إن شاء الله- في الصباح مع من بقي من رجال القرية.
- ولكن يا سيدتي...
- لا والله» لا أدعكم تقتلون أنفسكم. لو كانت هنا أمك
أكانت ترضى عن ذهابك الآن؟ أنا مثل أمك يا حبيبي. إن رفيق
ابني هو ابني» ثم إن المجاهدين» بل المسلمين كلهم؛ أسرة
واحدة.
ودخلت فتاة صغيرة أصغر من نوري وبها من أخويها مشابه»
امنا
غير أنها أدنى إلى البياض. وكانت ملتفة بمنديل أحمر يزين
أطرافه طراز أصفر من القصبء» فلما رأت الفتى وقفتث
وأحجمتء فصاحت بها أمها: ادخلي يا بنتي» هذا أخوك عرفان
ذاهب إلى الجهاد. رحبي به ثم اذهبي فأعدي الطعام» هيا حالاً.
وأنتما فائرعا ثيابكما واغسلا وجهيكما وأيديكما. قم يا نوري
فأعد الماء وصب عليهماء ثم اذهب فساعد أختك. هيا يا بنت»
أسرعي؛ إنهما جائعان.
نال التعب والسير الطويل وسهر الليلة الماضية من عرفان»
فلم يكد يضع رأسه على الوسادة حتى انحدر إلى قرارة نوم عميق
لم يفق منه إلا سحراً حينما أيقظه مختار ليمشي إلى الجبل.
فنهض مسرعاً فتوضأ وصلى الصبح, ثم لبس الثياب التي دفعها
إليه مختارء وأدار العقال على رأسهء ثم حمل بندقيته واستوى
على ظهر فرسه ليمشي إلى الجهادء وهو يحس لفرط سروره أن
الدنيا -على رحبها- أضيق من أن تسعه.
كان يظن أن الحرب من السهولة بحيث تكون كما قرأ فى
«قصة عنتر») فكان يتخيل أبداً كيف يبرز بعد ساعة إلى الميدان
وينادي: أنا عرفان... فيصول ويجول وينازل الفحول» ثم يهجم
على الآلاف المؤلفة» فيقتل الرجل ثم يحمله فيضرب به الآخرء
ويطعن الطعنة قتصرع الفارس وفرسه» ويضرب الضربة فتخترق
الهامة وتقطع الدرع ثم تنرل إلى السرج فتقدّه هو والفرس قذاً.
خرج الرجال من القرية وهم قريب من مئة» فيهم عشرون
١ /ام
فارسأء فسلكوا الشعاب الوعرة لملا يلقوا على الطريق المطروق
ما يعوقهم عن غايتهم. وكانت وجهتهم جبل النار» فانطلقوا
ينشدون أنشودة النار بصوت خافت كانت تضطرب له الجلاميد
وتتوارى منه الأودية الرهيبة فرعاً... الأنشودة التى معناها:
يا جبل النار...
هل درى من سمّاك في أول الزمان «جبل النار» أنها ستخرج
منك الثار التي ترهق البغي والظلم والاستعمار؟ يا جبل النار...
هل درى أن هذه الفئة من أبطالك ستأكل جحيوش الدولة
ذات الأساطيل»؛ كما تأكل التلّ من الحطب شعلةٌ واحدة من
النار؟ يا جبل النار...
هل دريت -أنت يا جبل النار- أن الأجيال الآتية ستتخذ
منك حرماً للحرية مقدساًء فتكون الشارة الحمراء والمنار للسارين
في طريق الجهاد يا جبل النار؟
يا جبل النار؛ صخورك الجحيم المتوقد في شعاع الشمس»
ولكن الله الذي وطأ لنا ذراها وسهل لنا صعابهاء وأسكننا منها
أوكار النسور وزبى السباع هو الذي أحال نارها برداً علينا
وسلاماً؛ فأنت جحيم الأعداء وأنت جنة لناء فهل اجتمعت إلا
فيك الجنة والنار؟ يا جبل النار...
فيا جبل النار» ثرْ واضطرمء وليمتد لسان لهيبكء ولْيَسُفْه
رياح الشرق نحو الغرب» وليحرق دور الظلم ومعاقل الاستعمار
ولو سبحت في البحار» يا جبل النار...
١84
المحرقة) نحن اليركان المتفجر نحن الحمم المتوقدة) فمنذا
يمد يده إلى الجحيم ليأخذ منه جمرة؟ أنت اليوم حطّين؛ وكلنا
فخ يم فن
كان عرفان ينشد الأنشودة وهو رافع رأسه زهوأء يظن أنه
أوتى الخلافة أو أنه غدا خالداً أو قتيبة أو طارقاً! كان -وهو في
اداره- يخشى أن تصيبه شوكة» ويألم إن نفحته نسمة باردة»
ويفزع من ذكر المرضء فما باله الآن لا يجرع من الموت؛ بل
هو يسعى إليه ويريده ولا يأمل إلا الشهادة في سبيل الله؟
لقد هان عليه الأعداء وصغروا في نظرهء حتى لقد خالهم
الذباب أو أسراب النمل حينما وقف القوم وراء الصخور العالية
ونظروا إلى الحملة وهي تجتاز الطريق البعيد كأنها خط أسود لا
يبين له أول من آخرء ولقد كان الجندي الواحد يراه في بلده
أكبر في عينه من هؤلاء جميعاً.
ورأى القوم يطلقون النار فأخرج بندقيته فأطلق منها الرصاصة
رجلاً حقا ومجاهداً صدقاًء وودٌ لو يطير إلى الحملة حتى يسقط
عليهاء ولكنه كف حين كف القوم ورأوا أنهم لن يصيبوا عدواً...
وساروا في طريقهم إلى الظهيرة والحملة تبدو لهم عن بعد ثم
تختفي وراء الصخور كأنما كانت تسايرهم أبداء وطفقوا ينظرون
إليها فيرونها ثابتة لا تريم مكانهاء حتى إذا أصبحت عند مفترق
١8
الطرق وبلغت سفوح الجبال وأقبلت تتسلقها رأى القوم الزلزال
ترلزله الأرض من تحتها فتخرج أثقالهاء وينقلب عاليها سافلهاء
ويمتلئ الجو بالدخان. وكان ذلك كله في لحظة سمعوا على
إثْرها الدويّ الهائل الذي قصف فى الدنيا كأشد ما عرفت الدنيا
من رعود؛ فعلموا أن الثوار قد وضعوا «الألغام» على طول الطريق
وتركوا الحملة تسعى إلى حتفها بظلفهاء فتحطمت تحطيماً.
وعلموا أن المعركة قد انتهت وكفى الله المؤمنين القتال()
فارتدٌوا إلى القرية» أما عرفان فكانت تتقاذفه عاطفتان» الفرح
بالنصر المؤرّر والندم على أنه بات في القرية فلم يحضر المعركة
ولم تكتب له الشهادة في سبيل الله فيدخل الجنة.
كدر ين كا
بلغ عرفان وأصحابه القرية عند المساء فإذا كل شىء قد
كلها وأحرقت سقوفها وأبوابها ونوافذها. فتهوّس مختار وحن
فعدا فرسّه إلى داره. ولحقه عرفان وبه مثل ما بهء فإذا الدار
2 ءِ ع 2
أكوام من التراب» وإذا العلف قد أحرق والأشجار قد قُطعت»
0 نادي أخاه وأمه ويهيب بأخته » فضاع صوته في
وقد أدركه القبال حقيقة فلم بعد يقوى على التفكير بي شوج
وسلم أمره إلى الله. وتبعه عرفان ينظر كما ينظر فإذا هو يرى
(ويا لهول ما يرى!) نوري؛ ذلك الصبي صاحب العينين الفاتنتين
)١( رواية صدق عن شاهد عيان.
الدعجاوين... ملقى على باب المسجد قد مزقت حراب الأعداء
جسده الأبيض الجميل» وإلى جانبه أمه قد صرعتها رصاصة
فجذب مخبتاراً من يده حتى لا يرى» ولكن مختاراً أحسّ
بالأمر فنتر يده وأقبل ينظر فإذا هو يرى كل شيء. ضاع الباقي من
وعيه فانحنى على أمه وأخيه يقبلهما ويمرغ وجهه بدمائهما. ثم
نهض متهافتا» فتعاون هو وعرفان على مواراتهما. حتى إذا أقام
فوقهما شبه قبر (وما القرية -في الحقيقة- إلا قبر) وضع يده
المغموسة بالدم على القبر وأقسم ليتتقمن... وأقسم عرفان.
وتركا أهل القرية يدفنون الموتى ويرفعون أوراق المصحف
التي ألقيت على أرض المسحد وديست» وغادراها تصجح بيكاء
الأطفال الذين ماتت أمهاتهم بالبنادق والأمهات اللائي قُطع
أبناؤهن بالحراب» وعادا مع الرجال إلى جبل الحرية المنيع
ينشدون أنشودة الانتقام:
«إلى جبل النار إلى جبل النار».
وكان مختار «يصف» لهم بصوت يكاد يقطر منه الدم:
لقد غرست شجرة الزيتون يا أمي بيديك» وسقيتها كل يوم
لتقطفي منها الغصن الذي تجعلينه على رؤوس أبنائك في موكب
تحبهم مع زوجاتهمء فقطع الأقوياء الشجرة وهدموا الدار وقتلوا
الأطفال...
١4١
وهم يرددونث اللازمة: «إلى جبل النار» إلى جبل النار».
ع
- أرأيتم أخي نوري؟ لم يعد لعينيه سبحات مقلة ظبى
شرود» ولا لصوته رنة بلبل غرد. لقد قتلوه فها هي ذي جثته
ملطخة بالوحل والدم. لقد نام إلى الأبد على يد أمه التى ذبحها
الأقوياء المتمدنون...
- «إلى جبل النار... إلى جبل النار».
- أرأيتم كلام الله وبيت الله؟ لقد مزّقوا المصحف (وهو
كتاب الحق والنور) وداسوه بأقدامهه2". لقد استحلوا حرمة
المسجد (وهو دار السلام) وأقاموا فيه حرباً» فماذا تنتظرون من
البريئة؟ فإلى جبل النار.
- «إلى جبل النار... إلى جبل النار».
- هذه مأساة الأندلس. ولكنا لم ننس مأساة الأندلس بعد
ولن ندعها تُعاد أبداً؛ لا في فلسطين ولا في بقعة من بقاع
الأرض. وها نحن أولاء ذاهبون نحقق ما نقول.
- «إلى جبل النار... إلى جبل النار».
- يا أمى» يا أختى التي لا أدري أين قبرهاء اهجعوا فى
أمان؛ فكلما سُفك دم جديد نبتت في القلوب بغضاء جديدة.
كلاء ماءهى بالبغضاء! ما البغض؟ ما العداوة؟ إن العاطفة التي
)١( رواية مؤيدة بالصور الفوتوغرافية.
١5
يحتويها اليوم صدر كل عربي» بل كل مسلم» شيء أكبر من
البغض وأشد من الحقد وأبلغ من العداء. إنها عاطفة سوداء
مبهمة عظيمة مخيفة تتوارثها القلوب» فلا ترداد إلا سواداً وعظمة
ورهبة.
فيا جبل النار ثُْ واضطرم, وليمتد لسان لهيبك» وَلْتَسْفَهُ
رياح الشرق نحو الغرب» وليحرق دور الظلم ومعاقل الاستعمار
ولو سبحّت في البحارء يا جبل النار.
يا جبل النار» نحن أيضاً جبال من نارء نحن الأعاصير
المحرقة» نحن البركان المتفجر» نحن الحمم المتوقدة» فمنذا
يمد يده إلى الجحيم ليأخذ منه جمرة؟ يا جبل النار» أنت اليوم
حطين وكلنا صلاح الدين؛ يا جبل النار.
- «إلى جبل النار... إلى جبل النار».
تنخ يم كن
١57
هذيان مجنون
ذهبت منذ أيام أزور «المستشفى الإسلامي» الكبير الذي
تعاونت على إنشائه الجمعيات الإسلامية الأربع في دمشق دمشق (الغراء»
والهداية» والشبان» والتمدن)(2» فوجدته شيئاً عظيماً يرفع الرأس»
بناء ضخحماً يطل على الربوة من هنا ويشرف على سهل المزة من
هناك» قد قام حيث كانت تقوم تلك «القلاع العادية»» فكان من
تمام نعمة الله علينا به أن تخير له هذا المكان» فأبدلنا بعمارات
الموت وبنايات البلاء» تلك القلاع» هذا المستشفىء بيت الصحة
ودار الشقاء.
وجعل المدير (وهو شاب مسلم رضي الخلق واسع الخبرة)
يدور بي في المستشفى ويمر بي على شعبه» حتى إذا وصلنا إلى
جناح الأمراض العقلية قال لي: إن ها هنا مريضاً يلمّ علينا أن
ندعوك إليه» وهو لا يفتأ ينادي باسمك ويرجو أن يراك.
قلت: ومن هو؟ وما شأنه بي
قال: هو شاب مصاب بنوع من الهستريا (الجنسية)» وهو
يزعم أنه تلميذك وأنه وثيق المعرفة بك.
(') قيل إن هذا المستشفى لم يُنشأ بعد!
١
| فلم أحب أن أخيب رجاءه: وإن كنت لا أدري ما أصنع
له. وانطلقت مع المدير حتى دخلت عليه. فإذا هو شاب حديث
السن» شاحب اللونء» بادي الضعفء» شارد النظرات» مسججى للا
يبدو منه إلا وجهه. فتأملته... فإذا هو قد كان تلميذاً لي» وإذا أنا
أعرفه. فسلمت عليه فردٌ السلام» وابتدرني فقال لي: أنت أستاذي»
وإني أرتقب مجيئك. إن لى حاجة إليك.
قلت: مقضية إن كنت أقدر عليها.
ابتسامة... وقال: لقد نعشتنى وبشرتنى. إن الذي أريده منك هو
أن تعي حديثي وتدشره فى الناس» أفلا تقدر على ذلك؟
قلت: بلىء» أقدر إن شاء الله.
كن م كن
قال: لقد أردت أن أبتعد عن مرابع المصطافين ومواطن
الازدحام إلى بلد أطلق فيه نفسي على سجيتهاء لا أقيدها بقيد
عادة ولا وابجب محاملة فأممت بحيرة «العتيبة») ثم صعدت
«جبل عيرام» حتى بلغت هذه القرية المختبئة فى كنف واد عميق
لا يصل البصر إلى قرارته» يجري في بطنه نهر «العامون» متحدراً
هائجاً يقفز من صخرة إلى صخرة» فيكون له دوي وخرير ويعلوه
الزبد فتراه من خلال الأشجار -وأنت فى القرية- كأنه البلور
المذاب (إذا كنت قد رأيت في زمانك بلوراً مذاباً). ويحمى
هذا الوادي المسحور جبلان عاليان تنطح ذراهما النجمء وقد
١85
لبست سفوحهما وحدورهما ثوباً من الشجر أخضر توارت
خلاله هذه القرية.
واتخذت فيها داراً سلخت فيها شهراً من شهور الصيف»
لم أعرف السعادة إلا فيه» ولم أدر -حتى عشتّه- ما لذة العيش
وما الاطمئنان؛ فلقد كنت أغدو مع النور فأصعد في الجبل أحيي
الشمس البازغة حين تشرق على الدنياء وأهبط الضحى إلى بطن
الوادي فأتخذ لي مكاناً على صخرة عالية أو أقعد على حافة النهر
الفياض. وكنت في أكثر الأيام أضع طعامي في سلّة وأرتاد
المرابع» فحيثما استطيت المكان أقمت. وكنت أحمل معي
كتاباً أقرأ فيه مرة» وفي مصحف الكون أخرىء فأمتع النظر
بأعجب المشاهد وأد بهى المرائي »ثم أروح العشية إلى داري وقد
طفحت نفسي بصور الجمال وفاض جسمي بالعافية.
... حتى جاء ذلك اليوم الذي صب في كأس حياتي العلقم.
يذ تفن
لقد صعدت في الجبل على عادتى حتى جاوزت حدود
القرية» وقاربت ينبوع «البارة» وبلغت الغابة المهجورة التي تطيف
به» فما راعني إلا الحجارة تتساقط من حولي كأنها المنجنيق»
تنزل دراكاً تزول رصاص الرشاشات. فحرت لحظة» ثم وليت
هارباً أعدو ما أطقت العدو حتى وصلت إلى صخرة فاحتميت
بهاء وجعلت أنظر: ما خبر الحجارة؟ فأسمع قهقهة مرعبة»
فأحسب أنها الجن تروعني... ثم أرى امرأة تخرج من بين
أشجار الغابة وتسير حذرة تلفت ل فلما صارت قريبة مني رأيتها
١ /ا5
وهي لا تراني» فإذا هي سمراء محلولة الشعر» ذات جمال يروع
الناظر ويأسر القلبء» لها عينان سوداوان واسعتان... إذا نظرّت
بهما إليك أحسست بهما في الفؤاد» وجسم ممشوق قد لوحته
الشمسء وما عليها إلا أسمال بالية لا تكاد تستر إلا الأقل منهاء
فكأنما جسمها فيها البدر قد حجبته قطع من المزن الرقراق.
وقد وققّت كالغزال المذعور. لا أقولها كما يقولها الأدباء
المقلدون» بل أنا أعنى ما أقول» ولا أجد صفة هى أدنى إليها
وأعلق بها... وجعلت تنظر حواليهاء فلما اطمأنت ألقت حجارتها
التى كانت تحملها وقعدت على الأرض. ونظرت إليهاء فإذا
ذلك الغضب الفاتن يسقط برقعه عن وجهها ويسدل عليه نقاب
من الألم؛ الألم العميق الذاهل» فازدادت به جمالاً حتى لقد
تخيلتها في قعدتها تلك تمثالاً للجمال الحزين قد افتنت فيه يدا
عبقريّ وعقله... فخرجت من مكاني وسرت إليها متلصصاً
أسارق الخطوء حتى إذا كدت أصل إليها وأضمها أحسّت بي
فوثبت وئبة ابتعدت بها عني» ثم عَدَتَ تلقاء الغابة.
وجعلت أرتاد هذا المكان كل يوم أفتش عنها وأطلبهاء
حتى أنست بى واتصل بيننا الحديث... فسمعت لهجة فتاة
ليست من بنات القرى ولا من الجاهلات» ولكن حديثها حديث
المجانين! '
تند حنذة فنا
بكلام لا يعقل.
١5/8
قالت: إنى أفتش عليه. لقد دخلت المدن» وولجحت
المدارس» وبحثت في القصورء وطفت الملاهي, وتهت في
البراري» وضربت في الجبال» وجست خلال الخرائب» وسريت
وحيدة حيث لا تجرؤ النسور أن تطير... كل ذلك أملاً بلقائه.
قلت: بلقاء من؟
قالت: بلقائه... إني أحس بصوته أبداً يرن فى أذنى» وأرى
حيثما سرت عينيهةف وألمس أبدا جلده الدافئ» فأشعر كأن الكهرباء
تسيل في عروقي ويطفر شيء إلى عيني ولكنه يحتيس فلا أستطيع
أن أبكي.
قلت: منذ كم فارقته؟ وهل مات أو سافر؟
قالت: أنت مجنون... ما فارقته قط ولا اتصلت بهء هو
معي إذا قمتء ومعي إذا نمت. أبكي لآلامهء ويبتسم هو للذيدذ
أحلامي؛ ويغضب فيخفق قلبي» ويأكل فتذهب جوعتي» ولكني
لا أقدر أن أضمه إِليّ ولا أستطيع أن ألمسه ب بشفتي. ولو لم تكن
أعمى لرأيته» إن ريّاه في عبق كل وردة وصوته في كل أغنية:
وصورته في صفحة البدر وصفاء الينبوع وخضرة الروض...
قلت: فمتى عرفته؟
قالت: مذ كان لي قلب. لقد همت به منذ وجدته في
فكري؛ وقد ملا علي نفسي» ولكني لا أدري أين يقيم. إني أراه
في اليوم على ألف شكل» أرى في الرجل يمر بي عينيه» وأرى
ل
في آخر قامته» وربما استحال معنى من المعاني أحس به ولا
قالت: قلبي» يدلني عليه خفقانه. ألا تفهم» أليس لك قلب؟
هو الجمال كله فكل ما أرى من الجمال جماله.
٠ ثم سكتت وأرخت أهداب عينيها وغابت في ذهلة عميقة»
فدنوت منها وضممتها إليّ» فاستجابت لي وتعلقت بي» ووضعت
قلبها في شفتيها ووضعت قلبي على شفتي» ثم ذقت منها قبلة ما
أظن أن إنساناً ذاق مثلها. ٠
ولكنها انتتفضت فجأة» وألقت برأسى على صخرة فشحته
وانطلقت لا تلوي على شيء. ثم لم أرها... وإن لم تغب خيالتها
ولما خرجنا من حضرة المريض قال لي مدير المستشفى:
لا تصدق كلمة مما قال» إنه هذّيان مجنون لم يقع منه شيء.
قلت: إن آخر ما يهتم به الأديب أن يقع الحادث أو لا يقع؛
إني أكتب قصة لا تاريخاً» وحسبي ما في قصته من جمال
الوصفء وإن لم يكن لها مغزى وإن كانت هذيان مجانين.
قال: شأنك... أنت أدرى به.
كدخ تنم كنا
راهب الوادي
نشرت سنة ١91019
كنت في بيروت فمللت صخبها وضوضاءهاء وأحسست
أن قلبي جائع لا يشبعه إلا الجمال» ونفسي عطشى لا يرويها إلا
الحب. وتمنيت أن أعيش يوماً في هذه الجنة... التي تلوح
لساكني بيروت من شرف السماء كما تلوح الفراديس لعيني
العابد المتبتل» وتبدو لهم بذْرَاها المكللة أبداً بالثلوج رمزاً
للصفاء والطهرء وهامتها المرفوعة المشمخرة صورة للعظمة
والمجدء» وصخورها الهائلة التى تتلو على الدنيا سورة الخلود,
وسفوحها الحالية بأشجار الصنوبر والسروء التي تصف الحياة
الباسمة والحمال الباقي» وقراها الضائعة في الضباب العطر»
وغاباتها السكري بالتشيد الحلو | وشعابها ومساربها التي يمرح
فيها الحور العين والولدان المخلدون: آمنين في مثابة العشاق
وحمى المحبين» وأوديتها العميقة عمق السر في نفس الصبُ
المدله يحب أن يذيعه ثم يضنّ به فيخترنه في صدره» الرهيبة رهبة
الأزلية عند أبناء هذا الوجود الفاني» الساحرة سحر المجهول
الذي يحبه الناس بمقدار ما يخافونه.
وكانت الدنيا تخطر في حلل الرييع وكانت الطبيعة في
المستعجل» وذهبنا نصعّد في الجبل على غير ما طريق» بل لقد
تنكبنا الطرق عمداً ونأينا عن السبل المسلوكة والقرى العامرة
لنرى الطبيعة العذراء ونبصر الجمال البكرء .لا الذي ازدحم عليه
الواردون. فلم نكن نبلغ الذروة بعد طول الجهد ونحسب أننا قد
وصلنا حتى تظهر لنا من ورائها ذُرى وضهورء فنعود إلى التسلق
طرِبينَ» والطبيعةٌ (ويح الطبيعة!) تعرض علينا من فتونها ألواناً
وتغرينا بالحب ما وسعها الإغراء» فلم تلبث أن أيقظت في
نفوسنا بئات الهوى وشياطين الغرام» فإذا نحن نفتش في أثناء
نفوسنا عن ذكرى حب قديم أو أمل بحب جديد... وإذا نحن
نحس بهذه العاطفة المبهمة التي يبعثها الجحمال في النفوس
الشاعرة» فنرهد في المال والجاه والمجدء ولا نطلب من الحياة
إلا خلوة هادئة على صخرة من هذه الصخور نقضي فيها العمر
كله مع من نحب.
لبثنا صاعدين ساعات طوالاً» والطرق تَرْحُب بنا أو تضيق»
والقرى تبدو لنا خيالاتها كأنها الأمل الباسم يومض نوره من
خلال الألم الطاغي: وهي متكئة على أكتاف الصخورء أو نائمة
. في حجر الجبل نومة الطفل المدلل في حضن أمه الرؤوم.
والمشاهد تتبدل لنواظرنا أبداء فلا نترك جميلاً إلا إلى ما هو
أجمل» فلا ندري فيما نتأمل وأين ننظرء كالذي يشهد معارض
الفن الجميل فيحار أين يقف وعلى أي لوحة يلقي البصر...
إن لبنان معرض الفن العلوي الذي أبدعته يد الله» فمن لم
ير لبنان (لبناننا الشرقي النقي الطاهرء ولبنان القوم المرح الشاعر)
لم ير من دنياه شيئاً!
بلغنا من الصعود ما لا نطيق أكثر منه» فنظرنا إلى أقدامنا
فإذا تحتنا أودية وأودية لا ينال البصر أغوارهاء وإذا هى غارقة فى
الضباب ومحجوبة بالسحاب الذي علونا عليه فصار جريه من
تحتناء وإذا هى مهولة مخيفة» ولكنها سبيلنا ما لنا من الهبوط
إليها بدّ» بعد أن أضعنا الطريق وبلغنا هذه الذرى الخالية. فتوكلنا
على الله وأخذنا نهبط فرعين» ولم يكن ثمة من طريق» فكنا نشب
من الصخرة وننحدر في المسيل ونترحلق على الحصىء والوادي
العميق لا يزال -كما كان- غارقاً فى الضباب كأنه صورة مبهمة
لاحت لشاعر أو فكرة غامضة أومضت في رأس عالم. وكنا
كلما هبطنا درجة فتحت لنا صفحة جديدة من كتاب الجمال
السرمدي» فلا نكاد نقرأ منها حرفاً لأن لنا من حيرتنا وتعبنا
وفرعنا ما يشغلنا عن تلاوة آيات الجمال.
الوادي» فإذا هو خال موحش يبدو لنا كأنه قبر» وإذا الأشواك
والأزهار والأوراد قد حفّت به متشابكة مؤتلفة حتى لا سبيل إلى
بلوغه. ولم تكن قد مستها يد بشرية مدمرة فبقيت على طبيعتها
متعائقة لم يفسد ألفتها شيء ولم يعبث بجمالها عابث» فدرنا
حولها نفتش عن مجاز نجوز منه» فوجدنا -بعد لأي- طريقاً
ملتوياء فسرنا فيه نلتوي معه حتى بلغنا الأعماق.
كان الوادي ضيقاً عميقاً كأنه فجوة صغيرة» فنظرنا فى
جوانبه فلم نلق أثراً لإنسان» فرفعنا رؤوسنا فإذا نحن نبصر على
الجانبين جداراً هائلاً من الصخر لا يبلغ البصر أعاليه. وإذا نحن
في بكر عميقة نائية عن الدنياء لم تبلغها الحضارة بخيراتها ولا
ارين
بشرورهاء بعيدة عن البشر لم يصلوا إليها ولم يعلموا بهاء نأيقنا
أنا قد كشفنا سرأ من أسرار الطبيعة في هذا الجبل. وكم للطبيعة
فيه من أسرار لم يكشفها إلى اليوم أحد!
وملكتنا رهبة المكان فسرنا صامتين» وابتعدت عنهم أنقب
فى جوانب الفجوة» فإذا أنا بسلسال ماء يهبط من الذرى العالية
يقطع مئات الصخور والحدود حتى يستقر في هذا الوادي» كأنه
رسالة الحياة وهديتها إليه. فذهبت أتبع مجراه وأتقصى أصله.
فإذا أنا ألمح داراً متوارية وراء صخرة من الصخور الضخمة»
وإذا أنا أسمع صوتاً يختلط بخرير الينبوع ويرن صداه الخافت
الفاتن في سكون الوادي الضيق فيهز من القلوب حباتهاء فأعجب
من هذا الصوت وأقبل عليه على حذرء فإذا أنا أتبين فيه هذه
الأغنية اللبنانية الخالدة التي تحمل عبقرية الأجداد وصورة آلامهم
ومسراتهم وخوالجهم وهواجسهمء فيتلقاها الأحفاد ويزيدون
عليها آلامهم وآمالهم» فلا تنتهي أبدأء بل تبقى دائماً نشيد
الشعب» بل أغنية القلب: ع اليادل يادل يادل...
لطلع عَ راس الجبل
وقوليامرحبا
يا رب يطوف النهر
لعْمل زنودي .جسر
يا رايحين على حلب
يا مشيلين العنب
كل مين حبيبه معو
وَشْرِفْ على الوادي
نشم هوا بلادي
ويمتلي الوادي
وممرئ البنية
حبي معاكم راح
فوق العنب تفاح
ونا حبيبي راح
ترد الحبيب ليا
فهزني الغناء» فأقبلت على الرجل يدفعني الاستطلاع
والفضول ويردّني الفرع وخشية المجهولء وأثبته نظرأء فإذا هو
شيخ هم أبيض اللمة واللحية بأسمال بالية. فلما رآني وثب مرتاعاً
(فغل من لم ير إنساناً قط) وقذف في وجهي بصرخة هي إلى
صراخ الوحش النافر أدنى منها إلى صياح الناس» وولى هارباً.
فخفته, ولكني تجلدت وتبعته» فمررت بأرض مزروعة» ورأيت
عدداً من الشاء نفرن لما أبصرنني » فأد ر كته عند باب الدار»
فجعلت ألطف به وأكلمه وهو ينظر إلى وقد امّحت وحشيته
الأولى وصار وجهه كوجه طفل بريء» وجعل يصغي إلى كلامي
شارد البصر يحاول أن يتفهم معناه ويردد الكلمات بصوت
خافت رهيبء فوقع في نفسي أنه مجنون أو أنه نسي الكلام.
وكان الليل قد بسط على الدنيا جناحيه ولم يبق لنا بدّ من
المبيت في هذا الوادي» فعدت ألطف بالشيخ وأكلمه حتى
انطلق لسانه فتكلم.
قال: إني أخبرك» فلا تش بي إلى السلطان... إني أخبرك
بالحقيقة. لقد فررت بها إلى هذا الوادي» أليست ابنة عمى؟
أليس الحبّ يؤلف بين قلبينا كما يربط الزواج جسدينا؟ ما
فسألته عنهال ولكني وجدته لا يعى الكلام ولا يفهمه,
وخفت إن أنا ألححت عليه أن يفوتنى حديث منه قد لا أجد مثله
أبداً فسكت» فعاد يقول:
لقد عشنا سعيدين لا نرى أحداً ولا يراناء» تررع هذه
الأرض فتأكل من ثمرها ونربي هذه الماشية فننال من ألبانها
ولحومهاء وكنا أسعد الناس» ولكنها ماتت. ماتت منذ أربعين
ماتت» فماتت معها دنياي واسودّت أيامي» ولم يبق لي
الشمس ولا بِسَّمَ الرهر ولا ضحك النهر» ولم يجئ بعدها ربيع
ولا تجملت بعدها الدنيا.
ماتت» وهذا قبرها...
يع تف
وترك لنا داره وطعامه وحديث غرامه ويأسه. فلبثنا في الدار ننتظر
الصباح.
نشرت سنة ١9155
هذه قصة شاب مدرّس فى ثانوية البنات حديث السن لم
يجاوز الرابعة والعشرين إلى الآن» معترل متفرّد عاكف على كتبه
ودفاتره» لا يخالف الناس وليس ممن يبتغي الظهور فيهم والحظوة
لديهم. فلا يحاول أحد من القراء أن يبحث عنه أو يسعى إلى
معرفته» وليكتفوا من قصته التي قصها علي بمكان العبرة منهاء إذا
كان قد بقي في القارئين من يحرص على العبرة أو يسعى إلى
الاعتبار!
وهذا الشاب ابن صديق من أدنى أصدقائى إلى قلبى» وكان
فى صباه تلميذاً لى» وكان من أذكى الطلاب قلباً وأطهرهم نفس
وأمتنهم خلقا وأتقاهم لله في سرّ وفي علن؛ وكان -على صغره-
جاداً بعيداً عن المزاح» مجتنباً الهزلء بارا بأمه وأبيه» لا يعرف
إلا مدرسته وبيته» لم يْرَ ة قط واقفاً في طريق أو ماشياً إلى لهو.
وثبت على ذلك حتى شب : وأكمل الدراسة وفارق المدرسة
وهو لم يدخل قهوة ولا سينماء ولم يصاحب أحداً أبدأء ولم
يجالس امرأة غير أمه ولم يكلمها.
وكان -لذلك- بمنزلة الأ الأصغر مني ح أحبه محبة الابن
ويُجلني إجلال الوالد» وكان ينفض إلى دخيلته ويكشف لي
سريرته» وكان من مزاياه أنه صادق اللهجة: لم أجرّب عليه في
هذه المدة الطويلة كذباً قط.
كن د ف
وانقطع عني مدة طويلة) ثم رأيته فأخبرني أن والديه قد
توفيا بالتيفوئيد في شهر واحد وأنه غدا وحيداً فاحترف التعليم.
بعثت به الوزارة -لِمًا تعلم من عظم أخلاقه- إلى مدرسة ثانوية
للبنات» فثار وأبى وطلب نقله إلى غيرها من مدارس البنين» فما
زالوا به يداورونه ويقنعونه بأنه إن كان معلمّ البنات رجل مثله
فذلك خير لهن من أن يدخل عليهن فاسق خبيث» وأن قبوله
التدريس في هذه المدرسة قربة إلى الله» فخخدع المسكين وقبل
قال: وبت ليلة افتتاح المدرسة بليلة نابغيّة لم ينطبق فيها
جفناي من الفكر والوساوس والمخاوفء» فلما أصبح الصباح
ذهبت أقدّم رجلا وأؤخر أخرى» حتى دخلت المدرسة. فما
راعني عند الباب إلا أن فتاتين كاملتى الأنوثة ليستا بالصغيرتين
ولا القاصرتين قد دخلتا أمامي» فلما صارتا من داخل ألقنا عنهما
الخمار فعادتا كأنهما في دارهما. وتلفت حولي فإذا ملء الساحة
ات رامد نواضج الأبسساد قد حمرنا وحن ملعين ويمتيين
شعورهن مهدّلات على الأكتاف» فأحسست كأنما قد
علي دلو من الماء الحامي فاحترقت منه أعصابي» فاستدرت
راجعاً ونفضت يدي من الوظيفة» وقلت: الرزق على الله.
58
وقصدت بيتى فما وسعنى -والله- البيت» ووسوس إلى
(لا أكتمك) الشيطان» وزين لي تلك المتعة بمعاشرة أولئفك
الفتيات والحياة بينهن» فاستعذت بالله وأعرضت عنه» وذهبت
أفتش عن عمل غير هذاء فسّدَّت في وجهي الأبواب إلا هذا
الباب» ولاحقتني الوزارة وإدارة المدرسة حتى عدت مكرها.
وأنا رجل رضت نفسي على العفاف وأخذتها بضروب
الرياضات حتى سكنت شرّتهاء ولكنها -مع ذلك- كانت تثور
بي كلما سبقت عيني وأنا غافل إلى فتاة في الشارع كاشفة» أو
سمعت أذنى حديثاً من أحاديث الشبان سقط إلى وأنا لا أطلبه»
مجلةً من المجلات الداعرة الخبيثة. وما المرأة التى يفتش عنها
الشبان ويتحدثون عنها إلا هذه النَصّف التي تُصلح ما أبلى منها
الدهر بالثياب والأصباغ وما عند العطار والتي تقاذفتها الأيدي
كتب عليه أن يعاشر النهارَ كله فتيات كزهرة الفل» أو كالغلالة
الجديدة» لم تمسسهن يد بشر ولم يعرفن من تجارب الحياة ما
يتقين به شباكهاء ويُطلب منه أن يكون عفيفاً شريفاً وأن يكنّ هن
أيضاً عفيفات شريفات» وله في نفوسهن مثل الذي لهن في
نفسه؟
يا أستاذ! إن الخطر أشد مما تتوهمون أنتم معشر الكتاب
المعترلين في بيوتهم أو في أبراجهم العاجيّة (كما يقولون عن
منهما أن يشم ريح الآخر من مسيرة فرسخ» يجتمعون على
احلا
دروس الأدب وقراءة أشعار الغزل... تصور -يا أستاذ- المدرّس
يلقي على طالباته حديث ولادة وابن زيدون وأنها كتبت كما
رووا (كذباً أو صدقاً) على حاشية ثوبها:
أمكن عاشقي من صحن خدي وأمنح قبلتي من يشتهيها
ويمضي يشرح لهن ذلك ويفسره لهن! حالة فظيعة جداً
يا أستاذ... ولو كن كبيرات مسنات أو كن مستورات
محجبات» أو لو كن صائمات مصليات يخفن الله لهان الأمر
ولكنهم يجتمعون بهن على سفور وحسور وتكشفء وتنطلق
البنت حرة تزور معلمها في داره وتمشي معه إن دعاها إلى
السيئما أو المتنرّه» كذلك يرى الآباء اليوم بناتهم فلا ينكرون
ذلك عليهن!
أنا لا أقول إن الآباء كلهم لا يهمهم أعراض بناتهم وأن
كل أب قَرْنان» معاذ الله أن أقول ذلك! ولكن في الآباء قوم
مغفلين أعمى أبصارّهم بريق الحضارة الغربية فحسبوا كل شيء
يجيء من الغرب هو خير وأعظم أجراًء ولو كان ذهاب الأعراض
والأديان والأبدان! إن هؤلاء كالنعامة يلحقها الصياد فتفر منهء
حتى إذا عجرت أغمضت عينيها ودسّت رأسها في التراب لظنها
أنها إِنْ لم تبصر الصياد فإن الصياد لا يراها! إن هذا الأب يحسب
أن كل رجل ينظر إلى ابنته بعينه هوء وطبيعي منه ألا ينظر هو إليها
بعين الشهوة» فلذلك يطلقها في الشارع ويبعث بها إلى المدرسة
على شكل يفتن العابد ويحرّك الشيخ الفاني!
تند نا كن
الم
دخلت يا سيدي ودرّمئت» وكنت أغض بصري ما استطعت
وأحافظ على وقاري ولا أنظر في وجوه الطالبات إلا عابساًء
وكنت -مع ذلك- أداري من أثرهن في أعصابي مثل شفرة
السيف الحديد, وإذا شرع الجرس خرجت قبلهن مهرولاً حتى لا
أماشيهن ولا أدنو منهن» فذهبت مسرعاً إلى داري أصلي وأسأل
الله أن يصرف عني هذه المحنة وأن يجعل رزقي في غير هذا
المكان. وكنت أصوم وأقلل الطعام لأطفئ هذه النارء فإذا
مشيت إلى الفصل وسمعت كلامهن وسبقت عيني إلى بعض ما
يد مل أعضائو وريه زادي ضراماً واشتعالاً.
وكان فيهن طالبة هى... لاء لست أصفها ولا ينفعك
وصفهاء وحسبك أن تعلم أنها ذكية ومتقدمة في رفيقاتهاء وأنها
من أسرة من أنبل الأسرء وأنها -فوق ذلك- جميلة جداً..
جداً. إنها تمثال» هل رأيت مرة تماثيل الجمال والفتئة؟ وكانت
كلما نظرّت إليّ قرأت في عينيها كتاباً مفتوحاًء رسالة صريحة لي
أنا وحدي» وأحسست منها بمثل شرارات الكهرباء تخرق قلبي...
فكنت أزداد عبوساً وإعراضاً فلا يردها عبوسي ولا يثنيها إعراضي
وأسرعّت مرة ورائي وأنا خارج وهي تناديني: "سؤال يا أستاذ" .
ولها في صوتها رئة... يا لطيف! فوقفت لها فجعلت تدنو مني
حتى شعرت كأنى ألامس... ألامس ماذا؟ لا أجد والله شيئاً
أشبّهها به لأنه ليس في الدنيا شيء آخر له مثل هذا التأثير...
فهربت منها وأسرعت إلى الدار؛ وحرصت على ألا أدعها أو
أدع غيرها تفعل مثل هذا.
وعقدت العزم عقداً مبرماً على ترك التدريس وخرجت من
51١
الفصل بهذه العزيمة» وكان في الساحة تلميذات.فرقة أخرى فى
درس الرياضة» وقد اصطففن كاشفات الأفخاذ والأذر 5
راسخات النهود, يقفن كذلك ب بين الرجال (والمعلمون كلهم
رجال)... فكبر رأسي وأسرعت إلى الشارع وقد حلفت ألا
أعود ولو مت جوعاًء وبعئت ت بكتاب الاستقالة.
كدر نع تن
ومرت أيام» وكنت وحدي فى الدار (وأنا وحدي دائماً
ليس لي زوجة ولا قريب) فإذا الباب يقرع) فقمت ففتحتء وإذا
بها تدخل علي وتغلق الباب وراءهاء وترفع الغشاء عن وجهها
وتلقي المعطف عن منكبيهاء تحدثني تطلب درساً خصوصياً
وعيناها تحدثانني تطلبان (أو لقد خيّلت لي أعصابي أنهما تطلبان)
غير الدرس.
ولست -يا أستاذي- رجل سوء ولا أليف دعارة» ولكني
رجل على كل حال. فلما رأيتها فى داري... وتحت يدي..
والباب مغلق... وهي تريد... ملكني الشيطان» ورأيت الدنيا
تدور بي» ولما حاولت أن أتكلم اختنق صوتي ثم خرج وفيه بحّة
غريبة كأني أسمع معها صوت إنسان آخر غيري» وهممت
يا أستاذ... ولكن صوت الدين رن فى أذنى ينادي لآخر مرة كما
يصرخ الغريق آخر صرخاته... فاستجبت له ولو أعرضت عنه
لحظة لضاعت هذه الفرصة إلى الأبد ولخسرت أنا والبنت الدنيا
والآخرة من أجل لذة لحظة واحدة. ٠
ولم أتردد» بل قلت لها بصوت بارد كالثلج» قاطع
51
كالسيف» خشن كالمبرد: "يا آنسة» أنا آسف. إن هذه الزيارة
لا تليق بطالبة شريفة» فاخرجي حالاً". وفتحت لها الباب وأغلقته
خلفهاء وتم ذلك كله في دقيقة.
تيل بن تن
ولما خرجّت ندمت... نعم؛ ندمت! وعاد الشيطان يوسوس
لي؛ وضاق بي المئزل حتى كأني فيه محبوس في صندوق مقفل»
ولم أعد أدري ماذا أصنع) وأحسست أني أضعت كنزاً وقع
إِلي» وتغلبت غريزتي فأخمَتْ صوت الدين والعقل» وأحسست
توتراً في أعصابي حتى وجدت الرغبة في أن أعضّ يدي بأسناني
أو أضرب رأسي بالجدار» وعدت أتمثل حركاتها ونظراتها..
فأراها أجمل مما هي عليه وأحس بها في نفسيء فكأني لا أزال
أشم عطرها وأرى جمالهاء بل لقد مددت يدي لأمسك بها فإذا
أنا أقبض على الهواء! وخيّل لى الشيطان أن هذه البنت لم تعد
تستطيع الصبر بعد أن أذكى هذا النظام المدرسي نار غريزتها
وأنها ستمنح هذه ال... هذه النعمة رجلاً غيري! فصرت
كالمجنون حقاً. وحاولت أن أقرأ ففتحت كتاباً فلم أبصر فيه
شيعا إلا صورتهاء وأردت الخروج فرأيتني أنفر من لقاء أي من
أصحابي كان ولا أريد إلا إياها» وحسدت إخوتي المدرّسين
الذين لم يتربوا مثل تربيتي الصالحة فتمنعهم من الانطلاق في هذه
اللذائذ انطلاق الذئب في لحم القطيع الطريً!
والعفو يا أستاذ إذا صدقت في تصوير ما وجدت» فأنت
أستاذي أشكو إليك» وأنت الرجل الأديب قبل أن تكون الشيخ
للملا
القاضي. فقّل الآن ماذا أصنع؟ إني تركت التدريس واشتغلت
بغيره ولكني لم أستطع أن أنساهاء ولو أنا أردت وصالها لقدرت
عليه ولكني لا أريد» فماذا أصنع يا أستاذ؟ لقد حاولت الرواج؛
فرأيت الأب الذي لا يكاد يمنع أبنته حراماً لا يمنحها حلالاً إلا
بمهر وتكاليف يستحيل دفعها على مثلي؛ فأيسْت من الزواج
فماذا أصنع؟
تبن يع نا
ماذا يصنع.يا أيها القراء؟ قولواء فإني لم أجد والله ما أقول!
كن بحن كنت
3 ا
نشرت سنة ١917
أمس... قبل أن تبدأ الدروس.
كان الصف الثالث هادثئاً”", والطلاب الذين جاؤوا إلى
المعهد في مثل هذه الساعة المبكرة من شهر الصيام (وقليل ما
هم) يحفون بالمدفأة على نظام غريب؛ واحد على كرسي الأستاذ
وقد ألقى برأسه بين دفتى محلةق وآخر جالس بجانب المحلة
على منبر الصف العريض» يقرع برجليه جانبه فيصيح به جاره
الذي جذب كرسى المعيد فوضعه حيال المدفأة وجلس عليه
مادا رجليه إلى وجه آخر جالس على المقعد: حاجة2© بقى!
وتمر دقيقة يتبادلان فيها «الشتائم الودّية» المعروفة» ثم يعود
الهدوء كما كان حتى لا تُسمع في قاعة الصف الواسعة إلا
صلصلة حديد الملقط فى المدفأة» أو قرقعة جريدة «الأحرار» فى
يد طالب» أو سعال آخر في نغمة مزعجة يكون قرارها صوتٌ
أحد الطلاب هاتفاً به: وآخرتها؟!
)١( كانت دراسة الحقوق فى ثلاث سنوات فقط.
(؟) يلفظونها بكسر الجيم وسكون الهاء المتطرفة (حاجة)؛ أي: يكفي.
وهو تعبير عامي دارج في الشام لا أعرف أصله (مجاهد).
-1؟
واستمرت الحال على ذلك ربع ساعة» جاء فيها بعض
الطلاب فجلسوا حول النار صامتين بعد أن ألقوا على الحاضرين
كد يد تنا
ثم ظهر فجأة دوي حديث في زاوية الصفء لم يلبث أن
استحال إلى ضجة هائلة اختلطت فيها الأصوات وتباينت فيها
اللهجات» فأسرع الخاضرون من هنا وهناك يسألون:
الطالب الشامي: شوء شو الحكاية؟
الطالب الحلبى: أشو خبر خيّو؟
الطالب العراقى: شنو هى الكصة (القصة)؟
الطالب المصري: طَبْ... ما تقولوا إيه الحكاية؟
وبعد لأي ماء استطعنا أن نطفئ لسان النارء وبدأ الحديث
بيننا بهدوء واتساقء» فقال السيد «خ»: أرجوكم أيها الإخوان...
لنتكلم بهدوء. هل تريدون أن تسمعوا؟
- ماذا؟
- إن أربعين ورقة( ندفعها فى هذه الأزمة الخانقة رسماً
للشهادة أمرٌ لا يُطاق» فيجب أن نتوسل بالطرق المشروعة.
)١( كان راتبى -وأنا ابتدائى يومئذ- 55 ليرة في الشهرء وكان كي
٠ بي ياد يي
لانن
- لإلغاء الرسه؟
- كلا؛ لا تتعجل أرجوك. إن إلغاءه غير ممكن؛ ولكن
م
وفداً.
- كلام فارغ!
آخر: وماذا يهمك أنت؟ دعه يتكلم.
آخر: صة؛ إن السيد «خ» معه الحق.
- أن نرفع عريضة... أقترح ذلك.
آخر: كلا. إن اقتراحك في غير محله. يجب أن نرسل
- العريضة أحسن من الوفد.
آخر: وإذا لم تنجح العريضة؟
- إذا لم تتجح؟... يجب أن تنجح.
- منطق!!
- إذا لم تنجح نمتنع كلنا عن دخول الامتحان.
- موافق.
آخر: بالعكس؛ غير موافق. فكرة سخيفة جداً.
517
- حافظ على أدبك... أرجوك.
- أنا محافظ على أدبى» ولكن أنت اسحب كلامك.
- إننا متفقون على الغاية»؛ وسنتفق على الطريق التي نصل
بها إليها. وأرى أن تؤجلوا ذلك إلى حين اجتماع الطلاب»
- لا؛ لا نسمعهاء لا نريد أن نسمع قصصاً.
- ولا أساطير (ضحك).
خ: إنها قصة واقعة وليست أسطورة» ثم إنها تتعلق
بالموضوع.
- من كان لا يريد سماعها فليسّدٌ أذنيه. تفضل قل
القصة. سنتسلى بها على الأقل» شهر رمضان تُطلب فيه التسلية
البريئة.
خ: هي قصة طالب في المعهد» كان منذ عامين. أظن أن
بينكم من يعرفه» هو السيد سليمان الفالح.
- أنا أعرفها جيداً... رحمه الله.
- وهل مات؟ !
خْ: اسمعواء سأتلو عليكم قصته. كان من أذكى طلاب
المعهد وأعمقهم ثقافة. اجتاز فحوص السنتين الأولى والثانية
518
بتفرّق عظيمء وكان محل إعجاب الأساتذة والتلاميذ
وتقديرهم» حتى إن المحاضرة التي ألقاها في ردهة المعهد
تناقلتها ثلاث من جرائد المدينة ولخصتها مجلة «المقتطف»
- وكيف مات إذن؟
- كان من أولئك الذين قال عنهم الفيلسوف: "وسكت
- اتركه. .. مين ما كان. وبعد؟
- الفقراء جيوباًء الأغنياء نفوساً. أجلء لقد كان فقيراًء
لا يملك من نشب الدنيا وثرواتها إلا هذه الثروة المعنوية التي
جاد بها عليه الله» فلما أكمل الصف الثالث عرض عليه رسم
الشهادة, ولم يكن له إلى جمعه من سبيل... فامتنع من دخول
الفحص.
- باختصار... جاء الأستاذ.
- وبالاختصار» فقد شعر أنه ضيّع مستقبله وأنه قد انهار
صرح آماله؛ فأطلق على نفسه الرصاص في ساعة هياج وانفعال.
ولما وصل «خ» من حديثه إلى هذا الحد كان الأستاذ قد
لتكون الخطوة الأولى في سبيل المطالبة بتخفيض «هذا الرسم...
الباهظ».
وقد قعلت.
رسن
نشرت سنة ١9155
5
كنت أصلى أمس فى مسجد العباس» فلما قُضيت الصلاة
وتلفت للسلام لمحت «فلانا» فكذّبت بصري وعدت إليه أتثبته
فإذا هو بلحمه ودمهء وإذا هو يصلي صلاة خاشع لله متبتل
أوّاب. وكان آخر عهدي به أنه ركب فى طريق الغواية رأسه
وأقدم إقدام الفرس الشّموس» فخب في الضلال ووضعء وأغار
وأنجدء ثم انتهى به الخبط إلى الهاوية فوقع «على م رأسه» في
اشتهاء راقصة مشهورة» وحسب هذا الاشتهاء حباً كالذي قرأ
وصفه في الروايات فصنع مثلما يصنع المحبون: نسي عقله ودينه
وجاد بقلبه وماله» وعرفت منه هذه الفاجرة هذه الحماقة فاستئرفت
دم «جيبه» وماء قلبه» ثم لم توصله إلى إرْبه ولم تمتعه بحبه...
وكان له ضمير يناديه فأعرض عن نداء ضميره» وكان له إخوان
ينصحونه فسدّ أذنيه عن نصح إخوانه» فلما يفسوا منه ومن صلاحه
انصرفوا عنه وتركوه لنفسه وللراقصة ولإبليس» ثم للمرض والفقر
وجهنم!
... فلما رأيته في المسجد عجبت. وانتظرته حتى فرغ
51١
فأقبلت عليه وسألته. فقال: إن حديثى عجب» وإنى لا أحب أن
تن تن كن
إن الفضل علي -فيما رأيتَ من توبتي- لله ثم للشيخ
صلاح الدين أحسن الله إليه» فلقد هداني الله به وهدى أقواماً
بعد إذ كانوا ضالين. ولقد عرفت رجالاً شجعاناً أولي عزم
وإقدام» وسمعت أخبار العلماء الذين واجهوا الملوك بما يكرهون
وأحاديث أهل الجراءة والصلع بالحق» ولا والله ما سمعت ولا
عرفت بأجرأ من هذا الشيخ؛ ولا أثبت منه جناناً.
قلت: إذ صنع ماذا؟
قال: إذ وعظ فى المرقص! أما سمعت الحكاية؟ لقد
استفاض خبرها وتناقلته الصحف وكان حديث السّوامر أياماً
طوالاً... وذلك أنه نظر فرأى طلاب العلم لا يزالون ينتقصونء
ورأى الناس ينصرفون عن المساجد فلا يحضرها إلا الكهول
والعُجّرء وما يحتاج هؤلاء الوعظ إنما يحتاجه الشباب. وسأل:
"أين الشباب؟' '» فأجَلُوه عن أن يخبروه ثم قالوا: إن الشباب فى
السينمات والمراقص ونوادي القمار... قال: "وما السينمات
والمراقص؟"... لم يكن الشيخ يدري ما هي؛ ولم يكن يعرف من
الدنيا إلا مسجده ودار ولا يسمع إلا حديث م و«قال
المصنف» و«ذ كر الشارح» و«عقّب عليه المحشي»..
51
قالوا: إن المراقص أيّهاء واسعة تمتلئع بالناس وفى صدرها
منصات عالية لها سر ترتفع وتنسدلء» يقوم عليها نسوة عاريات
ويحركن أيديهن وأرجلهن.
قال: حسبكمء حسبكم! إنا لله وإنا إليه راجعون. نساء
يلعبن أمام أعين الرجال الأجانب؟! ما ظننت أن مثل هذا يكون
في دار الإسلام» قوموا بنا إلى المراقص.
قالوا: إلى المراقص يا مولانا؟!
قال: : نعم تتقي مثل لعنة داوود وعيسى بن مريم» ونغير هذا
المنكر بألسنتنا إذ قعدت بالحكام رقة دينهم عن أن يغيّروه
بأيديهم
قالوا: يا مولانا... إنهم يسخرون منا ويؤذونناء ولا يصغون
لمقالنا.
قال: ما نحن بأفضل من الأنبياء وما نفوسنا بأكرم علينا من
نفوسهمء ولقد سّخر منهم وأوذوا في سبيل الله فما ضعفوا ولا
استكانواء وإنما علينا البلاغ والهدى هدى الله.
قالوا: إن المدارس قد ابتدعوا فيها هذه الأيام بدعة جديدة
من أخرى البدع وأرضاها لإبليس» وهي أن تبرز البنات سافرات
حاسرات فيلعين أمام الرجال. فلتبدا بالمدارس قبل المراقص»
فإنهم سيقتلون فيها الأخلاق باسم الرياضة والصحة والفن.
قال الشيخ: بل نبدأ بالمراقص إن شاء الله.
ارحري
فلما رأوا منه الجَدّ والإصرار قالوا: أمهلنا يا مولانا حتى
وذهبوا إلى «مرقص أبي نواس» فسألوا صاحبه أن يؤجرهم
المسرح ربع ساعة ما بين الفصلين ليجيء الشيخ فيعظ فيه الناس»
فنظر الرجل فيهم لعله ييصر تحت معاطفهم المسروقة ثياب
المستشفى التي فرٌوا بها من «القصير»(© وابتعد عنهم خشية أن
تعاود أحدّهم جنته فيثب على عنقه فيخنقه أو يشج رأسه بحديدة
يخفيها في كمه ودعا أعوانا له لينقذوه من هؤلاء المجانين الذين
ولكن القوم قطعوا عليه ما هو فيه وجرّوه من رَسَّنه(" فاتقاد ذليلاً
طيّعاً حين عرضوا عليه في هذا «الربع من الساعة» نصف ما يكسبه
في الليلة كلهاء وقبل منهم وشيّعهم إلى الباب» ولكنه لم ينس أن
يقبض المبلغ منهم قبل أن يغلقه دونهم.
وفرح الرجل بهذا الإعلان الجديد عن مرقصه.ء وأمّل أن
ويقاسمه قُصّادم وانتظر أن «يمثل» الشيخ «مهزلة» تكون «رواية
الموسم»» وذهب فطبع إعلانات ضخمة عن «المفاجأة المدهشة»
التي ستروع الناس. وجاء الناس يرون هذه المفاجأة» وما يقع
في وهم أبعدهم خيالاً إلا أنها راقصة جديدة أو أنها رقصة
)١( القصير ظاهر بُلّيدة دوماء على بعد ١4 كيلومتراً من دمشق وفيه
مستشفى الأمراض العقلية.
(3١ الرسن: الزمام» من عامي الشام الفصيح.
3534
مبتكرة. وماذا يكون في المرقص إلا الرقص؟
وكنت تلك الليلة هناك. ورقصت «فلانة» رقصة عبقرية
مُبْدَعة عرضت فيها من فنونها وفتونها عجباً ما رأى الراؤون مثله»
وجنت الحاضرين حتى ما يدرون من الفتئة ما يصنعون» وحتى
دميت الأكف من التصفيح والتصفيق وبّحّت الحناجر من الهتاف
والصراخ. وأرخي الستار على الراقصة وهي أحبٌ إلى كل
واحد منهم من زوجه وولدهء وما واحد منهم إلا ويبذل في
ساعة منها ماله وشرفه ودينه. وجعلوا ينادون باسمهاء يريدون أن
يمتعوا أبصارهم برؤيتها كرّة أخرىء فلما تمادى غيابها أقبلوا
يرددون اسمها في إلحاح واتصال ويقرعون الأرض بأقدامهم
فعل الصبيان (ورواد الملاهي لهم عقول كعقول الصبيان)»
فارتفع الستار ونظروا...
نظروا فإذا هم يرون مكان ذلك الجسم الحبيب المشتهى
وذلك العْرْي المغري الفتان شيخاً جالساً بعمامته ولحيته وجبته»
شيخاً حقيقياً لا تمثالاً مكسوا ثاب المشايخ ولا شيخاً مزوّراً
من شيو «التمثيز ».
وبدأ الشيخ درسه بحمد الله والصلاة على رسول الله
وربطت الدهشة ألسئة الحاضرين لحظة فكانت سكتة شاملة» ثم
صحوا فجأة فكان الانفجار.
0 0 كت
إن. كل محاولة لوصف هذا الانفجار إنما هي إفساد وتشويه
53
لصورته في نفس السامع» وإنك تعرف هؤلاء الناس» وإن فيهم
كل ماجن خبيث وججبّار2 فاجرء وفيهم السكران وفيهم
الحشاش» وقد جاءهم هذا الشيخ في الساعة التي اكتملت فيها
نشوتهم وطغت براح الراقصة سكرتهم.ء ليتلو عليهم حديث التقى
والصلاح من فوق منصة المرقص» وليقول لهم: "دعوا هذه
المرأة فإنها رجسء وعُضُوا عنها أبصاركم فإنها عورة» وانصرفوا
عن هذه البقعة فإنها دار دنس وإ م". وقد طلع عليهم وهم
يرتقبون طلعة الغادة العارية المغناج... فتصور ماذا يكون منهم
لقد صمّروا وسخرواء ورموه بكل قبيح من القول» وسألوه
أن يتجرد فيرقص لهم ويريهم غُنجه» وعرضوا عليه كؤوس الخمر
مترعة... وهو ماض في كلامه كأنما هؤلاء ذباب يحوم حوله من
بعيد» بل إن الرجل ليحفل بالذباب وهو لم يحفلهم ولم يبال
بهم. وتعب الشاغبون ومل الساخرون» وكان في القوم من
يعرف الشيخ فصاحوا بهم أن اسكتوا ويلكم نسمع ما يقول.
وكانت سكتة أخرى» وهي كل ما كان يتم الشيها فتمكن
فيها من آذانهم ونفذ إلى قلوبهم. فأصغواء ثم اطمأنواء ثم خشعواء
ثم انقادوا إليه وتعلقوا به وحل من قلوبهم محل «تلك»»: ولكن
حبّهم إياها كان حباً سفلياً وهذا حب طاهر مقدس. فلما انتهى
كلامه وقام ليخرج قاموا معه وخرجوا وراءه» وتركوا المرقص
لصاحبه وللشيطان... ولازمته أنا من ذلك اليوم كما لازمه كثير
ممن كان هناك.
)١( كلمة «المارد» وكلمة «الجبار» من ألفاظ الذم» وإن أولع بها بعض
المتأدّبين وحسبوها من أوصاف الأبطال!
لمرلا
قلت: ألم تحفظ شيئاً من كلامه؟
قال: هيهات! إنه تكلم بكلام عُلْويء كنا نحسٌ به ينصب
في القلوب انصباباً تََستشرقه وتتسامى إليه» وما زال يقول وهي
ترتفع حتى خلصت من هذه الحمأة الدنسة التي كانت غارقة فيها
إلى الفضاء الأرحب وإلى الجوّ الطهور. إنه لم يتكلم كما أتكلم
أنا وأنت» ولا كما كان «هو» يتكلم, فقد سمعته قبل ذلك اليوم
فما سمعت منه مثل هذاء وإني لأظن أن مَلَكاً نطق بلسانه فمن
هنالك خرج الكلام نورانياً سماوياً.
قلت: مثل ماذا؟
قال: أنا رجل عاميء فإذا أعدثّه عليك لم آتٍ به من ذهني
الكليل إلا أرضياً منطفتاء كالشهاب المنير إذا ردّنّه الأرض لم
يكن على لسانها إلا صخرة باردة جامدة... أفتحب أن أردّ عليك
ما حفظت منه من ذهني أنا لا من ذهنه وبلساني لا بلسانه؟
قلت: نعم.
قال: إن مما حفظت منه قوله...
كنا نا نا
شيخ في مرقص
سال
(إلى كل شاب تريده نفسه على الم ويدفعه دينه
إلى العفاف» وتسهل له دنياه طريق الفجور وتوعر
عليه سبيل الرواج...)
قال: لما كانت تلك الهدأة) وسمعنا صوت الشيخ الوقور
الخاشع يطل علينا من فرجة الضجيج كما يطل شعاع البدر من
خلال السحاب الداكن في الليلة الداجية تبيّناه يدعو الله. لا
كما يدعوه خطباء الجمعة على المنبر» ذلك الدعاء الرسمي الذي
يستحضرون به هيبة الناس أن يمسكوا عليهم لّحنة أو حّبسة وهيبة
الحكام أن يبلغهم عنهم أنهم نسوا ذكرهم أو قصّروا في تعظيمهم
أكثر مما يستحضرون في نفوسهم هيبة الله... بل دعاء مسلم
يعلم أنه يخاطب رب الأرباب» فلا يعلق أمله إلا به ولا يرجو
غيره ولا يرهب سواه. وأشهد أن الله فتح لدعائه أبواب السماء
وأنه قد استجاب له لأننا وجدنا أثر الإجابة فى رقة قلوبنا (وما
عهدناها ترق ولا تلين) وفي انصباب دموعنا برغمنا وبكائنا على
نفوسنا. وكان إذ يقول: "يا الله" تح نَحِسّ أن قلبه قد خرج من
صدره بهذه «الهاء» التي تمشي في في الجو مبللة بدموع الخشية
فتنعش القلوب وتحْبيها.
ثم قال الشيخ: لا تقولوا إنه مرقص» فما المرقص لمن يدعو
الله خاشعاً صادقاً وهو يبكى على خطيئته إلا مسجد مبارك» وما
المسجد لمن يدعو بلسانه وقلبَه معلق بالشهوات وفكرّه باحث
عن سبل الموبقات إلا ملهى. وما كان الله لينظر إلى صوركم
وأزيائكم وهندسة عماراتكم» ولكن ينظر إلى قلوبكم. وكم في
حسن الخاتمة. وكم في التكايا والروايا من وليه للشيطان برائي
بالدين ليأكل الدنيا!
ثم تكلم عن الدنيا كلاماً عجيباًء وساق أحاديث لم أحفظها
وأخباراً من أخبار الصالحين قَلْبَتْ والله قلوبناء واللهٌ مقلّب
القلوب» فعظّمت في عيوننا ما كنا نحقره قبل ساعة واحدة
وحقّرت ما كنا نبالغ في تعظيمه» وأرتنا هذه الدنيا صغيرة حتى
ثم أخذ فى الكلام عن «الشهوة الجنسية»» فحفظت من
كلامه شيئاً من هنا وشيئاً من هناك» لا أستطيع أن آتي به على
نسّق فأنا أقدم فيه وأؤخرء وربما أخللت بمعنى أو أخطأت في
لفظء فلا تأخذه هو بخلل أو خطأ منى. وكان مما قاله:
إن الله ركب هذه الشهوة فى الإنسان وجعل لها سرًا عجباً
)١( ولست أقيسها وهي دور لهو بالمسحد وهو دار عيادة» ولا أقول إن
دخولها حلال» ولكن أقرر معنى من معاني الإخلاص والرياء. فلا يُحمّل
رض
فيها سكنت واستقرت» وربحت مع السكينة والاستقرار الصحة
في الدنيا والجنة في الآخرة. وإذا أنت أطلقتها ولم تقيّدها بقيد
الشرع والخلق لم تزل هائشة هائجة كالنار. كلما زدتها حطيا
زادت للحطب طاباًء ثم إنك معها كالذي يطلب الماء من
السراب: لا يزال في عناء وظمأء وكلما اشتد طلبه زاد عطشه
ونصبه والسراب عنه بعيد.
يرى الفاسق المرأة» فيملاً منها بصره فيتبعها قلبه فلا يزال
يتخيل فيها المفاتن ويتومّم في وصالها الملاذ» حتى يعتقد أن
لذائذ الدنيا كلها ومسراتها قد اجتمعت فى لقائهاء وأن آلامها
كلها في يُعدهاء ويجعلها مطلبه من دنياه» ويّجنّ بها جنوناً..
فإن هو استطاع الوصول إليها وجد اللذة بها «نصف دقيقة» من
الرمان» ووجد أنه لم يشبع منها ولم ينل من وصالها ما كان
يصور له وهمه... فيعود إلى التفكير فيها وإلى تخيّل اللذة بلقائهاء
ويتوهم أنه سيحظى هذه المرة بما فاته المرة الأولى... فإذا عاد
إليها عادت إليه خيبة الأمل. ولا يرال هذا دأبه معها حتى يملّها
وييأس من أن يجد عندها لذته الموهومة فيتعلق بسواها. ولو أنه
قارب ألف امرأة ثم رأى واحدة أخرى لعلقها وظن أن طلبته
عندها... فلا يشبع أبداً ولا يستريح.
وما هي لذة الوصال؟ إنها ليست في هذا التقارب الجسمي»
كلا؛ إنما هي في اتصال القلوب. وإن ابن الرومي هو عندي أدق
شعراء الدنيا إحساساً بالمرأة وأعظمهم بالحب معرفة وأحسنهم
لجوع العاطفة تصويراً حين يقول:
أعائقها والنفسٌ بعد مَشُوقةٌ إليهاء وهل بعد العناق تداني؟
57١
وألئم فاها كي تزول حرارتي2 فيشتدٌ ما ألقى من الهَيْمَانٍ
كأنّ فؤادي ليس يُشفي غليله سوى أن يرى الروحَيّن يلتقيان
وما يعانقها على الحقيقة ولكن على المجازء فما يروي
ظمأ نفسه إلى الحب ذلك «العناق»» وإنه يتمنى أن لو أفناها فيه
حتى عادا شخصاً واحداً... وذلك ما لا يكون.
لا. ما فى إطلاق الشهوة من راحة ولا شبع) وإن نساء
الأرض كلهن لا يُرضينها وامرأة واحدة بالحلال ترضيها وتشبعها.
وهب أن رجلاً وسعته أحواله وأمواله أن يمد يده حيث شاء. ..
أفتسعه صحته؟ هل يحمل جسمه أثقال هواه؟ إنه لا بد تجيء
ساعة يعجز فيها ويرتد مريضاً وانياً يشتهي ذلك «الشي» ولا
يقدر عليه ويقعد بالحرمان» فلماذا لا يرتدٌ عن الإثم صحيح الدين
والجسم والشرف؟ أليس ذلك خيراً له من أن يجمع على نفسه
الحرمان والمرض وجهنم؟!
وإن من بديع صنع الله أنه لم يخلق امرأة تشبه في جمالها
الأخرى» فالنساء مختلفات» ولكن طعم المتعة بهن واحد لا
يختلف. وما فرق بين هذه الراقصة وبين امرأتك إلا أن الأولى
تأتيك على جوعك بالرغيف قد لفته بمنديل الحرير» ووضعت
المنديل فى شملة» وألقت الشملة فى صندوق من الفضة المذهبة»
وجعلت حول الصندوق الورق الشفاف» فأنت كلما رفعت
)١( كذلك أحفظهاء وأجد -بالذوق- أن جملة «كي ترول حرارتي» مبتذّلة
لم يقلها ابن الرومي» وإنما قال شيئاً آخر يدّله الرواة.
درس
حجاباً من هذه الحجب اشتد جوعك وشوقك إلى ما وراءهاء
فإذا بلغت الرغيف حسبته قد قُطف من قمح الجنة» ثم طحنته
الملائكة, ثم عجنته بأيديهن الحور العين... وتلك تأتيك بالمائدة
الحافلة مكشوفة ظاهرة. وأنت لا تأكل المنديل ولا الشملة ولا
الصندوق» إنما تأكل الرغيف» وأنت لا تريد هذه الثياب ولا
هذه الأنوار... إنما تريد المرأة» ولعل امرأتك أبهى منها وأجمل.
وهب أن هذه أطرى جسماً وأحلى وجهاً وأقدر على
الفتنة» فمن قال لكم إن الجمال هو هذا؟ إن الجمال هو
الإخلاص. إنك ترى أمك جميلة في عينيك حبيبة إلى قلبك؛
ولعلّ في وجهها من تجاعيد الكبّر أودية وجبال» ولعل فمها
كالمغارة الخالية» ولعل يديها كمخالب الطيرء وترى المرأة
التي خانتك وغدرت بك قبيحة بغيضة وإن كانت في عين الرائي
أجمل النساء.
إنكم تفتشون عن السعادة ولكنكم لا تعرفون طريقها ولا
تفكرون بعقولكم فيها. لماذا تسعد أيها التاجر الذي يملك
الآلاف إذا ربحت ألفاً آخر؟ لأنك كنت تطلب هذا الألف
وتشتهيه فجاء يسد مطلبك ويوافق شهوتك» فمن هنا كانت
سعادتك به ومن هنا ألمك لفقده. على حين أن التلميذ الذي لا
يبلغ أقصى أمله أن يمتلك عشرين قرشاً لا يألم إن لم يربح هذا
الألف» بل هو لا يفكر فيه. أفليس التلميذ ذو العشرين قرشاً أغنى
بها منك يا ذا الآلاف بالافك؟!
ندرض
والموسر الغني الذي يملك عشر عمارات يألم إن عغرضت
للبييع عمارة أخرى ولم يقدر على شرائهاء على حين أن الموظف
: الصغير الذي يسكن غرفة بالأجرة لا يجد هذا الألم وينام ملء
جفونه في الليلة التي يتقلب فيها الموسر من الأرق أسفاً على
العمارة التى أضاعها. أفليس الموظف بغرفته المأجورة أغنى
منك يا صاحب العمارات بعماراتك؟!
والفاسق الذي قارب مئة غانية وراقصة يألم إذا جاءت
راقصة جديدة فلم يحظ بقربهاء ويبيت الليل مسهداً من أجلهاء
ويبذل حر ماله وماء وجهه في سبيلهاء وينغص عيشه من بُعدهاء
على حين أن التقي الذي لم ير في عمره إلا امرأته لا يأبه لها ولا
يدري بها. أفليس هذا التقى أسعد بامرأته الواحدة منك يا ذا
الخليلات ويا زير الراقصات؟!
إن الحياة النفسية كدفتر التاجر؛ ليست العبرة بضخامة
أرقامه ولكن بالباقي بعد الجمع والطرح. فالذي يملك مليوناً
ويُطلب منه مليون مثل الذي لا يملك شيئاً ولا يُطلب منه شىء.
والذي نال من دنياه كل لذة (وهيهات!) مثل «الدرويش» السائح
في البرية الذي لا يطلب إلا لقمة يسدّ بها جوعه وجرعة يبل بها
جوفه وأرضاً يلقي عليها جنبه» ومعه رغيفه وركوته وله أرض الله
الواسعة... إن هذا هو أسعد السعداء.
فمن قنع أسعده الأقل الأقل» ومن طمع لم يسعده شيء
مهما جل؛ لأن النفس تطمح إلى اللذة» فإن وصلت إليها أبطلت
الألفة اللذة فتطلب غيرها. إنك -أيها الفقير- تسعد لو ركيت
53
يوماً سيارة الغني» ولكن الغني ذا السيارة لا يحسّ هذه السعادة
بها. إنها عنده كالترام عندك» بل ربما كان الترام أمتع لك؛ بل
ربما اشتهى هو أن يركب الترام كما يشتهي المترف صاحب
المائدة الملوكية أكلة فول على التراب.
إن الله (جلّت ودقّت حكمته) لم يجعل السعادة في مال
ولا نسب ولا متعة» ولكنه جعلها صلة خفيّة بين الأشياء وصاحبها.
فلا تأخذوا الأمور على ظواهرهاء فإن المريض الزّمن لو حمل من
الألم ما تظنه أنت حامله ما عاشء والغني لو نال من اللذة ما
تحسب أنه نائله ما وسعته الدنياء ولكن العادة تبطل اللذة والألم»
وتهوّن السجن على السجين» والحرب على المحارب» وتجعل
الخليفة الذي كان في قصره عشرة آلاف غادة من جميلات
الأرض حُشرن إليه حشراً مثل الذي فى بيته امرأة واحدة! إنما
اللذة التى لا تفنى ولا تنقص لذة القلبء لذة التأمل» لذة المتعبد
في هدأة الليل والمناجي ربه في الأسحار... ومن هنا قالت طائفة
الصوفية: «لو ذاق الملوك ما نحن فيه لقاتلونا عليه بالسيوف»...
إي والله» وبالمدافع والرشاشات!
ذلك هو النعيم المقيم» ولكن ذلك شيء لا يفسّر ولا
يعرّف:
لا يعرف العشق إلا من يكابدّه ولا الصبابةَ إلا من يعانيها
إنها تمر على المتعبّد ساعات فى كل لحظة منها لذة تفضل
لذة «الوصال» كما تفضل الشمس الشمعة والبحر الساقية) ومن
ذاقها عرف معنى قوله ووْ: «حُبب إلى من دنياكم الطيب والنساءء
تالا
وجعلت قرة عينى فى الصلاة». ليس معناه أن نينا مولع بالنساء
(كما فهم دواب المستشرقين) ولكن سرّ المعنى في قَرْن الطيب
والنساء (وهما من لذات كل نفس بشرية) بالصلاة» ثم رفعها
عنهماء للدلالة على أن الصلاة لذة ومتعة ولكنها أسمى وأعلى.
إن مردّ ما تجدون من غرام الشهوة وشدتها إلى أمرين:
حب الغلية والتطلع إلى المجهول. يسمع أحدكم فلاناً من الفسّاق
قد صنع كذا من الآثام» فيتصور ما نال بإثمه من اللذائذ» فيمتد
أمله إلى تذوق مثله لعل فيه لذة جديدة» وتأبى عليه غريزة المكافحة
والتغلب أن يبقى محروماً مما نال فلان هذا. وهو لو فكّر لعلم
أنما اشترى فلان لنفسه الحرمان من لذة أنقى وأبقى هى لذة
الآخرة» ولسكت عنه الإغراء وذهب الألم. وما يألم لفقد المعصية
إلا من جعلها أكبر همه وترك لنفسه الحبل على الغاربء فَأطلَقََت
الجوارح كلها في شهواتها: فالعين تنظر العورات» والأذن تسمع
أحاديث الموبقات» والذهن يحفظ هذه الصور والذكريات»
والخيال يوشيها ويزيّنها بالمبالغات... فلا ينتبه الشاب إلا والسم
قد مشى في جسده من تلك النظرة» وإذا هو قد نسي الدين
والخلق ومطالب الوطن ولم يبق له في الدنيا عمل إلا ابتغاء
الوسائل إلى لذته تلك» فهي في فكره يقظانَ وفى أحلامه نائماً
وعلى لسانه متحدثاً وهى دينه إن كان متديناً ودرسه إن كان
طالباً أو معلّماً وشغله إن كان موظفاً... ولذلك أمر الله بغض
البصر» وقال عليه الصلاة والسلام: «لك الأولى وعليك الثانية».
ووّصفت النظرة الثانية بأنها سهم صائب من سهام إبليس:
كل المصائب مبداها من النظر ومُعظِمُ الثار من مستصعّر الشرّر
ونا
يا أيها الناس» لقد عشتم من عمركم سنين» وعصيتم الله
وأطعتموه. فانظروا الآن ماذا بقي من ذلك في أيديكم؟ أين لذة
المعصية؟ لقد ولت وخلفت سواداً في صحائفكم! أين تعب
الطاعة؟ لقد ذهب وترك حسنات كتبت لكم! أفما تتمنون الآن
لو أنكم ما عصيتم الله قط؟! بل تخيّلوا أتكم في ساعة الموت...
هل من الموت يد؟ فماذا تنفع من يعالج آلام الموت كل لذة كان
قد نالها بجنب تلك الآلام؟! ثم تصوروا موقفكم بين يدي جبّار
السموات والأرض» وقد ذَّلَ الأعزة بالإثم وسيق المتكبرون إلى
العرض على الله حفاة عراة» ونادى المنادي من جانب العرش:
لمن المُلك اليوم؟» وأجاب المجيب: «إلله الواحد القهار»»
وكان الامتحان الأعظم؛ ونودي بأسماء الناجحين ففتحت لهم
أيواب الجنة» وبأسماء «الراسبين» ففُضحوا على رؤوس الخلائق
وقُذفوا في النار فرسبوا فيها؟! أين يومئذ تلك اللذائذ؟! أين متعة
العين بهذه الراقصة؟! أين لذة الجوارح بوصالها؟! أين جمالها
وفتنتها والصديد يسيل منها؟!
يا ناس! إن لهذا الكون إلها. إن في الكون عدلاء إن من
زنى زني به ولو بجدار داره0"», أفما لكم بنات؟! أما لكم
أخوات؟! فعقّوا تعفّ نساؤكه””". إنكم لا تدرون ماذا يكون في
غدء ولعل ابئنة أحدكم تقوم هذا المقام» فأشفقوا على هذه
المسكينة فإن لها أب وأماً... إنها ما جاءت من جذع شجرة!!
تيئر ينا نا
)١( حديث.
(؟) حديث.
يضري
قال صديقي: لما بلغ الشيخ من كلامه هذا المبلغ سالت
دموعنا رحمة للراقصة وإشفاقاً عليهاء وصرنا ننظر إليها كما ينظر
أحدنا إلى ابنته» يسعى ليسترها ويحميهاء بعد أن كنا لا ننظر
إليها إلا لنقطف زهرتها ونذويها... ولقد وفق الله بعد ذلك»
فأخرجنا المسكينة من هذه الحمأة وزوجناها برجل صالح» فهي
الآن ربة بيت وأم أولاد.
قال: حتى صاحب المرقص صار يتردد على الشيخ» وأحسبه
سيغلق مرقصه اليوم أو غداً ويجد لنفسه عملاً شريفاً!
هذه هي قصة الشيخ في المرقص؛ فيا ليت كل مرقص
يدخله «شيخ»!
7
نشرت سنة ١93751
خرج7" من إدارة الجريدة» فوقف يرقب هذا الخيط من نور
الأمل الذي اتبعث في ثنايا نفسه المظلمة اليائسة ويبتسم راضياً
مطمئناًء وما أقل ما انفرجت شفتاه عن ابتسامة أو انضِمّت
جوانحه على اطمئنان» وهو الذي مر بالجليل من المصائب
والآلام ولم يمر بالمرحلة الثانية والعشرين من محجة حياته"...
وطال به التأمل» واستغرق فيه حتى تجرد من نفسه» ولم يعد إليها
إلا على صوت شديد من بوق سيارة. وسرعان ما شعر أنه هبط
من سماء أحلامه ولامس الحياة مرة ثانية» ولكنه لامسها -هذه
المرة- لمس المتفائل الراضي» لا المتبرم الساخط.
وقد كان طالباً في كلية الحقوق» ولكن ميله الجامح إلى
الصحافة والأدب وحاجته إلى المال كانا يقذفان به من جريدة
إلى جريدة» ولا يجد في واحدة منها ما يشبع نهمه إلى الكتابة
)١( أي المؤلف» وهي قصته هو يسردها كما كانت.
(1) أي ولمًا يبلغ الثانية والعشرين. وفي «الذكريات» أخبار عن اشتغال
جدي -رحمه الله- في صحيفة «ألف باء»» انظر الحلقة السابعة والثلاثين
في الجزء الثاني (مجاهد).
امريا
الأدبية وحاجته إلى المال. وكاد ييأس من الصحافة ويدعها إلى
الأبدء لولا أن زار اليوم إدارة «ألف باء» وطلب إليه رئيس
تحريرها أن يأتيه بقصة للتجربة ليق رأهاء حتى إذا أعجبته ورضي
عنها سلمه الصفحة القصصية فى الجريدة. وكان هذا الوعد
مبعث الأمل فى نفسه» لأنه سيلقى فى هذا العمل الأدبى لذة
وراحة» وفى استقامة صاحب الجريدة وحسن معاملته خلاصاً
من عناء الفقر والمطالبة الدائمة بالأجر.
فاحتث خطاه إلى الدار ليكتب القصة» ثم بدا له أن ذهابه
إلى الكلية خير له إذ يثبت فيها وجوده ثم يعترل الدرس لفكرهء
فيدع الأستاذ يلقي ما شاء من نظريات ويشرح ما أراد من
قوانين» دون أن يتفهم من ذلك شيئاً أو يصرفه عن كتابة القصة.
ولم يكن يفكر -وهو في طريقه- إلا بالسعادة التي تنتظره والآمال
العذاب التى يرقبها من وراء هذا العمل» أما القصة فكان يحسبها.
شيئاً هينًء لا يعوزه إلا أن يمسك بالقلم ويفكر لحظة حتى يسعفه
الموضوع وتنهال عليه الأفكار... ولماذا لا يحسبها كذلك وهو
يكتب كل يوم قصة فلا يحتاج في كتابتها إلى شيء من التفكير
الطويل أو التنميق والتهذيب؟
وبلغ الكلية في منتصف الدرسء وكان درس الأستاذ «فلان»
بك الذي يغضبه التأخر عن درسه» ويسوؤه أن يدخل الطالب
وسط الدرس فيقطع عليه سلسلة أفكاره. وكان صاحبنا يعلم
هذاء ولكن حاجته إلى «الميم»(» جعلته يتوقح فيقرع الباب» ثم
)١( «ميم» أي موجودء علامة حضور الدرس. ولم يكن يُقبل طالب في
الامتحان إلا بعدد من «الميمات».
المي
لا ينتظر الإذن بل يدخل متجنباً نظرات الأستاذ المليئة بالسخط
عليه والرراية به» وينتحي ناحية فيجلس فيهاء لا يبدي حراكاً ولا
ينظر إلى أحد. حتى إذا هدأ الصف من الضجة التي ثارت فيه إثر
دخوله؛ وانصرف الأستاذ إلى محاضرته؛ اطمأنُ فأخرج إضبارة
من الورق وجلس يفكر في موضوع القصة.
- هذا موضوع جيد لقصة» وقد بدأت بها أمس»ء ولكنها
لا تصلح لقصة التجربة التي يجب أن تكون ممتازة» لا يقرؤها
رئيس التحرير حتى يقوم من فوره فيعدو إلى كاتب العدل ليسجل
«العقد».
وتصور منظر رئيس التحرير وهو يعدو في الطرقات فرآه
غريباً» فقال فى نفسه: ولكنى سأمنعه من العدو... ولكن هل
يحب القصص الفاجعة أو الملاحم (الدرام)؟ وهل يميل إلى
الجنايات التي تشغل الجمهور أم يميل إلى موضوعات الحب؟
الحب؟... إنه سخافة. أقول إن فكرة الحب فى القصص سخيفة»
وهذه روايات الحب كلها -منذ القديم إلى الآن- لا تخرج عن
أن هناك محباً ومحبوباً» وأن هناك عذولاً أو مانعاً من الموانع؛
فيغلبانه أو يغليهما... هذا كل ما هنالك؛ إنه شيء ممل!
وكان يكلم نفسه بادئ بدء بصوت خافتء ولكنه ارتفع
تدريجياً فجعل رفاقه ينظرون إليه» وشعر الأستاذ فضرب بيده
على: المنبر ينبهه... فسكت صاحبنا حيناً» ولكن فكره كان
يبحث في موضوعات القصص التي يتصورها عقله ليختار أحسنها
وأروعها فيعرضه على رئيس التحرير» ولم يلبث أن عاد يتم حديثه
لنفسه بصوت مسموع.
- ... وهذا أحسن بلا شك؛ إذ القصة الواقعة هى الفن
بعينه» وهل أحسن من الواقع؟ فلماذا يفسده الشعراء بخيالاتهم
البليدة؟ إنهم حمقى. والشاعر العبقري هو الذي يكون راوية
الحياة الأمين؛ الذي لا يزوّر أحاديثها بشروح من عند نفسه. إذن
ع
فأنا. .
- يا أفنديء» انتبه من فضلك!
فانتبه حينأء ولكن بعينه. أما ذهنه فلم ينتبه إلا إلى موضوعات
القصص... ثم ابتسم ابتسامة قصيرة وقال: لقد وجدتهء لقد
وجدته... إنه موافق يرضي رئيس التحرير ويرضي هؤلاء القراء
الذين نتعب أنفسنا من أجلهم في غير ما طائل.
ثم خطر في باله أن هذا من الكذب المعتاد وأنه لا يتعب
نفسه إلا من أجل نفسه» فضحك من هذه الفكرة» ثم رأى أن
ضحكه في الصف غير مناسب وربما عُدَ جنوناء فتلقّت إلى
جانبيه فلم يجد أحداً قد لحظه فاطمأن.
- نعم؛ إنها «أنانية» أن يفكر المرء في نفسه. ولكن كل
الناس «أنانيون» وكاذبون لأنهم اخترعوا من خيالاتهم أكاذيب لا
وجود لها أسموها الفضيلة والتضحية... إذن فلنتكشف الستار
عن أكاذيبهم» وليكن بطل قصتي شخصاً نادراً ذا شخصية عميقة
و..
- يا أفندي» عيب عليك أنت طالب حقوق! شغلتنا عن
إلقاء المحاضرة» عيب... أقول لك... عيب!
55
وعجب صاحبنا لماذا يرفع الأستاذ صوته إلى هذا الحدء
ولكنه عرف أنه نبّهه كثيراً قبل الآن» فسكت على مضض. ولم
يحرك شفتيه حتى رأى الأستاذ قد انغمس من جديد فى درسه
ورأى من الصعب عليه أن ينتبه له فعاد يقول: إننى لم أجد صعوبة
فى شىء كتبته مثلما وجدت فى هذه القصة وأحسبنى لن أقدر
على إتمامها. ليتني لم أدخلء لعن الله العلوم والقوانين كلها.
- تفضل اخرج... اخرج من الصف.
- ولكن لماذا يا أستاذ؟
_- لأنه يحب أن تخر ج) أو دعوت الخادم لإخراجك.
فرأى أن لا بد له من ذلك» فخرج من الصف متألماً ساخطاً
وذهب إلى داره فجلس إلى مكتبه.
كن يجيد نا
... ورفع رأسه فنظر في ساعته» فإذا هي الثالثة بعد الظهرء
وإذا هي أربع ساعات قد مرت عليه وهو جالس إلى مكتبه في
داره» يسبح في عالم موحش من الذكريات يحس فيه الظلمة
والكآبة» وقد تنبهت في نفسه ذكرياته المؤلمة التي حاول أن
يلقيها في هون النسيان فشغلته عن كتابة القصة» بل عن التفكير
في نفسه. فتمطى ومال في كرسيه إلى الوراء؛ ثم تثاءعب وأغمض
عينيه ليحجب عن ناظريه هذه الصورة المؤلمة» فوجدها قد
ازدادت وضوحاًء ووجد هذا الخيط من نور الأمل الذي بعثه
وعد رئيس التحرير في نفسه قد اختفى في عالم من الظلمة
رقي
والرهبة» ونظر حوله فلم يجد إلا ركام الجرائد التى كان يعمل
فيهاء فيوافيها كل يوم بمقالة يعتصر نفسه من أجلها اعتصاراً
ويصب فيها ماء قلبه فلا يزيد القراء على قراءتها قراءة المتسلي
اللاهي... فمقتها من أعماق قلبه وأحس أنها سبب شقائه» فقام
إليها حزيناً يجمعهاء حتى إذا أصبحت أمام الباب أشعل فيها
النار. ولمح شهادة البكالوريا معلقة فوق رأسه» فأخذها بيده
ووقف ينظر فيها على ضوء هذه الشعلة التي تلتهم ثمرات فكره
وبئنات فؤاده» ثم لم يلبث أن ألقاها وسط اللهيب بحركة عصبية
سيدي رئيس التحريرء
لم أقدر على كتابة شىء, فإذا كان لا بد من قصة التجربة
فهاكم قصتي... وإنها لتجربة قاسية. ش
اس
منزلي هو منزرلك
نشرت سنة ١91515
(قصة مقتبسة عن «لعةةن2 .241 تمثل آراء هؤلاء
الأوربيين الذين يعيشون بيننا ويأكلون خبزناء ثم
يجزوننا عن الكرم لؤماً وعن المعروف نكراناً.)
- الشرق» أآه على الشرق!
همست الفتاة بهذه الكلمات وقد رأت رودلف فالنتينو
في رواية الشيخ.
وكان بيير أزناي» المدرس فى تجهيز فالاند» قد طوّحت
به الحاجة مرة إلى مصر فكان معلماً فى المدرسة العلمانية
الفرنسية ولبث فيها عشر سنين» ثم عاد إلى فرنسا منذ عشرة
أشهر وليس في جيبه شروى نقير» ولم يربح إلا حكايات
وتحارب حملها معة من الشرق» فلما سمع مقالة الفتاة اغتنم
الفرصة فقال:
الشرق يا سيدتي؟ هل تحبين أن أقص عليك حادثة وقعت
لي فيه؟ إنها مأساة هازلة عن الصداقة العربية. كان في مدرستي
الفرنسية عشروت معلماً أوربياً ومعلم واحد عربي») عربي قح
ذو وجه أسمر مستطيل» يلبس القفطانت والجبة الواسعة ويبدلهما
51
كل يوم بلون جديدء وهو مدرس للغة القرآن (الإجبارية في
مصر) ومعرّض دوماً لاحتقار الأساتذة الأوربيين الذي يرون
أنفسهم أرفع منهء فلا يتنازلون إلى مصاحبته.
أما أنا فكنت أحييه التحية المعتادة لا أبالى بسخط زملائى
ودهشتهم» ولا بدهشته هو المسكين الذي ما كان يجرؤ على
رد تحيتي إلا بابتسامة عريضة ونظرات ملؤها العطف
والاحترام» ولا تمتد صحبتنا إلى أكثر من هذاء لأنه لا يعرف
كلمة من الفرنسية» ولأنني أجهل العربية إلا المئة كلمة التى
لا بد منها للسير في الشارع مثل «عندك هنا عربجي» و«اسمع
فين شارع فؤاد»... ثم شاء القدر أن نلتقي مرة في شارع فؤاد
صباح يوم من ديسمبر حار ملتهب كأنه الظهيرة من أغسطس
في فرنساء وكان معه ابن عم له أقل عروبة منه له إلمام
بالإتكليزية» إلا أننا لم نكن نتفاهم إلا بصعوبة. وكان علينا أن
نفترق» ولكن رغبتي في تعرّف الحياة الشرقية وضجري من
الوحدة أبقياني معهما معهماء والفضل في بقائي لابن عمه هذا...
وللغته الإنكليزية (وأي إنكليزية؟). ولم تكن إلا أيام حتى كنا
أصدقاء.
كان طيب القلب بسيطأ محيبء ولكن فيه شيئاً من
العنجهية والجفاى وكنا نذهب كل خميس وكل أحد إلى
التزهة جميعاً: أنا وهو وابن عمهء فنزور المعاهد والمتاحف
في عربة أو سيراً على الأقدام.
امحل
وكان ابن العم كثيراً ما يتخلّف عن الموعد هرباً من
مهمته الشاقة في الترجمة بينناء فنبقى وحيدّين. وتصوري موقفنا
إذ نسير جنباً إلى جنب ونحن ساكتان» نتبادل النظرات في
ابتسامة ساخرة حزينة) ونسلم على المارة. وكنت قد تعلمت
التحية العربية» وهي الإشارة باليد إلى الجبهة والشفة والصدر
رمزاً إلى أن الصداقة تشغل العقل بالتفكير واللسان بالنطق
يحفظ مقطعاً واحداً فى كل ساعة بعد أن أردده عليه مرات
ويعيده على محرفا فأشكره بايتسامة.
وكنا إذا بلغنا مسجداً دخل هو ووقفت أنا على الباب
أستشعر الرهو بأنني رومي لا كالأروام» وأنني صديق الشيخ.
وأنني تشرفت بالوقوف في عتبة قبور الصالحين.
كبن د تنا
وكان مساء السبت» وكنت في المدرسة» فدنا مني أحد
الطلاب وأعطاني رسالة من الشيخ مكتوبة بالفرنسية التي
يحسنها طالب صغير. ففتحتها فإذا بها: "يا صديقي الغربي
العالم الفاضل» تفضل بالمجيء غداً إلى داري الحقيرة لنتناول
الغداء معأ واعلم أن منزلى هو منزلك".
منزله منزلى! ولكن من الظهر إلى الساعة الرابعة» وطعامه
طعامى. وكنت (واأسفاه!) مضطراً إلى الإجابة» لأن أي رفض
مني يكسر هذا القلب الطيب. ولا أنسى ما حيبت تلك الأكلة
المنحوسة التى يسمونها «الملوخية». ولا أنسى كيف يأكلون من
5 7/
صحفة واحدة) وكان على أن آأكل بأصابعى هذه الدحجاجات
المحمّرة التي أكرمني بها وجعل نصيبي منها اثنتين. وقد ذهبت
من الدعوة رأساً إلى الفراش» فلبئت ثلاثة أيام مريضاً!
وتوثقت صداقتي مع الشيخ, فعرفني بالقاهرة وحياتها. ولم
يكن غنياًء غير أنه لم يمكني من فتح كيسي مرة واحدة حينما
أكون معه؛ بل يكون السابق إلى دفع الحساب المطلوب. كنا
نرور الأهرام ونجول في القاهرة» وهي أشبه بعشرين مدينة
مجتمعة منها بمدينة واحدة» بل هي عالم لا بد لرؤيته من ثلاثة
أشهر. أما أنا فقد لبئت فيها مع الشيخ مدة قصيرة» وإن أنسَ
ذكراها لا أنس وقوف القطار بنا يوماً في المحطة ورؤيتنا
قريب الشيخ ينتظرنا ومعه البلح والبرتقال والموز المصري
الصغير وغير ذلك ما لا أدري من أين أتى به» وما كنا تتحدث
إلا بالابتسامات والجمل المقطعة والإشارات» وكانت صداتقتنا
صداقة صامتة تتكلم فيها القلوب لا الألسنة. ولما اعترمت
العودة إلى فرنساء في منتصف تموزء ودّعني على المحطة
وألقى علي نظرة كلها حب وعطفء وقال لي: "إلى الملتقى.
ولا تنس أن منزلي هو منزلك"2 ثم اختفى بين الجموع.
وأنساني البحر الواسع وشواطئ الوطن المحبوب كل ما
عداهما.
فقالت الفتاة: أهذا هو الشرق؟ يا ضياع أحلامي!
فهز الأستاذ كتفيه وعاد يقول بصوت خافت: وبعد أمد من
58
رجوعى غيّنتْ مدرساً فى مدرسة ماجيدي الثانوية فى الألب»
فلبثت فيها مدة وتروجت فيهاء وكنت جد مشغول بأمور المدرسة
حتى إنه لم يكن في وقتي ساعة واحدة خالية» وإذا أنا ذات يوم
أفاجَأ بكتاب عليه خط رديء وطابع من طوابع مصرء ففتحته فإذا
هو من الشيخ» وإذا هو يخبرني بمجيئه مع امرأته وولديه ليقضي
عندنا عدة أيام» كأنما جاء يتقاضاني بدل ما أحسن إلي. وتصوروا
وقع هذه المفاجأة على امرأتي التي أغمي عليها من شدة الدهشة.
ولم أجد بدا من الانغماس في هذه المهزلة» ولا سيما وأنهم
أبحروا دون انتظار جوابي.
نرلت إلى مرسيليا أنتظرهم» فوجدت شيخاً غريباً في سراويل
متهدلة وطربوش» ومعه امرأة ضخمة على رأسها منديل أسود
وإلى جاتبها بنت صغيرة. واتفق أن تفتحت أبواب السماء يومئذ
فهطل المطر غزيراً» حتى شعرنا أن السماء قد هبطت على الأرض»
فدخلنا مقهى قريباً» ولكن البنت ارتاعت منه فملأت الدنيا بكاء
ولم تشأ السكوت. وأخيراً أزفت ساعة القطار فركبناه إلى
ماجيدي» والناس يرمقونتى يحسبون أنى أنقل إلى البلد «سركاً»
غريباً. وبلغنا المنزل فكان استقبال زوجتي باردأء وجاءت ساعة
الطعام فلم تألف أيديهم الأكل بالشوكات والصحافء وانتشروا
بعد الطعام في قاعة الأكل وفى الغرف المجاورة. وبكى الطفل
بكاء شديداء وبكت زوجتي أيضأًء ووقعت أنا في حيرة بينهما
فلعنت الشرق ومن شاد بذكره. ٠
ولما كانت صبيحة الغد سمعت -وأنا نائم- أصواتاً غريبة
تمتزج بأحلامي» فصحوت فإذا برو جحتي ترقص أمام السرير
>35
وتغني وتصيح: لقد سافروا يا بيير» لقد سافروا.
ونظرت فإذا الشيخ قد ترك لي بطاقة صغيرة فيها جملة
واحدة عربية» حملتها إلى من يترجمها لى» فإذا بها: «وداعاً.
لقد علمت الآن أن منرلك ليس منزلى»!
كد نع تن
نشرت سنة ١91701
كان أبداً متفرداً حزيناء لا يُرى فى النهار أبداء فإذا كان
الليل رأيته يمشي متسللاً بإزاء الجدرانء يِتَبّع الظلام حتى يبلغ
مقهى اللونا بارك (حيث عرفته هذا الصيف) فيجلس في زاويته
التي لم يكن يغيّرها أبدأء ويسلم رأسه إلى كفيه فلا يرفعه إلا
ساعة يسأله النادل عن طلبه؛ فينتبه وينظر في وجهه بعينين زائغتين
تتبين فيهما -غالباً- أثر الدمع ولا يقول شيئاً. فيعيد عليه السؤال
في شيء من الشفقة والرثاء أو ينصرف فيحضر له أي نوع وجدء
ولا يبالي أن يكون شاياً أو هاضوماً (كازوزاً) أو قهوة» لأن
الرجل يتركه على المائدة دون أن يمسه ويعود إلى غيبته وذهوله.
ويبقى على حالته تلك إلى أن يذهب الناس كلهم ويخلو المكان»
فيمر عليه النادل (الكارسون) فيوقظه في لطف ولين» فيقوم صامتاً
ويمشى..
م
كانت هذه حاله التي ألحظها كل يوم؛ لم تتبدل قط في
تلك الشهور الثلاثة التى كنت أتردد فيها على اللونا بارك. وكنت
أتأمله ذاهباً شتى المذاهب فى تفسير آلامه وهواجسهء ولكني لم
أجرؤ مرة واحدة على الاقتراب منه أو سؤاله» لما رُكٌبٍ في
"١
طبعي من تهيّب ملاقاة الناس. بل لم أحاول -يوماً من الأيام- أن
أتصل بد بسلام أو كلام.
ثم تبدل النادل بآخر جديد» مر على صاحبي مرة ولم يكن
معه شيء من المال» فارتبك وتحير. ورأيت ذلك فأشرت للساقي
أن الحساب عليٌ» فتركه. وانتبه صاحبي لما فعلت» فلم يزد على
أن ألقى علي نظرة بلهاء» أردت أن أفهم منها معنى الشكر
فرددت عليه بابتسامة صغيرة قطب منها وعبس. ولمّا قمت سمعت
صوته. فتلفت فإذا هو يناديني» فوقفت» فقال لي من غير سلام
وفي لهجة لم أستطع أن أتبين أهي تأنيب أم شكر: هل لك أن
تقول لي ما الذي دفعك لهذا... لهذا الفضول؟
فارتبكت ولم أدر بماذا أجيب» ولكني نجوت من الجواب
-على كل حال- لأنه تابع كلامه دون أن ينتظر مني كلمة
واحدة: أحسبك قد خفت علي الفضيحة... ولكنك مخطئء فأنا
لا أخاف شيئاً. لقد حملت من الآلام ما ينوء بأمة بأسرهاء ولم...
ما فائدة الكلام معك؟ إياك أن تعود لمثلها مرة ثانية» أقهمت؟
إذا كنت جائعاً. فهل تحب أن نأكل أولاً ثم نتحدث؟
قال: تعني...؟
قلت: تفضلء لنتعشً أولاً. أظن أنك ستتكرم بالدخول
معي .
- تعم.
ودخلناء فأكل كمن لم يأكل منذ شهر. وكنت أتأمله
متعجباً أحاول أن أنفذ ببصري إلى سرهء فإذا رأيته ينظر إلى
تشاغلت بالأكل؛ حتى شبع فأشعل دخينة (سيكارة) واستلقى في
كرسيه ومال به إلى الوراء» ورفع نظره إلى السقف وراح يتكلم
بصوت عال لا يبالي بأحد من الحاضرين» حتى جعلهم جميعاً
ينظرون إلينا.
قال: لقد رفعتني الآلام على أجنحتها السود» فأصبحت
أرى الدنيا ضيقة مظلمة ليس فيها سعة الأمل ولا نور الحب.
... لقد مر على ذلك أربع سنين كاملات» ولكني أحسست
كأنها دهر طويل لما مرّ علي فيها من آلام» وأحسست كأنها
لحظة واحدة لأنها لم تبعد عني شبح تلك الحادثة التي لا أزال
أحس كأنها وقعت منذ ساعة. لم أنسَ حركة من حركاته ولا
أزال أذكر الأمكنة التى حل فيها والكلمات التى قالهاء بل أنا
أذكر كل لحظة مرت على منذ عرفت أمه الغادرة. ليتنى أقوى
على لفّ هذه الذكريات فى رداء النسيان! إن أكثر ما يؤلمنا فى
الحياة هو ذ كرى الملذات كما يقول دانت» أما ذكرى الآلام...
إني لا أدري ماذا أقول؟
لقد رأيتها وأحببتها من النظرة الأولى. لقد كان ذلك على
رغم هؤلاء الذين يقيسون العواطف (وهي شيء من عالم السماء)
بمقياس من عقولهم الأرضية» فينفون الحب من النظرة الأولى
ويأتون -للتدليل على رأيهم القائل- بألوان من السخف
انح
والبلادة... ولكن مالي ولهم؟ لقد رأيت عينيها الصافيتين كالسماء
العميقتين كالبحرء وأنفها الصغير الجميل» وشفتيها الورديتين؛
فأحببتها.
وسكت ونفخ في دخينته ثم عاد يقول: لقد أحببتها حباً
خالط روحي ودمي»: وأحسست معه بأتها جرء متمم لنفسي»
وأنه لا حياة لى إلا بها ولا سعادة لى إلا بالاقتراب منها...
ولكني كنت مصوّراً حقيرأء وكانت امرأة غنية يحف بها كثير
من ذوي الثراء كما يحفون بكل «أرتست» أخرى.
لقد كانت على درجة عالية من السلم الاجتماعي وكنت
في أسفله؛ والصعود عليه لا يكون إلا بساقين من نفاق وتدجيل!
لا أزال أذكر يوم وفّرت بعضاً من دخلي القليل» واختلست
فرصة من غفلة الناس وقدمت لها طاقة من الزهر فيها صورة لها
بريشتي» استوحيت فنها من جمالها فجاءت غاية فى الجمال
الفني... وخرجت مسرعاً قبل أن أسمع كلمة واحدة منها. فلما
انصرف الناس عدت إلى المكان الذي تركتها فيهء فإذا طاقة
الرهر مقطعة ذاوية وإذا الصورة على الأرض وعليها آثار قدميها
العزيرتين...
وسكت. قلت: ثم ماذا؟ إن قصتك 3 تستحق النشر.
ولكنه لم يرد علي ولم ينظر في وجهي» ولبث ساكناً مدة
ثم انطلق يقول:
عند ذلك عرفتنى وأقبلت على» فعرضت صورة أخرى
"6
بلغت فيها غاية المجد الفني وجعلت اسمي ملء الأفواه والأسماع
وجعلت الجرائد تتبارى في التحدث عن هذا الفئان العظيم»
فتسابق المترفون إلى اقتناء الصورة... ثم اشترتها وزارة المعارف
وجعلتني مدرساً للرسم بمرتب كبير.
... وتروجتها وتحملت إسرافها راضياًء وهجرت لأجلها
أهلي وأسرتي لأنها أبت أن تعيش مع شرقيين همج. وكنت أجد
السعادة بقربها على رغم ما أجده منها من متاعب وهموم... ثم
تجسمت علاقة الحب بيننا غلاماً جميلاً» كنت أرى في عينيه
سعادتي وهنائي وكنت آمل أن أحيا فيه بعد موتي» لولا أنها...
لا؛ لن أقول شيئاء لقد كان الذنب ذنبي أنا الذي اختار الزواج
م قام فمشى لم يودعني ولم يشر إِليّ بسلام» فلحقت به
مأخوذاً أصيح به: الخاتمة... الخاتمة. يا سيد... يا أستاذ.
وهو لا يرد علي» حتى قطعت معه شوطا غير قليل وتبرّمٌ بي»
فوقف وصاح في وجهي مُغضباً: ماذا تريد مني؟
- خاتمة القصة.
قومهاء وبعشت تخبرنى أنه مت الحياة مع شرفي جاف ملل
وأن الولد ليس ولديء ولم أقع لها -بعد- على خبر.
كع نز تنا
همه"
نهاية الشيخ
نشرت سنة ١914
... رفع الشيخ صوته مرة ثانية يأمر التلاميذ بالانصراف»
ولكنه لم يسمع لهم ركزأء فنظر فإذا المقاعد كلها خالية» وإذا
آخر تلميذ قد بلغ الباب الخارجي ثم قفز فَرِحاً مسروراً وغاب
في منعطف الطريق؛ وعم المدرسة السكون.
فتنفس الشيخ”(" الصعداءء وألقى عصاه جانبأء ثم تمدد على
كرسيّه المستطيل يستريح من العناء الذي حمله في نهاره» وكأن
هذا السكون العميق وهذه الصفرة التى تبعثها فى الغرفة أشعة
الشمس المحتضرة قد ملا نفسه كآبة ورهبة» فأغمض عينيه
أحس كأن هذه السّحُف التى أسدلها دون الماضي ترتفع
ميجاقاً سيجاقاء وأن هذا الماضي البعيد الذي لفه في ثوب
النسيان وألقى به فى هوّة العدم قد استفاق فى نفسه مرة
واحدة» ثم عاد يكرّ عليه كما يكر «شريط السينما»» ولكنها
)١( هو معلم الشام؛ شيخنا الشيخ عيد'السفرجلاني رحمه الله ورضي عنه.
كان أبي تلميدّه ثم علّم في مدرسته» وصرت أنا -من بعد- تلميذه ثم
كنت معلماً في مدرسته..
سيئما حياة طويلة, مرت عليه كأنما هي يوم واحد أو بعض
يوم؛ سبعون عاماً جازت به في لمحة عين» فلم يأخذ بصره
فيها إلا العمل المستمر في تعليم صبيان دمشق. سبعون عاماً
لم يسترح في خلالها إلا أيام الجمع؛ ثم يعاود عمله منذ صباح
السبت هادثاً راضياً نشيطاً.
عادت به الذكرى إلى ذلك اليوم الذي بدأ فيه حياته
التعليمية» وكان غض الشباب يقطع مرحلة العشرين» وكان يوماً
بعيداً طوى فكره -للوصول إليه- ثلاثة أرباع القرن وأدار الفلك
راجعاً سبعين دورة... يا لقدرة الفكر البشري! كيف يدير الفلك
كما تدير الأصبع عقرب الساعة تقديماً وتأخيراً؟
كانت المدرسة التى استأجرها غرفة واحدة» فى «المناخلية»
قبالة الباب الحديديء الذي بقى فى قطعة من السور تراثاً لدمشق
المفتّحة الأبواب لكل طامع» من دمشق المنيعة المتحصنة بسورها
وبسالة أبنائها من كل طامح. وفي هذا الباب نفحة من نفحات
الغساسنة (العرب الخلص) يحسها من يجوزه» كما يحس من
يجوز الباب الشرقي روح خالد بن الوليد» بطل عصره وأنيبال
(هاني بعل) العرب» وكما يحس من يمر من باب الجابية روح
أبي عبيدة بن الجراح. ولم يكن هذا الباب معروفاً بياب المناخلية
كما يدعى اليوم» بل كان يدعى بالباب المسدود”("» وقد كان
-قبل أن يُسّد- الباب الرسمي لملوك الغساسنة» وكان يقابل
قصر البريص» حيث كان الغساسنة الكرام الحسب الشم الأنوف:
)١( وهو باب الفرج.
يسقون من ورد البريص عليهمٌ برّدى يُصِقَقْ بالرّحيي السَلْسّلٍ
كنز يع نت
ذكر كيف لبث نهاره كله منفرداً لم يجئ إليه تلميذ واحد
وكيف أسرع المساء بالعودة إلى داره قبل أن يقفل العَسّس
أبواب دمشقء وبواباتها التى كانت ُغلق منذ العشاءء أيام كان
الناس جادّين مستقيمين» لا يعرفون ملاهي الغرب ورذائله ولا
يعرفون إحياء الليل فى الفاحشة وقتل النهار فى الكسل» وكيف
كان قوي الأمل جم النشاط لا يخالط اليأسُ قلبّهه فلم ينعن عن
عزمه. وغدا في اليوم الثاني إلى مدرسته التي أنشأها في البلد
الذي لا يعرف القراءة إلا اثنان في الألف من سكانه؛ فجاءه
خمسة تلاميذ» وشرع يعمل.
لم يكن الشيخ يحمل شهادة» ولم يكن في دمشق كلها من
يحمل شهادة البكالوريا أو الكفاية» ولكنه قد أتقن العلوم
الإسلامية والعربية» وثابر سنين طويلة على «الطلب» حتى ألم
بالثقافة العامة المعروفة في زمانه إلماماً حسناً. وانصرف للتعليم
ابتغاء لمثوبة الله وإجابة لرغبة نفسهء فلما جاءه هؤلاء التلاميد
رأى فيهم تحقيقاً لحلمه فأكبّ على تعليمهم وتهذييهم.
وأشرقت نفسه بذكراهمء فانطلق يدعو لهم ويترحم عليهم.
لقد كانوا أشرافاً عاملين» ثيابهم سابغة وحركاتهم وأفعالهم
فياضة بالرجولة, وحياتهم مقصورة على البيت والمدرسة» لا
تعرف الرذيلة الغربية نفوسهم. ولم يكن الغرب قد غزانا بأزيائه
اك ا
وملاهيه وأبنائه المستعمرين وأبنائنا الذين علّمهم العلم والعقوق
وأعطاهم السلاح ولقّنهم كيف يقتلون به «التقاليد» الشرقية
الشريفة... فكانوا بمنجى من هذا كله.
لقد هاجت الشيخ ذكرى أولئك التلاميذ الذي أصبحوا
اليوم شيوخاً ومات منهم من مات. أين هم من تلاميذ اليوم
المتأنثين المتخنثين الذين يتقنون التجمل ويغوصون فى الملاهى
القذرة إلى أعناقهم؟
وازدحمت في ذاكرته الصور المؤلمة» فرأى كيف كان
يتلقى الفوج من تلاميذه أطفالاًء فيعلمهم ويربيهم ويجعل منهم
شباباً عاملين» ثم يودعهم بعد أن يوليهم من نفسه أسمى ما يولي
والد ولدهء فيغادرون المدرسة ليدخلوا الحياة. ويرتقون من
مقاعد النظارة إلى خشبة المسرح» ويحسبون أن هذه الشهادة
غاية العلم (وهي فاتحته) وأنهم إذا نشروها طويت يت لهم المراتب
إلى الصدر وقُدّم لهم من كل شيء ما يشتهونء, لا يدرون أن
للحياة فنا غير فنَ الكتب وفي العلم آفاقاً لا تحيط بها المدرسة.
وكيف كان يلبث الأيام الطويلة يستوحش بالمدرسة
والمترل» ويحس بالفراغ في قلبه بعد أن اقتطع منه كل فوج
قطعة. ويتألم ويجفوه النومء فلا يعلم إلا الله بألمه» ثم يستعين
بالله ويستأنف العمل مع تلاميذه الجدد ويحاول أن يجد فيهم
بدلا مما فقد» حتى إذا نضجت الثمرة خرجت من يده وكان
حظه من هؤلاء حظّه ممن سبقهم: ينسونه مذ يتخطون بأقدامهم
عتبة الباب» وينصرفون عنه إذا لمحوه في طريق» مصعّرين خدودهم
امن
شامخين بأنوفهم (وهم التجار الأغنياء» أو الموظفون الكبار» أو
الوجهاء الكرام) على هذا الشيخ المسكين «معلم الكتّاب». "أحد
عشر ألف تلميذ» أحد عشر ألفاً علمتهم وأفنيت فيهم حياتي»
فذهب تعبي فيهم أدراج الرياح".
وفتح عينيه فوقع بصره على مرآة كانت إلى جانبه» فنظر فيها
وأطال النظر كأنما قد انتبه الآن إلى لحيته البيضاء الناصعة وإلى
أنه جاز التسعين» فاسترجع مرة ثانية وسأل الله حسن الخاتمة.
تين يذ تن
- سقياً لتلك الأيام الهنيئة» حين لم يكن في دمشق إلا تلك
المدرسة ومدرسة الشيخ الصوفي. أما الآن فالمدارس تعد
بالمئات» ولكن الناس لا يميلون إلا للمدارس الأجنبية» إنهم
يضنون على مدرسة كهذه المدرسة تقدم أبناءهم للفحص الرسمي
العام وتحفظ لهم دينهم ووطنيتهم بعشرين قرشاً في الشهرء ثم
ينفقون مئتين وثلاثمئة فى المدارس الفرنسية أو الإيطالية أو
الإنكليزية» ليعود إليهم أبناؤهم فرنسيين أو طلياناً أو إنكليز! آم
الحمد لله على كل حالء الحمد لله... إننا نجد ثمن الخبز.
وانتبه فإذا الباب يُقرع قرعا متواصاة.”
- ادخل تفضل... ممّن هذا الكتاب؟
- من وزارة المعارف.
قرأ الشيخ الكتاب أولاً وثانياً» وقرأه مرة ثالثة» فغشيت
5”
وجهّه سحابةٌ أليمة من الغم؛ » ثم قام إلى مكتبه صامتاً فأخرج دفتراً
كبيراً مسح الغبار عنه وأخذ يقلبه يفتّش عن هذا الاسم بين أحد
عشر ألف اسم حواها هذا الدفتر» فلما وجده تناثرت الدموع من
عينيه وارتمى على كرسيه محطماً.
- أهذه خاتمة المطاف؟ آه! الحمد لله على كل حال»
الحمد لك يا رب. إنه تلميذي» علّمته ومنحته قسطاً من قلبى»
وعلمت أباه من قبله» وعلمت ابنه من بعده... ولكن لا بأس» إن
أمور المعارف بيده ومن حقه أن يفعل ما شاء.
وعاد فقرأ الخطاب للمرة الرابعة: "... ولما كان يُشترط
فيمن يدير مدرسة ابتدائية أن يكون من حمّلة ليكالوريال ولما
كنتم لا تحملون شهادة» فإن الوزارة تنذركم بوجوب تعيين مدير
لمدرستكم مستوف الشرائط القانونية خلال شهر واحد من
تاريخه'
38
لحيته البيضاءء ثم قال: الحمد لله على كل حال.
وقام إلى صلاة العصر.
تنخ نذا تنا
كس
على ثلوج حزرين
قال لي صديق:
خطر لي من سنوات أن أرى لبنان في الشتاء. ولبنان في
الشتاء له فتنة الراهبة الصبوح بجلبابها الأبيض الذي لا يُبدي من
جمالها إلا قليلاً يثير الرغبة في الكثير» كالجرعة من الكأس لا تبل
الصدى ولكن تريد العطش والفصل من الرواية لا يغنيك عنها
ولكن يشوّقك إليها. فرحلت بالسيارة مع جماعة من الإخوان من
بيروت إلى عاليه» حتى إذا بلغناها تركنا الطريق المعبّد الذي يمر
على بُحَمدون وصوفر وصعّدنا في الجبل نمشي على غير طريق»
وكان الصعود أول النهار سهلاً» وكنا أقوياء أولى نشاط»ء فما
قارب المساء وجاوزنا قرية «حزرين» حتى توعّرت السبل وتبدّدت
القوى2» وتشابهت المسالك فلم نعد نرى من حولنا على مد
البصر إلا ذرى متعمّمة بالسحاب وتلالاً مكسوة بالثلج» تبدو
القرى في سفوحها البعيدة وكأن بيوتها المتفرقة بمداخنها بواخر
تمحر العباب. . فجعلنا نفتش عن طريق نعود منه» فلم نجد إلا ثلجاً
منبسطاً يخفي السبل ويغطي الأرض» فلا نتبين مواضع الهُوَى
لنتجنبها ولا نرى الحفر لنحيد عنهاء فلم تكن تمر لحظة حتى نقع
في حفرة أو نقدم على السقوط في هوّة» فآثرنا التفرق عل واحداً
منا يرى منزلاً فيدلَ عليه إخوانه. وأظلم الليل وانفردت في مهامه
نون
الجبل» واختلطت علي الأرض بالسماء والتقى الثلج بالسحاب»
وهبّت الرياح متجمدة من القَرّء كأنها المبارد الخشنة» تحمل
بَرَدأ ثقيلاً جعل يسّاقط على وجهي كالرصاص المندفع من
الرشاشات.
وصوّر لي الوهم أشباحاً مرعبة تحيط بي» فكنت أعدو هارباً منها
حتى تكل قواي» فأقنف لأستريح قليلاً فأحسّ كأن جياً جباراً
يسوقني فأعود إلى العدو... وطال المسير وطال الليل» وتهت
فما أهتدي إلى منزل وتاه الفجر فما يهتدي إلى مطلع» ونفدت
قواي وحَطمنى الجهد» فتمنيت الموت وعرمت عليه» وجعلت
أفتش عن واد أتردّى فيه» فرأيت من بعيد نوراً خافتاً يحاول أن
يخترق حجب الظلام فيعجز ويرتجف» كأنه مقرور مثلي يقضقض
عظامّه القرّء وأعصابه من التوتر والفزع كالأسلاك المحماة
بالنار» أو كأنه خائف مثلى من الوحدة فى هذه الأعالى الموحشة
فهو يرتجف من الخوف.
فأسرعت إليه إسراع المشرف على الغرق في اللجّة الهائجة
إلى السفينة المنجية يرى ضوءهاء أو إلى الشاطئ الآمن يبصر
مناره. وهبطت وادياً كأنما تعزف فيه الشياطين من أصوات
رياحه ثم صعدت جبلا كأنه من استوائه صرح قائم» حتى
وصلت إلى النورء فإذا بيني وبينه سور كأنه كان -يوماً- سور
حديقة. فعالجت بابه لأفتحه فإذا هو صدئ المفاصل كأنه لم
يُفتح من دهورء فحططت عليه بمنكبي ودفعته دفعة الآيس» فصرٌ
صريراً مخيفاً ردَّدَنّه هاتيك البطاح فكان له مئة صدى انبعثت
535
كلها معا ثم حملتها الرياح إلى بطون الأودية» وعاد السكون»
فولجت أحسب أن الرحمة فى باطن الباب الذي كان فى ظاهره
العذاب» وإذا أنا بشبح أسود يثب إلى وجهي ويتعلق بي» وله
صوت لم يقع في أذني أفظع منه. فنظرت إليه وقد شل الفزرع
أعضائي وسّمّرت قدماي بالأرض» فإذا هو كلب ضار يهم بأن
ينشب في مثلّ أنياب الذئب الكاسرء ؛ فتبلج حسّي واستسلمت
للقضاء وتوقعت الشر... ولكنى رأيت الكلب يدعنى ويبتعد
عني» قد دعاه صوت من داخل البيت فانصرف إليه مزمجراً ثم
مشيت إلى البيت فدخلت إلى ردهة دافئة فيها كهل وامرأة
وشيخان عجوزان» فسلمت فلم يرد أحدّ منهم, ولبثوا يحدقون
في جميعاً بعيون فيها الدهشة والبغضاءء شاخصة لا تطرف كأنهم
يرون في مخلوقاً عجيباً انشقت نشقت عنه اللأرض. فلما طال ذلك منهم
ملكتني الحيرة وأخذني من الخوف ما لم يأخذني وأنا معلق بين
السماء والأرض تائه لا أعرف لي متجهاً» وهممت بالفرار ثم
خفت أن يلحقني الكلب» وذكرت الكلب فنظرت إليه فإذا هو
رايض يزمجر يريد أن يشب علي فيكفه الكهل بقدمه.
وتجلدت فقلت لهم: أنا غريب ضلّ في هذه الجبال حتى
وقع عليكمء وأنا أعتذر أن أزعجكمء وأرجو أن تمنوا علي
بقدح شاي أطفئ به حر جوفي الذي ألهبه الخوف وأدفئ به
أطرافي التي جمّدها البرد.
فنظرت المرأة إلى الكهل نظرة لمحت فيها خليطاً من
"50
الحب والبغض والشفقة والرهبة» ولبقت لحظة متسائلة» فهر
رأسه كالموافق» فقامت تعدٌ الشاي. وألقيت بنفسي على مقعد
قريب من النار وجعلت أسارق القوم النظرء فأرى الكهل قوياً
متين البناء لم يجاوز الخمسين ولكن الهم الذي تبدو عليه ظواهره
قد شيّخه قبل أوان الشّيوخة("»: وأرى المرأة فى نحو الأربعين»
ذات جمال وادع قد حجبه ستار من الكآبة والغم فهو يضيء من
ورائه كما تضيء الحلية النفيسة من تحت الغبار المتراكم. وجاءت
بالشاي فشعرت وأنا أشربه أنه يمشي في عروقي كما يمشي
الري في النبتة الذاوية تسقيها الما ثم قلت لهم: هل تأذنون لي
أن أرقد ما بقى من الليلة على هذا الكرسى؟
فقال الكهل بيده أن: «لا»» وأشار إلى الخادم الشيخ»
فسلك بي ممرات وجاز أبواباً كأنها ممرات قصر كبير لا كوخ
منقطع في رأس جبل لا يبلغه جنٌّ ولا بشرء حتى دخل بي بهواً
فسيح الجوانب تفوح منة رائحة القدم والهجران» أحسست لما
ولجته أني ولجت مقبرة من المقابر» فوضع الشمعة التي كان
يحملها على الموقد وأحنى رأسه وخرج. وتلفت فرأيت الشمعة
قد رسمت ظلالاً على الجدران صوّرها لى الرعب شياطين ذات
قرون وأنياب» فذهبت إلى الباب أريد الخروج فوجدته مقفلاً
علي» فلعبت بي ظنون السوء» وزاد ب بي الفزع حتى رأيت الجدران
تنأى عنى والمكات يكبر» ووجدت أن الأرض تدور بى»
فصرخت. فعاد الخادم الشيخ فقال: ما لك؟ ْ
)١( الشيوخة هي الشيخوخة.
فاستحييت أن أقول له إني خائفء فقلت: ألا تتكرم بإيقاد
النار؟
قال: إن الموقد لم يستعمل من عشرين سنة.
قلت: كيف تهملونه عشرين سنة؟
قال: لقد أهملنا البهرّ كله منعنا هانى أن ندخله بعدها.
قلت: بعد مَن؟
فائتبه وقد كان غافلاً» ونظر حوله ججرعاً يخاف أن يكون
قد سمعه أحد. ثم قال لي: "تصبح على خير". وانحنى وخرج
مسر 1
وغطى التعب أخيراً على مخاوفي» وخفق رأسي» فجئت
الفراش لأنام فإذا عليه أرطال من الغبار» فنفضته فهبّت زوبعة
محمّلة ترابأ» فأغمضت عينيّ وغصت في الفراش؛ لم أعد أبالي
-من الوّنى- أن يكون مثواي قبراً أو مزبلة أو جحر ثعبان. فلم
أكد أغفي حتى سمعت مثل أصوات المدافع تدوّي في أذني»
فتبدد النوم من عيني» ثم ضعف الصوت حتى سمعت منه وأنا بين
النائم واليقظان: "هانى... هانى". ففتحت عينىّ فرأيت الفجر قد
بدا» ورأيت الرياح تحرك باب النافذة فيكون منه هذا الصوت.
فأغلقته ولكن الصوت لم يبرح يطن في أذني ينادي: "هاني...
هاني". فذهبت إلى آخر البهو وهو يلاحقني» فعاودني الفزع
فصرخت حتى سمعني أهل الدار كلهمء وأقبل الكهل مُغضباً
يقول: ما هذا؟
يدن
قلت: هل في هذه الدار من اسمه هاني؟
ففتح عينه وقال: ولمة؟
قلت: صوت لا يفتأ ينادي: "هانى» هانى".
قال: سمعبّه ؟ أنت سمعبّه ؟ أهو صوت امرأة؟
وجعل يهزني كالمجنون. قلت: نعم.
فأرسلني وفتح الباب» وعدا يَخِبّ في الثلج. ولحقته المرأة
كأنها تحاول رده ولكنها وقفت فى الياب وألجم الخوف
لسانها فلم تنطق» ولكن نطقت عيناها فأباتتاء وأطلّ منهما الحب
لحظة ثم ارتد كما يرتد عن النور سجين طال عهده بالظلام.
وقرأت في وجهها صحائف تاريخ لم أقهم منها شيئاًء
فتركنّها وأقبلتُ على العجوزء وقد انتحّت ناحية تبتسم ابتسامة
غريبة كأنها تقول: أنا أفهم ما لا تفهمون وأنتظر -من زمان-
هذا الذي ترونه الآن وتعجيون منه.
قالت: سأحدّثك» سأشرح لك. إنه تاريخ طويل ختم في
هذه اللحظة. إنها قصة هائلة مشت بأحاديثها الركبان» وكتبتها
الأقلام» وصورتها «الأفلام» وصارت من روائع الأدب. لقد
مثلت على هذا المسرح قبل أن تمثل في «السينما»'» ولكن
)١( مثلت باسم «مرتفعات وذرنغ». (قالوا: وهي محرفة عن «حزرين»).
517
اتتهت الرواية ولم يُرَّح الستار» فلبث الممثلون حائرين لا يدرون
ماذا يصنعون وعيون الْنَظار تكاد تأكلهم. تصرّرُ هذه اللحظات
وشدتها. إنها لا تُحتمّل وإن كانت لحظات قصارأء فكيف إن
دامت عشرين سنة؟... عشرين سنة ونحن نعيش بلا عمل» ننتظر
أن يُرخَى الستار على هذه المأساة التى مثلتاها. فلم يُرْحَ إلا الآن!
قالت: ذهب يلبّى نداءها.
قلت: وأين هي التى كانت تناديه؟
قالت: لقد ماتت!
قلت: ماتت؟ وهل يرجع من مات؟!
قالت: نتعم؛ إن في الوجود قوة تُرجع الموتى: إنها قوة
كح ذا نا
قالت:
بدأت هذه القصة منذ أربعين سنة» ولم تكن هذه الضهور(©
موحشة مقفرة كما تراها اليوم» ولم يكن القصر مهجوراً خرباً
بل كان حافلاً بالأنس فيّاضاً بالنعيم» يمرح فيه الصّبا ويضحك
الطهرء وإن كان قد خلا من هيبة السلطان وهجره الجند والأعوان
)١( الضهور جمع ضهر: وهو ظهر الجبل» من عامي لبنان الفصيح.
51848
بعدما قضى ب«مذبحة عين دارة»(2" الأمراء التنوخيون سادة الجبل
ودالت دولتهم وذهبت أيامهم, فلم يبقّ لسيدي الشيخ ناصر
رحمه الله «مشيخة» بعدهم على هذي البقاع (وكان هو «شيخها»
وحاكمها) فما خلا من النبل والفضل ولا هجره العافون. ولا
الوافدون» بل كانوا يؤمّونه أبداً فينصرفون وقد حَفِل وطابُ كل
واحد منهم بما يشتهي وما يريد من مال الشيخ» ومن طيب قلبه
ونبل نفسه وإشراق وجههء فكان مجده فى عزلته أكبر من مجده
في إمرته.
شابّة ناضرة كطلائع الربيع. وكانت تنشر عطر الحب أينما سارت
فتترك حبّها في كل قلبء فلما تولت أبقت فى كل قلب أعطر
الذكريات وأحرّ اللوعات» ورعى سيدي الشيخ عهدها وحفظ
ودّهاء فلم يحل محلها -من قصره أو فؤاده- امرأة غيرهاء ووقف
نفسه على ولديها: علام وليلى» فكان لهما من بعدها أبا وكان
لهما أماً. ولم يكن في القصر امرأة إلا أناء وكنت غضّة الإهاب
ريّانة الشباب» فكنت أقوم على خدمتهما وتربيتهما.
وكنا نعيش سعداء لا ندري ما الهموم ولا نسأل عن الغد
كنا كالمسافر يقف على العين الباردة) يتمتع بالماء العذب
والظل الظليل» ثم يسير لا يحمل معه قربة ماء ولا يترود زاداً لأنه
)١( يُسأل عن خبرها الرجل الذي لم يبق من سلالة الأمراء التنوخيين إلا هو
الذي قصّ علي هذه القصة» وعنه رويتها.
5
يعلم أن الطريق أمامه شمس كله وعطش وجوع وضلالء ولا بد
له من سلوك هذا الطريق.
بعدُ أبداً. وكان الحجر الذي رمتنا به الأيام غلاماً قذراً حمله
منهاء لأنها لا تُروى كلها. ومّن يستطيع أن يروي قصة حب بكل
إن النفس البشرية أعمق من البحرء فمن دخل البحر غرق فيه
فلم يخرج منه ليخبر عما رأى» ومن وقف على الشاطئ لم يلمس
منه إلا الربّد الذي يحمله إليه الموج» وإن أعظم القصص التي
كتبها الأدباء لم تكن إلا زبداً يلقيه الموج إلى الشاطئ» أما اللجّة
الكبرى فلم يصل إليها قلم أديب» ولا غاص على جواهرها ولا
وصل إلى عجائيها.
هل رأيت الأفق عند الغروب والشمس تلوّنه كل لحظة
بلون» تخلق فيه عجائب لم تعرفها الأرض ثم تبيدها وتأتي بغيرها
وتخط فيه خطوطاً سحرية بألوان ما عرفها الفنّ ثم تمحوها
وترسم سواها؟ كذلك النفس البشرية. إنها تبني وتهدم في «الثانية»
من الأفكار والعواطف والخواطر والتأملات ما يعجز أدباء الأرض
جميعاً عن حبسه فى القرطاس. فكيف يصف حياةً امتدّت أربعين
سنة من عجر عن وصف حياة ثانية واحدة؟ وكيف يصور ألوان
النفس الخفية مّن لم يستطع أن يصور ألوان الأفق الظاهرة؟
حص
إن الأدباء لم يأخذوا من قصص الحياة إلا حوادثها. وما
الحوادث؟ ما خطرها؟ إنها جسم القصة» فهل رأيت محبّاً يقل
كدنر ين نا
أروي لك حوادث هذه القصة وأدع لك أن تفهم ما
وراءهاء وأن تلمس بيد بصيرتك روحها حتى لا تكون جسماً بلا
روح وأن تسمعها بأذن نفسك لا بأذن رأسكء فإن النفوس
متشابهات» ورب إشارة أو كلمة أدل عند النفس من كتاب
ضخم عند العقل.
بدأت حوادث هذه القصة يوم عاد سيدي الشيخ من ييروت
راكباً فرسه (إذ لم تكن قد وطئت حرم الجبل الأشمّ هذه
السيارات) وقد لف عباءته على غلام وضعه بين يديه لا يبدو منه
إلا رأسه» فلما وصل كشفها عنه فإذا غلام «شحّاد» عمره نحو
عشر سنين» وسخ الجسم قذر الأسمالء فقال لنا: إني وجدته في
رأس بيروت يهم بأن يلقي نفسه في البحر فحملته معي.
وجعل الولد يتفآت منه كأنه قط وحشي يريد أن يفرّ من
الصياد» فشدٌ يده عليه ودفعه إل وقال لي: خذيه فأطعميه.
ش ويا ليته تركه يرمى بنفسه فى البحرء أو يا ليته خلاه ليهرب
ولا يعود؛ إذن لما شقينا به ولما شقي بنا أربعين سنة كوامل» لم
نستمتع فيها بشياب ولم نعرف السعادة ولا الاطمئنان.
وسحبته من ذراعه وهو يحاول التملص مني ويعضّ يدي
و"
وينطحني ويثبت قدميه مستعصماً بالأرض كالتيس العنيد) حتى
بلغت به المطبخ ووضعت له الطعام؛ فأكل أكْلَّ من لا يخشى
العَورد فلما شبع عدت به إليه وكان يحدث الولدين ويدفع
إليهما هداياه التي طلباها منه: القيئارة للصبي والسوط المرصّع
اليد للببت. فلما رأته ليلى قالت: باباء إنه قذر.
ورحمُنْه أما علام فقد أبغضه منذ اللحظة الأولى.
فقال لى سيدي الشيخ : خذيه فاغسلى جلده» وألبسيه.
ففعلت فرأيته قد استحال إنساناً آخر» وخيّل إلى أنى لمحت
انطفأ وعاد وجهاً عادياً لغلام وضيء رائع المحيًّا.
وعدت به إلى الشيخ» فِسُرٌ به وقال: لقد أسميته «هاني»
ونظرت إلى الولد فأبصرت عينيه تلمعان» ثم رأيته يسرع
إلى الشيخ فيخيّئ وجهه في طيّات جبّته ويبكيء يعبّر بالدمع عن
الشكر الذي يقصر عن التعبير عنه اللسان.
وكانت ليلى ترمقه باسمة؛ أما علآم فكان يأكل قلبّه البغضُ
ويجلل وجهه الغضب.
)١( الفزر من العامي الفصيح.
ومرت الأيام» وألفته ليلى (إذ كان في مثل سنها) وألِفهاء
أما علام فلم ترده له الأيام إلا كرهاً. وكان الشيخ قد اشترى لكل
من الثلاثة فرسأء فأقبل علآم يوماً على هاني -وكان يساير بفرسه
ليلى- فقال له آمراً: انرل عن الفرس وهاته؛ فإن فرسي قد أصابه
العرج.
فأبى» فسبّه وأخذ الفرس منه قسراً. وآلمه عدوانه عليه
وأنساه كرم الولد وأصله: وأنه لقيط من الطريق» وأن علام هو
الولد والوارث والفرس فرس أبيه» وأنه أكبر منه سنا وأقوى
ساعد فهجم عليه يريد أن يسترجع الفرس منه؛ فضربه علام على
وجهه وصدره. ثم أخذ حجراً ضخماً فرماه به فشجه وكاد
يقضي عليه؛ لولا أن أقبلت ليلى تدافع عنه بسوطهاء تنزل به على
وجه أخيها حتى حجرته عنه.
في هذه اللحظة ولد المخلوق الجبار الذي اسمه «الحب».
أشفقّت عليه. وشفقةٌ الفتاة على الفتى الجميل بذرة الحب
الصغيرة فى حدور الجبل» تطؤها الأقدام وتتجاوزها الأبصار ولا
يدري بها أحد, ثم لا تلبث أن تكون شجرة باسقة الفرع ممتدّة
الأصل شامخة الهام.
وجعلت تواسيه فيعرض عنهل يستحى برجولته «الصغيرة»
أن تراها كليمة مهزومة» وهي تلخ عليه» حتى قالت له: هلم
نقطف «أزهار الجبل».
فأبى. فرفعت ذيلها وانحنت له متشبهة بالعقائل (على عادتهن
537
في تلك الأيام)» فاستلت بدلالها غضبهء وابتسمت فأنارت
بابتسامتها قلبه» فأطاعها. وغلبت أنوثتها على رجولة الرجل...
ولا ترال المرأة غالبة ما حاربت بالأنوثة» فإن زهدت فيها
وحاولت أن تجاري الرجل في ميدانه وتسابقه في حلبته وتقاتله
بسلاحه» اصطكت ركيتاها وكلت قدماها وعجرت يداهاء
وسقطت.
ومسحت دمه» وعصبت جراحه. وأركبته فرسهاء ومشت
به الهوينى تلقي في أذنه كلاماً من كلام الطفولة العاشقة» يرفعه
في عين نفسه ويحقق فيه عندها ما تتمناه هي في رجل أحلامها.
ولكل بنت حلم ولو كانت بنت عشرء ولا يخلو حلم بنت من
رجلء ولو كان «رجلا» ابن عشر! حتى إذا اقتربا من هذه الصخخرة
(التي تراها قائمة على شفير الوادي كأنها قلعة من قلاع الجن؛
أمامها خندق لا تبلغ قرارته الشياطين ولا تصل إلى ذروته المردة)
قالت له: اسمع.؛ ما أنت بالوضيع ولا اللقيط. أنت سليل الأمراء
التنوخيين» أنت الذي نجا يوم «عين دارة» وهذا قصر أجدادك.
فنظر مشدوهاً وقال: هذه صخرة!
قالت: كلا. أنعم النظرء إنها قصر أجدادك؛, وهذا الفارس
الأسود بالباب يمنعك من دخوله فخذ هذا السيف واعدٌ إليه
فاقتله, اعد... اعذه.
قال: هذا سوط.
فصاحت متحمسة) وضربت الأرض دلالاً بقدمهاء وانتثر
شعرها الذهبي» وزادها الغضب جمالاً على جمالهاء فأراه غضبها
؟"
الصخرةً قصراً والسوط سيفاً. وأي رجل لا تخدعه الجميلة عن
الأوهام حتى يراها حقائق» ولا يندفع من أجلها إذا دفعته إلى
المهالك؟
وعثر به الفرس وكاد يهوي إلى الأعماق المظلمة» ولكنه
قفز إلى الأرض وانطلق يقارع بسوطه الهواء» وهو يرى أنه يجالد
الفارس الأسودء حتى إذا قتله مسح سيفه من دمه... ووضع قدمه
على عنقه... وصرخ بها صرخة الظافر. فأقبلت إليه وقالت: أنت
الملك» وأنا أمَتك.
قال: بل أنت مليكتى.
وانحنى أمامها فقبّل يدهاء وذهب يقطف زهور الجبل
ليصنعها لها تاجاً.
ونما الحب الوليد فجأة» فكانت له قوة هذه الصخرة
وسموهاء وله طهارة هذه الثلوج ونقاؤهاء وله خلود هذه الجبال
وبقاؤها.
قال صديقي :
وسكتت العجوز حيناء ثم قالت لي: انظر إلى ما تحت
قدميك.
فنظرت» وإذا أفتن منظر وقعت عليه عينا سائح وأبدعه.
قالت: هذا هو المشهد الذي كنت تراه في ظلام الليل
5
أسود مخيفاً يبعث الرعب. ما تبدّل» ولكن غابت عنه الشمس
فاستحال جماله قبحاً. وكذلك الدنيا: تكون في عين سوداء وفي
عين بيضاءء وتكون يوماً حلوة حبيبة ويوماً مُرَةَ كريهة» ولقد
اسودّت دنيانا منذ مات سيدي الشيخ وغربت عنها شمسه المضيئة
فشملها الظلام» وذهبت منها حلاوة نفسه فصارت مَرَة لا تطاق.
تبدلت «الدنيا» مذ مات. وشب الصغارء فلم يعد في القصر
ثلاثة أطفال يلعبون قد ساوى بينهم كرم الوالد» بل سادة وخدمء
وظالم ومظلومون. صار علام سيد القصرء فكشفت منه السيادة
عن نفس عبد وأظهر السلطان منه طبع سوقة؛ فاستبدٌ بأخته
واستأثر بالخير من دونهاء وجعل هاني خادم الإصطبل وسائس
الخيل» يمسك له فرسه وينحني له ليضع نعله الدنسة على كتفه
ليركب» ويعدو معه فى ركابهء ويذيقه ألوان الذل ويتعمّد أن
يحمّله صنوف الأذى» وهو صابر من أجل حبّه. وهي ترى هذا
فيقطع نفسها حسراتء ويمزق فؤادها أن ترى حبيبها و«ملكها»
ذليلاً ممتهنء ولا تدري ما اللذة ولا تعرف طعم الحياة إلا إذا
غاب الأخ فهرعت إلى الصخرة (تسبقه أو يسبقها إليها) فألقت
بنفسها بين ذراعيه» ما تبالي حِطّة منزلته ولا وساخة برته.
لقد كانت هذه الصخرة ملادّهما وعش هواهماء يستندان
إليهاء فإذا الصخرة التى كانت صماء خرساء قد عاشت بالحب»
وعَدَنّْها حيانه الخالدة فصارت قلبا كبيراً أحنى من قلوب الأمهات
ولساناً أحلى من ألسنة العشاق» وعرٌ كل شىء حواليها وغلاء
فالشمس عندها أضوأ فى عينهما من شمس القصرء والليل أعذب»
والورد أعطرء والثلج أطهر. وكان يحسّ وهو معانقها أن هذه
يعس
السفوح المتسلسلة إلى سييف البحرء وهذه القرى المنثورة على
السفوح؛ وهذه الأحراج المُطيفة بالقرى» وهذه السواقي المنبثقة
من الأحراج» وهذه الذُّرَى العالية» وهذه الحدور المتتالية» وهذا
البحر العظيم الذي يمتد حتى يصعد إلى السماء أو تنرل هي إليه؛
فيكون البحر سماء والسماء ماء... كل ذلك ملك له وحده!
ويشعر بالقوة قد ملأت نفسه حتى كادت تتفجّر نشاطاً
واندفاعاًء وبالعاطفة يكاد يتمزق -من طفغيانها- قلبه» وأنه لم
يعد يحتمل السكون والانطواء على نفسه بعدما حرّكه الحب؛
فهو يريد أن يصنع المعجرات, أن يزيح الجبال؛ أن يكون قائداً
فيفتح بحبها الأرضء أن يكون شاعراً فيملاً بوصفها الأسماع؛
أن يكون كاتباً فيخلّدها بروائع الأداب: بكل مقالة هي أعظم من
قلعة يشيذها ملكء وأمتن منها بناء» وأعلى» وأبقى على وجه
الدهر؛ تتخرّب القلاع وهي باقية» وُنسى أسماء الملوك؛ وأسماء
قائليها درر في صحائف التاريخ وجمال للماضي.
وتنالها من خمرة الحب مثل نشوته» وتغيب معه في سكرة
الغرام» فتهمس وشفتاها على خده: هل فى الدنيا أسعد منا يا
هاني؟ هل في الوجود متعة أعظم مما نحن فيه؟
فيقول: نحن الوجود يا ليلى؛ نحن المحبة والمحبة سر
الوجود. هذه الصخرة ما رست هنا منذ الأزل إلا لنأوي إليهاء
هذه السفوح ما بُسطت إلا لنطِلٌ عليهاء والقمر ما طلع من وراء
الأفق إلا لينظر إليناء والنجوم ما أطلّت من قُرَجٍ السماء إلا
لتناجيناء والفلك كله يدور من حولناء أنا وأنت يا ليلى. لقد كنا
178
متحابين من قبل أن نلتقي وقبل أن نولد» وسنبقى متحابّين بعد أن
الحب أن يعرف الحبيبة قبل أن 7 تقع عليها عينه وتسمع
باسمها أذته؛ يعرفها في سبحات التأمل في ليالي الوحدة» في
توران الميل في أعصاب الشباب» في خفقات القلب للحمال»
في تطلّع الفكر للمجهولء في فراغ النفس» في صراخ الأعصاب؛
في كل فرحة وفي كل ألم وكل ذهول. هذا هو الحبّ الضال
الذي لا يعرف طريق الحبيب.
ليس الحب ضِْمّة ولا شمّة ولا قبلة؛ الحب أن يرى المحبوبة
فيحس في نفسه جوعاً سماوياً إليهاء رغبة جامحة في أن يفتح
قلبه ويضعها فيه ويضمه عليهاء الحب أن تفنى هي فيه وأن يفنى
هو فيهاء أن لا يفرّق بين الحبيبين الزمان ولا المكان ولا الميول
ولا الأهواء» قيكون أبداً معهاء هواه هواها وميوله ميولهاء ويكون
في رأسه صداعها وفي معدته جوعها وفي قلبه مسرّاتها وأحزانهاء
وأن تكون له ويكون لهاء وأن يدخلا معا مصنع القدرة الإلهية
مرة ثانية ويخرجا وقد صارا إنساناً واحداً في جسمين اثنين. فأين
تروي جرعات اللذائذ الحسيّة هذا الظمأ الروحى؟! إنها كالخل
للعطشان» يشربه فيحرق أمعاءه ويزيد ظمأه. '
فتقول له: يا ليتنا نموت الآن يا هانى! حسبنا هذه الساعة
من العمر. أو يا ليت الرمان يقف فلا يدور أبداً, ولا نعود إلى
فيقول: ما الناس؟ وما القصر؟ كله وهمء كل ما عند الناس
احص
أوهام! هذا هو الواقع» هنا الدنيا.
ويعجز النطق وتضيق اللغة» فيتكلمان باللغة التي يفهمها
البشر كلهمء لأن لغة البشرية ليست لغة أمم ولا أقوام اللغة التي
ليس فيها إلا كلمة واحدة ولكن معانيها أوسع من كل ما حوت
المعاجمء اللغة التي لا يفهم الرجل عن المرأة ولا تفهم المرأة
عن الرجل إلا بها: لغة القبل! وتكون وسوستها الخافتة أبلغ من
كل ما قال الشعراء.
ولو استجاب لهما الكون فثبت الفلك ووقف الزمان لكانا
أسعد سعيدّين عرفتهما الأرضء ولكن هيهات! فالفلك دَوَا
والزمان سيّارء والأيام لا تستقر على حالء ورب يوم يحمل
محض السعادة يتبعه يوم يحمل الشقاءء ورب فرح بالولادة
والموت مترقب على بابه» ومسرور بالوصل والهجرٌ مترّئبص على
أعتابه. ولو كشف للناس الغطاء لضحك باك وبكى ضاحك»
واستحالت مآتم أفراحاً وأفراحٌ ماتم.
لقد غابا عن الدنيا في عناق لذ تهون معه الدنيا وما عليهاء
وتدنو به الآمال حتى لا مأمل بعده إلا أن يدوم» ولكن الدنيا لا
يدوم فيها شيء. لقد وقف هذا الطفل الجبارء الذي ولد بلا حمل
ونما بلا زمن» يعبث بهماء هذا الطفل الذي اسمه الحب... فلما
شبع من العبث نام وترك الفتاة لشياطين اللهو والترف والغنى»
تلعب بها كما تلعب بكل فتاة في الدنيا نام في صدرها الحب أو
سس
5
والمال» لولا أن هذا الطفل كان -على جبروته- أعمى لا يبصرء
أمسك بيد ليلى فانقادت له وهي لا تشعر ثم جرّها وهو يتلمس
طريقه في الظلام» حتى إذا وقعت يده على أول رجل لقيه عقد
قلبها بقلبه عقداً شيطانياً بلا شرع ولا عقل» وقال لها: هذا هو
الحييب.
وكان أوّل رجل لقيه هاني» هاني الذي لا يستطيع أن يصعد
إليها ليعقد له عليها عقد الشريعة والعرفء ولا تقدر أن تنرل هي
إليه. ولولا أن سيدي الشيخ رحمه الله أشفق عليه فحمله معه ما
علقت به ولا علق بهاء ولا كان هذا القيد الذي ألقاهما معا في
جحيم الدنيا.
أفرأيت كيف يعلق القدر سعادة الناس وشقاءهم بأوهى
الأسباب؟ حكمة إلهية تخفى عن أفهام البشر.
دع ع تن
هذا هو الحب: ثوب برّاق تحمله المرأة وتمشي حتى تلقى
رجادٌء فتخلعه عليه فتراه به أجمل الناس» وتحسب أنه هو الذي
كانت تبصر صورته من فُرّج الأحلام وتراها من ثنايا الأماتي.
مصباح في يد الرجل» يوجهه إلى أول امرأة يلقاها فيراها
مشرقة الوجه بين نساء لا تشرق بالنور وجوههن؛ فيحسبها خلقت
من النور وخلقن من طينء فلا يطلب غيرها ولا يهيم بسواهاء لا
يدري أنه هو الذي أضاء محيّاها بمصباح حبه.
خدعة ضخمة من خدع الحياة» خفيت عن المحبّين كلهم
58١
من عهد آدم إلى هذا اليوم. هذي هي حقيقة الحبء فلا تسمع
ما يهذي به المحبّون!
لقد قبضت ليلى على الحاضر -وهى عند الصخرة-
واطمأنتت عليه» ففكرت في المستقبل» فقالت لهانى: ماذا تنتظر
يا هاني؟ اذهب فاضرب في الأرض وعد إِليّ غنياً قويًء فاحملني
معك إلى حيث تشاء.
قال: كيف أفارقك يا ليلى؟ كيف أعيش بعيداً عنك وأنت
ولو سمعت هذه الكلمة قبل لحظاتء قبل أن يشبع هذا
«الطفل الجبار» وينام» لوثب قلبها إلى لسانها ليقول نعم»
ولانطلقت معه إلى البحار لتخوضها والجبال لتقطعهاء ولكنها
سمعتها والحب شبعان نائم» فقالت له: وكيف نعيش يا هاني؟
ومن أين ننفق؟ إننا على بلاط الشارع؟
وتصور هذا المصير الذي لا يرضاه لها فذابت كبده رقة
وسكتاء وتكلم في أذنها شيطان اللهو والترف وغمز فؤادّهاء
فنظرت تحتها فرأت أضواء تلمع في أوائل الليل؛ تيدو من «عاليه»
من بيت فارس أفندي طنوس الذي عاد إليها من أمريكا وفي جيبه
نقد جديد لم يألفه أهلوهاء وعلى جسده ثياب لم يلبسوهاء وفي
رأسه أفكار لم يعرفوها. ولمحت بريقاً وحركة فعلمت أنها حفلة
58
من حفلاته الراقصة التى أرقصت أحاديثها صبايا الجبل وشبابه
وأغضبت مشايخه وكهوله» فاستطارت قليّها الرغبة في رؤيتها
وقالت: هذا ما أبتغى» هذا ما أريدء فتعال؛ تعال نرّها من قريب.
وسحبته من يده وانطلقت به. يقفران كغزالين روّعهما
الصيّادء لا يشعران بقسوة الحجر ولا بصعوبة المنحدر ولا ببعد
الطريق» حتى وصلا «عاليه». وكانت دار فارس أفندي التي بناها
على الطراز الأمريكى أول دار فيهاء فوقفا على صخرة أشرفا منها
على الدار وطفقا ينظران.
رأيا الأهاء قد حفلت بنساء يلبسن الثياب الكواشف من
الحرير» ورجال يلبسون السراويل الضيّقة من «الجوخ», وهم
يرقصون متخاصرين حيناً متباعدين حيناً» ينقلون الخطا على رنّات
العيدان وسَّجْحات المزامير. ورأت الرجال يأخذون بأطراف
أنامل الفتيات وهم يحنون لهن رؤوسهم ويبدون إعجابهم,
فتخيلت نفسها في هذا النعيم» وتصورت هؤلاء الرجال ذوي
السراويل الأمريكية الضيقة ينحنون لهاء وقابلت في أعماق سرّها
بينهم وبين هاني» ثم طردت هذا الخاطر وأبعدته عن حسها
وحسبت أنها تخلصت منه» لم تدر أن «السوسة» بدأت تنخر
جذع السنديانة الضخم!
قالت: هل ندخل؟
قال: ومن أين ندخل يا ليلى؟
18
وألحّت لحاح الولد المدلل فأطاعهاء وهل يخالف العاشق
معشوقه؟ إنه لا ب يستحق اسم العاشق ق حتى يرى كل نروة للمعشوق
حكمة بالغة» وكل رغبة فرضاً لازبء وكل نقيصة كمالاً ما بعده
من كمال.
تسلق الجدار وهبط بهاء فلم تكد تستقر على أرض الحديقة
حتى أحس بها كلبان كأنهما ذثبان» فوئبا إليها فأنشبا فيها أنياباً
من حديد. ولم يستطع هاني دفعهما عنهاء وأسرع القوم إلى
الصوت فرأوا المشهد؛ رأوا فتاة ناضرة الصبا نقية الثياب» وفتى
قذرأء فحملوها مكرّمين وأمروا الخدم بالقبض على «اللص».
فأمسكوا به وترلوا عليه ضرباً حتى هدّوه. ثم جاؤوا به إلى البهو,
وكانت على كرسي والخادمات يعالجن جروح قدميهاء فاقترب
منها فسألها أن تعود معه فاعتذرت بعجزها. وزجره القوم, فقام
بينهم فاستنزل اللعنة عليهم وأوعدهم أنه سيرجع فيهدم هذه الدار
على رؤوسهم. وبصق على الأرض وذهب. وبقيت هي في الدار
التي كانت تحن إليها.
لا. لا تلمها أن فكرت في الترف ومدّت عينيها إلى متع
المال وهى عند الصخرة» محراب الحب الأقدس» وجرت هذا
البلاء على حبيبها؛ فإنه لا بد للحبيبين من مشغلة» فإن لم يجداها
وظلا متعانقين العمر كله والحب بينهما فإنه يختنق.
وكيف يعيش الحبيبان إن اقتصرا على حديث الحب؟ وهل
في لغة الحب إلا: «أحبّك» و«أحبّكِ»؟ كرَرها عشرين مرة كر
58
وهل في دنيا الحب إلا العناق والقبل؟ فهل تُمضي الحياة تُقبّل
وتعانق؟ ألا تمّل؟ ألا تكل؟ ألا تجوع؟ ألا تظمأ؟ إن حياة كهذه
خيرٌ منها السجن وأحلى منها الموت» وأولى بالعاشق أن يفر
منها ولو إلى سقر!
ذاقت ليلى في هذه الدار لذة الغنى وعرفت متعة الترف»
واستمرأت الرقص والغناء» وتخطرت في الثياب الغاليات»
وأصغت إلى حفيف الحرير من أردانها وإلى منمّقات الألفاظ من
القوم العلية من حولهاء فتملك شيطان الترف روحها فأفسدها
كما تفسد جراثيم السلّ أجساد الأصحاءء وشغلها بفقاقيع البحر
عن جواهره» وأيداها لها تلمع في أشعة الشمس فحسبتها أكرم
من الجواهر وأغلى» وزاغت -من بريقها- عينها فلم تعد ترى
وجه الحب ولم تعد تذكر الحبيب. ولبقت شهراً كاملاً تتقلب
في الحرير وتمشي على الذهب» وهو ينام على الجمر ويخطو
على الشوك. حتى تم شفاؤها ولم يبق بدّ من عودتها إلى المنرل»
فحملتها العربة الفخمة تجرها. الجياد المطهمة حتى بلغت بها
الباب» فتزلت منها وأقبلت على دنياها التي لم تكن تعرف غيرها
ولا تطمح إلى سواهاء فرأتها ضيقة مقفرة» وأحست بأن قلبها قد
بقي في تلك الدار» فتمسكت بأسعد (ابن فارس أفندي) الشاب
المهذّب الأنيق الذي رافقها إلى منرلهاء تتذكر به الشهر الذي
مضى كأنه رؤيا منام.
وإنها لفي هذا الشعور وإذا بهاني قد وقف أمامها بثيابه
"8
الوسخة؛ ثياب الإصطبل» فابتعدت عنه وضمّت إليها ذيل ثوبها
الأبيض. ولم تكن تعرفه من قبل إلا في هذه الثياب» ولكن الحب
كان «صابوناً» يزيل أوضارها وطيباً يُذهب ريحها وصبغة زاهية
تفيض عليهاء فأين الحب الآن؟ إنه نائم لم يفق بعد في قلبهاء
لذلك أنكرت هذه الثياب وفرّت منها وأبدت الترفع والاستعلا
ولم تذكر إلا أنها ابنة صاحب القصر وأنه صب لقيط سائس
خيول يقابل أدبارها ويرفع أقذارهاء وتألمت لدخوله عليها أمام
أسعد, ورأت في ذلك صَغاراً لها في عينه وخافت أن يظن أنها
ليست من طبقة الأكابر المتمدنين.
غضبت لعدوان هاني على كرامتها وتخطيه قدره إلى
محاذاتهاء ولم ير هو فيها إلا الحبيبة قد لبست هذه الثياب التي
تكشف مفاتنها التي يعبدها وأبدت أعضاءها التي د يقدّسها لغريب
عنهاء فغضب للحشمة الجبلية أن يذهب بها هذا التكمّف وللحب
أن يهينه هذا العبث وقال لها: ما هذا؟
قالت: وأنت من أذن لك أن تدخل على؟
قال: أنا... من أذن لى... يا ليلى؟
ودخلت الخادم فقالت لهانى: امسك عربة أسعد أفندي.
فصاح بها: ليمسكها هو.
وخرج مغضباً. وقال أسعد: أنا لا أفهم ما صبرك على هذا
الخادم القذر. اله
امسن
الخادم القذر؟ لقد كانت هذه الكلمة صرخة عالية أيقظت
الحب النائم» فقالت له: أنا لا أسمح لكء إنه صديقي. لا أسمح
لك» اخرج من داري» اخرج.
وتركته حيران مشدوهاًء وانطلقت إلى «صخرة الملتقى».
انطلقت إلى «الصخرة» حين لم تجد في دنياها كلها أحنى
عليها منها وأروح لقلبها. لقد كانت ملاذها والحبيبُ راض
مواصلء والقصرٌ عامر زاهرء أفلا تكون مثابتها وقد غضب
الحبيب وأقفر القصر ولم يبق لها في الوجود غيرها؟
ولمن تلجأ وقد فقدت صدر الأب الذي كانت تهرع إليه
كلما دهتها من الحياة دهياء لم تستطع احتمالهاء فتخفي وجهها
فيه وتبكّه شكاتها ألما خنيًاً خافتء فيمسح دمع عينيها ويرقأ جرح
قلبها ويُرجع إليها سكينة النفس وفرحة الحياة» وفقدته إلى الأبد.
حين احتوته تلك الحفرة الضيقة على شفير الوادي؟
ولمن تلجأ وقد أغضبت الحبيبء الذي نما حبه في فؤادها
وخالط لحمها وعظمهاء ونشأت عليه وعاشت به» وكان منبع
ذكرياتها ومجمع آمالها وغذاء روحها؟
ولمن تلجأ وما في القصر ملجأ ولا ملاذ؟ لقد أقفر من بعد
سيدهء وضل طريقه إليه المجدٌُ وانصرف عن أبوابه العافون
والزائرون» حين انصرف عن مطالب النبل إلى مطارح الهوى
ومشارب الخمر سيّده الجديد.
انطلقت إلى الصخرة» وقد علمت -لما تيقظ في نفسها
181/
الحب- أن كل ما في الدنيا من متع المال ونعم الغنى هو
للمحب كأحلام النائم» لا يجد في يده إذا صحا حبّه شيئاً منه»
وأنها كموائد الرؤى يفيق الرائي فلا يلقى لها في معدته أثراً ولا
في جوارحه خبراً. وماذا يفيد العاشق قَقَّد الحبيب أن يخطر بغالى
الثياب وأن يأكل أطايب الطعام؟ وهل تدفئ الثياب قلباً فيه رغبة
إلى دف القلب المحب؟ وهل تشبع الموائد نفساً فيها جوع إلى
ثمار النغور وظمأ إلى رحيق اللمى؟ ولقد علمت الآن أن صخرةٌ
منقطعة مع الحبيب أجمل من قصور الأرضء وساعةٌ معه أطول
من سني الدهرء وأن خفقات قلبه عند العناق أعذب من رنّات
العيدان وعبقريّات الأغاني.
ولما دنت من الصخرة نعش نفسها نسيمها وشفاها مرآهاء
وأحست بعد حياة «الحضارة...» في عاليه أنها كالغريق يخرج
من الماء وينشق الهواء؛ ونظرت إلى قصر فارس أفندي فلم تره
إلا نقطة ضائعة في هذه السفوح التي تمتد وكأنها لا آخر لها
حتى تتصل بالبحر ثم يصلها البحر بالسماء... فأحسّت أن قد صغر
مكانه في قلبها كما صغر منظره في عينهاء ولم تعد تذكر إلا
أماسي الحب وليالي الوصل عند هذه الصخرة التي قدّسها الحب.
ووجدت هاني قائماء فأسرع إليها وأسرعت إليه» وألقت
بنفسها بين ذراعيه» ما أحست وسخ ثيابه ولا شمّت قبح ريحهء
إذ لم يدع لها الهوى أنفاً يشم ولا عيناً ترى. وسكرت من رحيق
الغرام وخيّل إليها السكر أن لها هذه الدنيا كلها التي تبصرها
تحت قدميهاء وأنها أسعد فتاة فيهاء وأنها قد أمسكت بكفها
الأماني وقبضت على الأحلام. فانتصبت والهواء ينثر الحرير
584
الذهبى من شعرهاء ومدت يديها وصاحت تشوى: امل يدي من
«أزهار الجبل».
فراح يقطفها ويملاً منها يديها.
كذ نا نا
وهبط الليل رفيقاً حانياء فأحاطهما بذراعي أم حنون وردّ
عليهما كل همسة حب كان قد سمعها منذ مر على الدنيا وكل
وسوسة قبلة» وطلع الهلال رقيقاً زاهياً فعرض عليهما كل مشهد
غرام رآه منذ ولد القمر وكل منظر هوىء فلم يجدا في حديث
الليل وصور القمر إلا تاريخهما هما وقصة حبهما. وأفقر قصة
في الحياة قصة الحبء فهي تتكرر دائماً بمشاهدها وفصولهاء لا
يتبدل فيها إلا أشخاص الممثلين.
قصة ألفها هذا الطفل الجبار فضاق به الخيال وقعد به
العجزء فلم يستطع -خلال ألف قرن من الزمان- أن يزيد عليها
شيئاً أو ينقص منها شيئاء فهي تمثل في غابة بولونيا وفي مسارب
هايدبارك كما كانت تمثل في مغارات سرنديب وكهوف بابل!
وهو أبداً يعبث بالمحب ويسيّره على هواه» ويضيق عليه
دئياه حتى يجد صدر الحبيب -يسند إليه رأسه- أوسعٌ من رحب
الفضاء وأفسح من جو الأماني» ويسوّد عليه عيشه فلا يبيض إلا
إن بدت فيه طلعة الحبيب» ويزهده في المجد والجد فلا يجد إلا
لوصوله إليه ولا يرى مجده إلا في رضاه عنه... حتى إذا مل
العيث عاد فنام.
الا
وعادت ليلى إلى القصر وقد نام الحب في صدرها كرة
أخرى واستيقظت فيه شياطين اللهو والترف. وجاء أسعد يزورهاء
واشتهت أن تلبس الثياب التى أهداها إليها. ما آثرت جمال
الثياب على متع الحب؛ ولكنها كانت كالغني يأكل الحلوى
حتى يشتهي الزيتون» ويسكن القصر حتى يستحلي الخيمة؛
ويركب السيارة حتى يتمنى ركوب الحمار... هذه هي النفس
البشرية» يطغيها الغنى ويُنسيها لذةٌ النعمة وجودّهاء ولا تعرفها إلا
عند فقدها.
لبست الثياب ونظرت فى مرآتهاء ومرآة الحسناء من أدوات
شيطانهاء فرأت في مكانها فتاة من فتيات بيروت. وأعجبها
جمالها وقد بدت ذراعاها إلى الكتفين» ونظرت إلى ثيابها الجبلية
التي نضتها عنهاء والتي تستر كل شيء إلا الوجه» كما ينظر المرء
إلى دودة كانت عالقة به وتخلّص منهاء وأحسّت فى نفسها
الشوق إلى الإطراء الذي ألفته فى عاليه أذناها. وترقبت قدوم
أسعد» واستطالت الوقت في انتظاره...
ثم رأته يفتح الباب ويدخل» فتهيأت لاستقباله ونظرت»
فإذا القادم هاني!
وعاد الخصامء» ولكنه كان شديداً عنيفاً هذه المرة. قال
لها: ثقي يا ليلى أنك لا تحبينه» وإنماتحبين مظاهر الترف.
قالت: وأنت ما شأنك بذلك؟ ولماذا تدخل نفسك فيما لا
يعنيك؟
6
وامتد الجدال وأطلق لسانه فى أسعدء فصاحت به: هو خير
5
منك على كل حال. إنه خير ممن يسأل الصدقة بيد قذرة.
خدعتها ظواهر الحب الناعمة فنسيت الرجولة الخشنة الكامنة
وراءهاء فلم تقدّرها ولم تحسب حسابها. لعبت بالقنبلة لما غرها
بريقها ولمعانها» فلمست زرها فتفجّرت! لقد انقلب لما سمع
هذه الكلمة من سبع الملعب (السرك) الأليف إلى أسد الغاب
الضاري. لم يعذرها ولم يضع نفسه في مكانها فينظر ماذا يصنع
وهو في مثل حالها النفسية» وهاله أن تترفع عنه وكان يراها مثله.
لم يجد نفسه دونها لأن الحبّ سوّى بينهماء والحب (مذ كان
الحب) مظهره البذل وحقيقته الأخذ ورداؤه الإيثار وجسمه
الأثرة. وكان يحتمل منها كل شيء إلا أن تمس رجولته» كالمرأة
تحتمل من الرجل كل شيء إلا أن يحقر جمالها وأنوثتها. ولم
يعد يرى أمامه الفتاة التى ألبسها حبه ثوب الملك وحوّطها بهالة
التقديس ورآها مثال الجمال وغاية الآمال» ولكن امرأة من
النساء تهينه وهو الرجل المعتدٌ برجولته» وهو الذي لم يحمل
المهانة من أخيها إلا حبّاً بها. واشتعل دمه نارا» وجُنّ قلبه في
صدرهء وأراد أن يتكلم فشعر كأن لسانه قد وقف وحلقه قد
جفء ولم يع على نفسه إلا ويده ترتفع وتهوي على وجه ليلى
بلطمة دوت في أذنيه كأنها طلقة مدفع» فصحا فجأة وهاله ما
فعل» فانطلق هارباً إلى الإصطبل» وخلا بنفسه يفكر فيما صنع. .
لقد أفرغ غضبه في هذه اللطمة فلم يبق في قلبه إلا الحب
وما يتبع الحب من تقديس» فكيف فعل هذه القعلة؟ وهل فعلها
حقاً؟ هل لطم محبوبته التي يشتري اللمسة منها بالحياة ويدفع
عنها -بروحه- مس النسيم وشعاع الشمس؟
50١
وصارت يده أكره شيء إليه» هذه اليد التي هدمت مستقبله
وطواحت بأمائيّه. وملكته نوبة هياج فضرب يده بالنافذة» فحطّم
زجاجها وأطار شظاياهالء وغسل كفه بالدم.
هذا؟ ماذا صنعت بنفسك؟
وخرجحت لآتيه بضمادء وإذا أنا بليلى تدخل على بثياب
المديئة) متوثبة فُرحى» تقول: اسمعى ) اسمعى البشارة.
قلت: أي بشارة؟
قالت: لقد خطبني» إنه سيتزو جني .
قلت: من؟
قالت: أسعدء لقد أعلن خطبته لى الآن» وقال إن أباه موافق
واخي..
2 و 3 0
وسكتء وحبست أنفاسي في انتظار جوابها لأنى أعلم أن
اندفعت بلا وعي تصيح: إنني أحبه» أحب الأرض التي يمشي
عليهاء أحب الهواء الذي ينشقه؛ أحب..
50
فلم أشأ أن أخبرهاء وتريثشت وسألتها: أتحبينه أكثر من
هاني؟
فتنبهّت كأنها كانت في حلم وأفاقت منه على الحقيقة)
وتصوّرّت حياتها بغير هاني فلم تجد فيها شيئاً جميلاً ولا بهياً
وهل الحياة إلا الذكريات والآمال؟ وهل لها ذكرى حلوة إلا
معه» وهل لها أمل إلا فيه؟ وإذا هى تركته وتروجت أسعد فهل
يترك حبه قلبها؟ هل يذهب من ذاكرتها؟ ألا تذكرها به صخرة
لنجواهماء والبحر الذي كانت تستمع أمواجه إلى أحاديثهماء
والتلول والوهاد» والنسيم العليل» والثلج وأزهار الجبل...؟
والتفتت إلى فحأة وقالت: كلاء» لست أحبه) أحب هانى.
إن هاني هو حياتي» إن الفقر معه هو الغنى» والجوع معه هو
الشبع» والسجن معه بجحنة الأرض.
قلت: فلم -إذن- زعمت أنك تحبين أسعد؟ لقد سمع
هاني منك تلك الكلمة» وفتح الباب وألقى بنفسه يائساً في خضم
الليل.
قالت: ماذا؟ أسّمعني هاني؟!
وشخصت لحظة وقد جمد تفكيرها فما يسيل» ووقف عند
هذه النقطة فما يتحرك. أهي تحب أسعد؟ فما هذه الكلمة التي
نطق بها لسانها في غيبة قلبها وزوّرها على نفسها ترويراً؟
597
أهى تحب أسعد؟ ومن أسعد؟ وماذا بينه وبينها؟ ما يربطه
بها؟ وهل تنسى هاني وعهود الطفولة؟ ألم ترضع هواه مع اللبن
وليدة وتنشأ عليه؟ ألم تسلك معه طرق الحياة سهلها ووعرها؟
ألم تأكل معه على مائدة الحياة حلوها ومرها؟ ألم تشاركه أفكار
الحياة خيرها وشرها؟ أفتهدم سعادتها كلها بكلمة رعناء... أنفخة
في الهواء تقتلع صرحا ممرّداً ثابت الأساس رفيع الشرفات؟
ووثبت إلى الباب ففتحته واقتحمت الظلام.
تع ين
وكانت ليلة قارسة البرد» عاصفة الريح» جنت فيها الطبيعة
فهي تضرب بيديها وتنثر البرَّدَ والثلج وتلطم الوجوه والبنى.
فخرجنا وراءها نناديها» وهي تعدو متحدّرة» تثب على الصخور
وتقفز إلى الأعماق» تنادي: "هاني» هاني..." فيضيع صوتها في
عويل الرياح وعزيف العواصف. ثم انقطع الصوت وخفي
الشخص» وضاعت منا فلم تنحدها.
ورأينا أخاها مقبلاً سكران» فخبّرناه» فقال: سأشرب كأساً
أخرى على هذه البشرى! وقهقه كأن إبليس يضحك بفيه وام
القصرء ولبثنا نفتش حتى بدا الصباح فإذا هي ملقاة في حفرة قد
علاها الثلج؛ فتعاونا حتى حملناها إلى دار أسعد في عاليه لتلقى
ناساً يعنون بها وطبيباً يداويها.
أما هاني فلم يعد ولم نسمع عنه خبراً.
534
مفدّاة بالأرواح» قد مُيّت لها كل أسباب الرفاهية وأحيطت بكل
مظاهر الترف» وسيق لإسعادها كل ما وصلت إليه الحضارة
وأبدعه العقل» فلا ترى إلا جميلاً ولا تشم إلا طيباً ولا تسمع إلا
سار ولا تأكل إلا لذيذاً» ولكنها لم تكن سعيدة... ولم تر حّسن
ما هي فيه لأنها افتقدت النور الذي ترى به جمال الدنيا حين
افتقدت الحبيب.
ولم يكن لها ما تشكو منهء فقد أعطاها أسعد كل شيء ولم
يطلب منها شيئء وكان يسرّها محضره ويهزها كرمه ويعجبها
أدبه» ولكنها لا تحسّ الفراغ في نفسها لغيبته ولا تجد الخفقان
في قلبها لحضوره؛ ولا يحملها حديثه على أجنحة الخيال إلى
العالم المسحور الذي كانت تحملها إليه أحاديث هاني» على
جفوتها وفراغها.
ولقد أحبّ أن يتم عليها سعادتها بالبحث عن هاني» فبعث
الرسل ينفضون الأرض ويفلون المدن ويبحثون في الهضاب
والشعاب» فلم يقعوا له على أثر. وطفقت ليلى تفكر فيه حتى
خدر فكرها وكل» وانطوى على هذه «الفكرة» الواحدة قلا يعنى
بغيرها ولا يفرغ لسواها. وأدركت أن هذا العالم الذي بدا لها
أول مرة بهيَا فاتتاء عالم الذهب والحرير والزهر والعطر» جميل؛
ولكنه كجمال الدمية الفنية» لها المقلة الساحرة والقامة الفتانة
ولكنها رف لس لها روي وهل روح الحياة إلا الحب؟
العطور» وافتقد الحييب لا تيحن لذلك لذة ول جد عي 7
50
... لكن الأيام تبدل كل شيء. وقد بدّل ليلى كر الأيام»
فلم يجف الجرح في قلبها ولكن مس الحنان قد راضه على
السكون؛ ولم يذهب الحب من نفسها ولكن عرفان الجميل قد
ألقى عليه غطاء فأخفاه» ولم تنس حياة القصر وساعات الصخرة
ولكن غياب هاني قد حملها على الأنس بهذه الحياة الناعمة
المرفهة التى نشأت عليها وتعودتها. هذه هي معيشتهاء لا معيشة
هانى الذي ألقته المقادير أمامهاء وقد ولد فى غير بيئتها وجبل
ويا ليتها لم تكن عرفت هانئ» ويا ليت أسعد كان السابق
إليهاء إذن لوجدت السعادة كاملة لا ينقصها شيء. ويا ليت
الحبء هذا الطفل الأعمى» لم يكن رماها بهاني» بالغلام القذر
الذي جىء به من أزقّة بيروت فتعلقت به كما يتعلق المرء بكأس
الخمر» تهري أمعاءه وتشتاقها نفسه! بل هو القدرء القدر الذي
جعل جسدها منعّماً في هذه الجنة وقليّها معدّباً في ذلك
«الإصطبل»» وكتب عليها أن تعيش مع أسعد ويكون حبها
لهاني.
ولم يكن أسعد وأخته يدعانها لحظة كيلا ينبثق جرح قلبهاء
وكانا يُطرفانها أبداً بأجمل الطرف وأرق الأحاديث» ويجددان
لها كل ساعة مسرةء ولكنها كانت كلما خلت بنفسها أو
لمحت الصخرة من بعيد ذكرت ليالى الحب عند الصخرة وعادت
تفكر في هاني: أي أرض تحمله» وأي سماء تظلله؟ وهل هو حي
لا يرال» أم قد طواه الفرى؟ ويا ليتها تستيقن موته فتستريح إلى
اليأس وتتعزى بالعجر!
وكان أسعد يوماً من أيام النقاهة إلى جانبهاء وقد أضجعها
على أريكة في الحديقة» تضحى بشمس الصباح تظللها بواسق |
الصنوبر وتحف بها فواتن الأزهار» وقعد على كرسي صغير ينظر
إليها كما ينظر الوثنى إلى صنمه: يطل قلبه من عينيه حبّا ويقف
لسانه هيبة» وتنقبض يده إكباراً فلا يمسّه -إن مسّه- إلا بأطراف
الأنامل. وكان يتأمل شفتيهاء حتى إذا تحركت طالبة شيئاً جاءها
به قبل أن يتم اللفظء ويلحظ عينيهاء حتى إذا مالت إلى شيء
حمله إليها قبل أن يرتد الطرف. وطغت عليها عاطفة الشكر
وعرفان الجميل فأمرّت أصابعها على شعره» فأحسّ رجفة الكهرباء
العلوية التي لا تمشي في سلك ولكن تسير في الأعصاب؛ ولا
تضيء البيوت ولكن تنير القلوب» ولا تحرك الآلات ولكن
تحرك الكون؛ الكهرباء التي اسمها الحب. وتجرأ فقال الكلمة
التي كان يرددها في نفسه على عدد الدقائق والثواني ولا يجرؤ
أن يقولهاء قال لها: هل تقبلين بي -يا ليل- زوجا؟
وسكت يرقب الكلمة التى تعرّفه مصيره فى هذه الدنياء إما
إلى جنة الحب أو إلى نار الهجران. وسكتت ليلى لحظة» ولكنها
لم تذكر ماضياً ولم تفكر في مقبل» وإنما نظرت إلى الحاضر
وحدم واستجابت لندائه كما تفعل كل امرأة في الدنيا وقالت:
نعم.
وتم الرواج.
ومرت سنوات طويلة) ناعمة هادئة كأنها مياه البحر في
5/
خليج جونيه» واستقر الجرح في قلب ليلى حتى ظنته قد التأم؛
ومنعته عناية أسعد ومحبته أن ينفجر أو ينّسع. واتصلت المودة
بينها وبين أسعد» والمودة إن اتصلت بين الرجل والمرأة لا تليث
أن تصير حباً. وكاد يجيء الحبء لولا أن عصف البحر فى
الخليج فجأة وماج واضطرب» حين دخل الخادم يعلن قدوم
هاني!
انفجر الجرح, وعاش الماضي» ونظرت ليلى إلى حاضرها
الذي كانت تأنس به وتطمئن إليه فوجدته يتهدّم ويكاد يضمحل
حين داهمه هذا الماضي بسيله الدفاع؛ فتمسكت بأسعد الذي
هو رمز هذا الحاضر كما يتمسك الغريق ببقايا الزرورق» وهتفت
به أن يمنعه من الدخول.
فأبى أسعدء وحسب -لغروره وجهله بطباع المرأة- أن
الحبُ قد مات ودفنء لا يدري أنه ذفن في القلب؛ ودفين القلب
يحيا إذا ناداه الماضي! وأذن له بالدخول وقام لاستقباله. وبقيت
ليلى جالسة ساكنة الجوارح وقلبها في زلزال» معرضة عنه وكل
شعرة في جسمها تنظر إليه وتحس به» قد شحب لونها واصفرٌ
وجهها حتى لم يبق فيه قطرة واحدة من الدم. ورفعت إليه عينيها
أخيراً فوجدته قد عاد بأبهى حلة وأكمل زينة» تبدو عليه مظاهر
الغنى وعلائم الثروة. وتخاطبت العينان في لحظة فألقتا ألف
سؤال وسمعتا ألف جواب» وروتا قصصاً وساقتا أخباراً» ولم
يدر حديثهما أحد. ثم أغضت وأخذها مثل الدُوار.
وسمعت وهي في غيبتها أطرافاً من الحديث» فعلمت أن
55
هاني قد عاد من أمريكا غنياً» وأنه اشترى قصر أبيها وصار
مالكه. وكان لكل كلمة يقولها وحرف ينطق به معنى في نفسها
لا يدركه الزوج ولا ينتبه له. لقد كان يفهم معاني الكلمات في
المعجم» وهي تفهم معانيها في القلب المحب وفي الماضي
المبعوث» وتحس أن الحديث بينه وبينها وإن كان الذي يرد عليه
زوجها. ثم غشي عليها فلم تعد تشعر بشيء.
كنز د قن
وذهب هاني إلى القصرء وقعد على كرسي سيّدي الشيخ
رحمه الله وراح ينظر حوله: لقد خرج من القصر أجيراً ذليلاً
وعاد إليه سيدا مالكء وصار علآم تحت يده؛ يجرّعه -إن شاء-
المرّ من كأس الانتقام ويجزيه بالسيئة قدمها له عشراً. وحالفه
الحظ وسعى إليه المال» ولكن ما فائدة هذا كله وفى نفسه هذا
الفراغ الذي لا يملؤه مال ولا قصرء ولا تسلّه لذة الانتقام؟ لقد
ذهبت نشوة الظفر وعلم الآن أنه لن يسعده شيء مما على ظهر
الأرض إلا هذه المرأة التي اسمها ليلى. وقد صارت ليلى لغيره...
فلن يسعده شيء!
وعرض ماضيه كله؛ فتمنى أن تعود أيام الفاقة والعوز وأن
يعود خادماً ذليلاً يحيا بقربها. لقد كان في الحنان الذي ينبثق من
عينيها والفتون الذي يبدو في صوتها وحديثها ما يغنيه عن المال
والجاهء فهل يغنيه الجاه والمال اليوم عن حنانها وفتونها؟ لقد
كان يفر إلى الصخرة الجامدة فينسى القصر وعذابه» فهل ينسيه
القصر ونعيمه -اليوم- تلك العشايا الحبيبة عند الصخرة؟
"1
لقد ضرب في الأرض وخاض البحار وذهب إلى أمريكا
ليعود بالمال الذي يث يشتري به قلبها الذي صبا إلى المال» فماذا
ينفعه الآن إن اشترى القصر وخسر القلب؟ ألهذا كد وتَصب
وحمل الجوع والتعب» وسامر طيف الحب في ليالي الغربة
وتجرّعَ مرارة الهجر في دار النوى؟
وانتظر أن تلبى صوت القلب وتستجيب إلى دواعى الحب»
فلما رآها صنعت ما تصنع كل فتاة خيّرة شريفة» فآثرت الزوج
على العاشق والفضيلة على اللذة» تبدّل بنفسه التى كان عليها
نفساً جديدة» نفخت فيها سبعة شياطين فامّحت منها كل صفات
الإنسان. ونظر إلى الدنيا ومّن فيها بعين الحاقد الحاسد المنتقم.
وكان من سوء حظ سلمى (أخت أسعد)» وهي المرأة التي
رأيتها حين دخلت هذه الدارء أن مالت إلى هانى وشغفها حباًء
والحبّ جنون يدفع إلى كل حماقة وشرّء ففرّتْ إليه وألقت
نفسها على قدميه» وتروجها بأسرع من كرّة الطرف. وما تروجها
عن حب لها ولا ليسعدها ويبرّهاء بل لينتقم بها من أخيها! كره
الناس كلهم ولكنه بقي على حبّه لليلى وحدهاء فلما ماتت بعد
ذلك على يديه (وهي تنظر إلى الصخرة التي كانت مرتع صباها
ومربع هواها) لم يبقَ في قلبه إلا البغضاء.
د كن
ولبثئت سلمى معه هذه السنين الطوال» عشرين سنة» ما
أطولها! وهى تقاسى منة أكثر مما يقاسى السجين من جلاده
والأسير من آسريهء ولم تفقد حبها إياه. أرأيت حب المرأة؟!
إنها تحب بقلبهاء والرجل يحب بشهوته. فحبّها باق وحبّه متحول.
ولم. تنقص -مع ذلك- كراهيته إياها وإيذاؤه لها.
لاما
قلت: ماذا تقولين يا امرأة؟ إنك تسردين قصة أدبية مشهورة»
هي «مرتفعات وذرنغ»؟
فضحكت وقالت: أما قلت لك إنها قصة كتبتها الأقلام
وصوّرتها «الأفلام»؟ وذرنغ؟ وما وذرنغ؟ إنها حزرين يا سيدي»
ولكن سرقوا القصة وحرفوا الاسم.
نينخ بن نا
ولما أصبح الله بالصباح فررت من هذه الدار» وأنا لا
ليلتي في مستشفى مجانين!
كين ”يذ كنا
هذه فصول كتبت فى أوقات متباعدات» فاختلف أسلوبها
وتباينت طرائقها. ولم أكتبها على أنها قصص أسلك فيها
المذاهب المسلوكة للقصة وأستوفي فيها شرائطها الفنيّة» ولم
يمضى حيث شاءء فإن وافقّت أسلوب القصة الذي تعرفونه فبهاء
وإلا فسمّوها مقالات أو صوراً... إن آخر ما أباليه هو الاسم
الذي 7 تسم به.
وقد سقت هذه القصص (أو المقالات) مساق الخبر الواقع
وحدّدت فيها الأزمنة والأمكنة» ولكني لا أحتاج أن أبِيّن أن
ذلك كله من الفنّ الذي تستلزمه الكتابة» وأن الأدب الواقعى هو
الذي يُمْكن وقوع مثله لا الذي قد وقع فعلاً.
وكل ما أرجوه أن تثير هذه الفصول فى نفس قارئها عاطفة
من عواطف الخير أو فكرة من أفكار الحق. وأسأل الله أن
يتجاوز عن ذنوبي.
علي الطنطاوي
في شارع ناظم باشا 0
على أطلال الضمير 00
وافافا ةو وة .م م6 66م